كتاب : فقه الجهاد الحلقة [ 30 ] : الباب الثالث : الجهاد بين الدفاع والهجوم (مناقشة أدلة الفريقين من الهجوميين والدفاعيين)

By : أ.د وسف القرضاوي

الفصل الخامس : حديث: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف"

• سؤالي عن هذا الحديث وجوابي المفصل عنه :

وهو مما يستند إليه الهجوميون أو دعاة الحرب على العالم، باعتباره يعبِّر عن نهج الإسلام، وهو استخدام القوة العسكرية المادية ضدَّ المخالفين.

وقد كنت سئلتُ عن هذا الحديث، وأجبتُ عنه إجابة مفصَّلة، فلا بأس أن أعرضها على القارئ هنا.

س: يستند بعض دعاة العنف من الفصائل المسلَّحة، التي تنسب أعمالها إلى الإسلام، أو ينسبها الناس إلى الإسلام - في جملة ما يستندون إليه - إلى حديث نبوي، يزعمون أنه صحيح، وهو الحديث الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: "بعثتُ بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذلَّة والصَّغار على مَن خالف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم".

ونحن نعلم أن علم الحديث ورجاله: بحر واسع عميق، لا يستطيع السباحة فيه أو الغوص في أعماقه إلا أهله، ولذا وقفنا أمام هذا الحديث لنسأل أهل الذكر: أهذا الحديث صحيح حقيقة أم لا؟ وإن كنا من ناحية المعنى ننكره، فإن الرسول الكريم بعث بالحُجَّة والإقناع والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، وليس بالسيف والعنف، والله تعالى يقول: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة:256[

نرجو من سماحتكم إلقاء ضوء كاشف على القيمة العلمية لهذا الحديث، الذي تمسَّك به المتشدِّدون، وشنَّع به المشنِّعون من أعداء الإسلام: أن هذا الدين دين السيف.

ورأينا انتشار ظاهرة العنف الدموي في عدد من بلادنا الإسلامية، نتيجة لشيوع هذه الثقافة الملغومة، التي تغذَّى بها عقول الشباب الغضِّ، فينحرفون عن الطريق، ص313 ويستبيحون الحرمات، ويسفكون دماء البُرآء بغير حقٍّ، بدعوى أن الإسلام (دين السيف). وهو يعني عندهم استعمال القوة المادية والعسكرية - وليس غيرها - في التغيير والإصلاح. سدد الله خطاكم، ونفع بكم.

ج: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد.

يمكننا أن نسمِّي هذا الحديث (حديث السيف) تشبيها له بما سُمِّي في القرآن: (آية السيف). ولنبدأ بذكره بسنده من "مسند أحمد". روى الإمام أحمد في مسنده قال: حدثنا محمد بن زيد - يعني الواسطي - أخبرنا ابن ثَوبان، عن حسَّان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بعثتُ بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذلُّ والصَّغار على من خالف أمري، ومَن تشبَّه بقوم فهو منهم".

الحديث رقم (5114) و(5115) و(5667) من المسند بتحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط وزملائه.

• نظرة في الحديث من جهة إسناده:

ولنا في هذا الحديث نظرتان: نظرة فيه من جهة الإسناد، ونظرة فيه من جهة المتن.

وإذا نظرنا في إسناده وجدنا عددا من العلماء المعاصرين خرَّجوه. فلننظر ماذا قالوا؟

• ( 1 ) تخريج الشيخ أحمد شاكر :

قال الشيخ أحمد شاكر في تخريجه: إسناده صحيح. ابن ثوبان: هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، سبق الكلام عليه (3281) و(4968). حسَّان بن عطية المحاربي الدمشقي: ثقة؛ وثَّقه أحمد وابن مَعين وغيرهما، وترجمه البخاري في الكبير (2/1/31). أبو مُنيب الجُرَشي الدمشقي الأحدب: تابعي ثقة؛ وثَّقه العِجلي، وذكره ابن حِبان في الثقات، وترجمه البخاري في الكُنى رقم (658). الجُرَشي (بضمِّ الجيم وفتح الراء، وبالشين المعجمة): نسبة إلى (بني جُرَش) بطن من حِمْيَر.

قال: والحديث ذكر البخاري بعضه في الصحيح (6: 72) مُعلَّقًا، قال: (باب ما قيل في الرماح، ويذكر عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "جعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذلُّ والصَّغار على مَن خالف أمري". وخرَّجه الحافظ في الفتح، عن المسند من هذا الوجه، ثم قال: وأخرج أبو داود منه قوله: "مَن تشبه بقوم فهو منهم". حسن، من هذا الوجه. وأبو مُنيب لا يُعرف اسمه. وفي الإسناد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان: مختَلف في توثيقه(

وأورد الهيثمي الحديث في (مجمع الزوائد: 6/49) وقال: رواه أحمد، وفيه: عبد الرحمن بن ثابت، وثَّقة ابن المديني وغيره، وضعَّفه أحمد وغيره، وبقية رجاله ثقات. انتهى.

ولما رجعتُ إلى الحديث رقم (3281)، الذي سبق للشيخ شاكر فيه توثيق ابن ثَوبان، وجدتُه قال عنه: قال أحمد: أحاديثه مناكير. وقال أيضًا: لم يكن بالقوي في الحديث.

وقال أيضًا: كان عابد أهل الشام.

وقال يعقوب بن أبي شيبة: اختلف أصحابنا فيه، فأما ابن مَعين فكان يضعِّفه، وأما علي - يعني: ابن المديني - فكان حسن الرأي فيه، قال: ابن ثَوبان رجل صدق لا بأس به، وقد حمل عنه الناس. ووثَّقه الفَلَّاس ودُحيم وأبو حاتم، وذكره ابن حِبان في الثقات. واختلفت الرواية فيه عن ابن مَعين، فرُوي عنه أيضًا أنه قال: صالح.

قال شاكر: والظاهر: أنهم تكلموا فيه من أجل القدر، ومن أنه تغيَّر عقله في آخر عمره، ولم يذكره البخاري ولا النَّسائي في الضعفاء، وصحَّح له الترمذي حديثًا. انتهى.

هذا ما انتهى إليه العلامة الشيخ شاكر رحمه الله، فقد صحَّح إسناد الحديث، برغم ما في الرجل من خلاف شديد حول توثيقه أو تضعيفه. والشيخ شاكر معروف بتساهله في التصحيح، فلا يكاد يوجد راوٍ مختَلف فيه إلا ووثَّقه واعتمده. وقول الإمام أحمد: أحاديثه مناكير يدلُّ على أنه لم يضعِّفه من أجل القدر، كما قال الشيخ.

وقد رأيناه نقل عن حافظين كبيرين ذكرا الحديث ولم يصحِّحاه:

أحدهما: الحافظ نور الدين الهيثمي صاحب (مجمع الزوائد(

والثاني: الحافظ ابن حجر في (الفتح(

وكلاهما ذكر الحديث، وذكر ما في راويه ابن ثوبان من خلاف. وممَّا يؤخذ على كلام الشيخ شاكر: أنه قال: ذكر البخاري بعضه في الصحيح مُعلقًا، وكان ينبغي أن يقول: بغير صيغة الجزم، بل بصيغة التمريض والتضعيف. لأنه قال: ويذكر عن ابن عمر... إلخ. ولكن يشفع له أنه ذكر الصيغة التي أوردها البخاري، وفيها: ويذكر عن ابن عمر.

وما نقله من قول ابن المديني وابن مَعين فيه: ليس بتوثيق مطلق، كقول: لا بأس به، أو: روى عنه الناس، أو: صالح.

• ( 2 ) تخريج الألباني :

وقد فتح الشيخ شاكر باب تصحيح هذا الحديث للمعاصرين، فنجد الشيخ ناصر الدين الألباني صحَّحه في أكثر من كتاب له.

ففى صحيح الجامع الصغير وزيادته ذكره برقم (2831) ذكر أنه صحيح، وأشار بالرجوع إلى كتابه: حجاب المرأة (104)، والإرواء (1269).

وبالرجوع إلى (الإرواء) أعني (إرواء الغليل في تخرج أحاديث منار السبيل)، - وقد ذكر صاحب المنار الجزء الأخير من الحديث وهو الذي أخرجه أبو داود منه وهو: "مَن تشبه بقوم فهو منهم" - قال في تخريجه: صحيح. أخرجه أحمد (2/50، 92)، وعبد بن حُميد في (المنتخب من المسند) (ق92/2)، وابن أبي شيبة في (المصنف) (7/150/1)، وأبو سعيد بن الأعرابي في (المعجم) (ق110/2)، والهروي في (ذم الكلام) (ق54/2)، عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، ثنا حسَّان بن عطية، عن أبي مُنيب الجُرَشي، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"بعثت بين يدي الساعة بالسيف، حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظلِّ رمحي، وجعل الذلُّ والصَّغار على مَن خالف أمري، ومَن تشبه بقوم فهو منهم".

قلتُ: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقات غير ابن ثوبان هذا، ففيه خلاف، وقال الحافظ في (التقريب): (صدوق، يخطئ، وتغير بأَخَرَة(

وقد علَّق البخاري في (صحيحه) (6/72) الجملة التي قبل الأخيرة، والتي قبلها[1] ، ولأبي داود منه (4031) الجملة الأخيرة.

ولم يتفرَّد به ابن ثوبان، فقال الطحاوي في (مشكل الآثار) (1/88): حدثنا أبو أمية، حدثنا محمد بن وهب بن عطية، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، عن حسَّان بن عطية به.

قلتُ: وهذا إسناد رجاله ثقات غير أبي أمية، واسمه محمد بن إبراهيم الطَّرسوسي، قال الحافظ في: (التقريب): صدوق، صاحب حديث، يَهِم.

والوليد بن مسلم ثقة محتجٌّ به في الصحيحين، ولكنه كان يُدلِّس تدليس التسوية، فإن كان محفوظًا عنه، فيُخشى أن يكون سوَّاه.

وقد خالفه في إسناده صَدَقة فقال: عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم به.

أخرجه الهروي (ق54/1) من طريق عمر بن أبي سلمة، حدثنا صَدَقَة به.

وصَدَقَة هذا هو: ابن عبد الله السمين الدمشقي وهو ضعيف.

وخالفهما عيسى بن يونس، فقال: عن الأوزاعي، عن سعيد بن جَبَلَة، عن طاوس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكره.

أخرجه ابن أبي شيبة (7 /152 /1).

قلتُ: وهذا مُرسَل، وقد ذكره الحافظ في (الفتح) (6/72) من رواية ابن أبي شيبة، عن سعيد بن جَبَلَة مُرسَلًا، لم يذكر فيه طاوسًا وقال: (إسناده حسن).

كذا قال، ورجاله ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن جَبَلَة، وقد أورده ابن أبي حاتم (2/1/10) من رواية الأوزاعي عنه، وقال عن أبيه: (هو شامي). ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا، وهو على شرط ابن عساكر في (تاريخه) ولم يورده فيه.

ثم أخرجه الهروي (54/1 - 2)، وأبو نعيم في (أخبار أصبهان) (1/129) من طريق بشر بن الحسين الأصبهاني، ثنا الزبير بن عَدي، عن أنس بن مالك مرفوعًا به.

قلتُ: وبشر هذا متروك متَّهم فلا يُفرح بحديثه. انتهى.

وبهذا تبيَّن لنا أن الحديث لم يأتِ من طريق واحدة صحيحة متصلة سالمة من النقد، وإنما صحَّحه مَن صحَّحه بطُرُقه، وكلها لا تسلم من مقال، ولم تكثر إلى درجة يقال: يقوِّي بعضها بعضًا. على أن التصحيح بكثرة الطرق - وإن لم يكن معروفًا بكثرة ووضوح عند المتقدمين من أئمة الحديث - إنما يعمل به في القضايا اليسيرة، والأمور الجزئية البسيطة، لا في مثل هذا الأمر الذي يعبِّر عن عنوان الإسلام واتجاهه: هل بعث رسوله بالرحمة أو بعث بالسيف؟ هل بعث بالحجة أو بعث بالسيف؟

• ( 3 ) تخريج آل الأرناؤوط:

وأما الشيخ شعيب الأرناؤوط، فله تخريجان للحديث: قديم وحديث.

فأما القديم ففي تخريج أحاديث (زاد المعاد)، عندما حقَّقه منذ سنين مع زميله الشيخ عبد القادر الأرناؤوط، وكان فيه مقلِّدًا أكثر منه محقِّقًا ومستقلًا، فحسَّن إسناده.

وأما الجديد، ففي تخريجه للمسند، حيث أصبح أكثر نضجًا واستقلالًا من ناحية، وحيث غدا يشاركه خمسة آخرون من العلماء، فهو عمل جماعي له قيمته :

في تخريج الزاد، بعد أن ذكر ابن القيم الحديث مستشهدًا به على أن الذلَّ والصَّغار على مَن خالف أمر محمد صلى الله عليه وسلم. قال شعيب وعبد القادر:

أخرجه أحمد في (المسند): (2 /50، 92)، وسنده حسن، وجوَّد ابن تيمية إسناده في (الاقتضاء) صـ29، وصحَّحه الحافظ العراقي في (الإحياء)، وحسَّنه الحافظ في (الفتح) (10/230)، وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو داود (4031)، وعلَّق طرفا منه البخاري في (صحيحه) (6/72)، وله شاهد مرسل بسند حسن، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق الأوزاعي (حاشية زاد المعاد: 1/35) طبعة الرسالة.

ويلاحظ هنا: أن الحافظ في (الفتح) لم يحسِّنه، بل ذكر الاختلاف في توثيق ابن ثوبان، وإنما حسَّن الشاهد المرسل له، كما يلاحظ أن الشيخ شعيبا وزميله ذكرا أن البخاري علَّق طرفا منه، ولم يشيرا إلى أنه بصيغة التضعيف.

• ( 4 ) التخريج الجماعي لمسند أحمد :

وفي تخريج المسند في الجزء التاسع الذي اشترك فيه مع الشيخ شعيب: محمد نعيم العرقسوسي، وإبراهيم الزيبق، وغيرهما، قالوا: إسناده ضعيف، على نكارة في بعض ألفاظه. ابن ثوبان: اختلفت فيه أقوال المجرِّحين والمعدِّلين، فمنهم مَن قوَّى أمره، ومنهم من ضعَّفه، وقد تغيَّر بأَخَرَة. وخلاصة القول فيه: أنه حسن الحديث إذا لم يتفرد بما يُنكر، فقد أشار الإمام أحمد إلى أن له أحاديث منكرة، وهذا منها.

وذكروا ممَّن أخرجه: عبد بن حُميد ... والطبراني في مسند الشاميين ... وابن الأعرابي في معجمه ... والبيهقي في الشعب ... أربعتهم عن ابن ثوبان، وزادا فيه بعد قوله: "بعثت بالسيف": "بين يدي الساعة".

وعلَّق البخاري (6/98 الفتح) بعضه بصيغة التمريض.

وأخرجه الطحاوي في (شرح مشكل الآثار) بإسناده، وفيه ثلاث عِلل، بيَّنوها بالتفصيل. ثم قالوا: فهذه العلل الثلاث مجتمعة لا يمكن معها تقوية الحديث المرفوع بمتابعة الأوزاعي لابن ثوبان. والله تعالى أعلم[2] .

فهذا هو التحقيق الذي قام به الفريق الذي قام على تخريج المسند بإشراف العلامة الشيخ شعيب .

وأزيد هنا فأقول: إن الإمام أحمد لم يقُل: إن له أحاديث منكرة، بل قال: أحاديثه مناكير. وهذه العبارة أشدُّ من الأولى.

• ( 5 ) ما قاله رجال الجرح والتعديل عن ابن ثوبان:

ويحسن بنا هنا - استكمالاً للبحث - أن نضع بين يدي القارئ المهتم: أقوال أئمة الجرح والتعديل في عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، أحد الرواة، الذي اختُلف في توثيقه، كما رأينا، وهو سبب ضعف هذا الحديث.

ونكتفي هنا بكتاب لعله أهم الكتب في هذا الباب، وهو: كتاب (تهذيب الكمال) للمِزِّي، وهو خاص برواة الكتب الستة، وقد تفرَّع عنه عِدَّة كتب، مثل: تهذيب التهذيب لابن حجر، وتقريب التهذيب له أيضًا، وتذهيب التهذيب للذهبي، وخلاصة تذهيب تهذيب الكمال للخزرجي. وأمُّها جميعًا: تهذيب الكمال للمزي.

• ما نقله المِزِّي في تهذيب الكمال:

أما ما ذكره الحافظ المِزِّي في تهذيب الكمال عن ابن ثوبان، فقد قال في ترجمته برقم (3775):

قال أبو بكر الأثرم، عن أحمد بن حنبل: أحاديثه مناكير.

وقال محمد بن علي الورَّاق، عن أحمد بن حنبل: لم يكن بالقوي في الحديث.

وقال أبو بكر المَرُّوْذِي، عن أحمد بن حنبل: كان عابد أهل الشام. وذكر من فضله، قال: لما قُدِم به دخل على ذاك الذي يقال له المهدي، وابنته على عنقه.

وقال إبراهيم بن عبد الله بن الجُنيد، عن يحيى بن مَعين: صالح.

وقال في موضع آخر: ضعيف.

وقال عباس الدُّورِي، عن يحيى بن مَعين: ليس به بأس.

وكذلك قال علي بن المديني، وأحمد بن عبد الله العِجلي، وأبو زُرعة الرَّازي.

وقال معاوية بن صالح، وعثمان بن سعيد الدَّارِمي، وعبد الله بن شعيب الصابوني، عن يحيى بن مَعين: ضعيف.

زاد معاوية: فقلتُ: يُكتب حديثه؟ قال: نعم على ضعفه، وكان رجلًا صالحًا.

وقال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن مَعين: لا شيء.

وقال يعقوب بن شيبة السَّدُوسي: اختلف أصحابنا فيه، فأما يحيى بن مَعين، فكان يضعِّفه، وأما علي بن المديني فكان حسن الرأي فيه، وكان ابن ثوبان رجل صدق، لا بأس به، استعمله أبو جعفر والمهدي - بعده - على بيت المال، وقد حمل الناس عنه.

وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين كلهم ضعيف، إلا نفرًا منهم: الأوزاعي، وعبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان. وذكر آخرين.

وقال عثمان بن سعيد الدَّارِمي، عن دُحيم: ثقة، يُرمى بالقدر، كتب إليه الأوزاعي، فلا أدري أي شيء ردَّ عليه.

وقال أبو حاتم: ثقة.

وقال في موضع آخر: يشوبه شيء من القدر. وتغيَّر عقله في آخر حياته. وهو مستقيم الحديث.

وقال أبو داود: كان فيه سلامة، وكان مجاب الدعوة، وليس به بأس، وكان على المظالم ببغداد.

وقال النَّسائي: ضعيف.

وقال في موضع آخر: ليس بالقوي.

وقال في موضع آخر: ليس بثقة.

وقال صالح بن محمد البغدادي: شاميٌّ صدوق، إلا أن مذهبه مذهب القدر، وأنكروا عليه أحاديث، يرويها عن أبيه، عن مكحول. مُسندة، وحديث الشاميِّ لا يُضمُّ إلى غيره، معرَّف خطؤه من صوابه.

وقال في موضع آخر: لم يسمع من بكر بن عبد الله شيئًا، وإنما يروي عن أبيه، وعن الشاميين.

وقال ابن خِراش: في حديثه لين.

وقال أبو أحمد بن عَدي: له أحاديث صالحة، يحدث عنه عثمان الطَّرائفي بنسخة. ويحدث عنه يزيد بن مُرَشَّل بنسخة، ويحدث عنه الفِريابي بأحاديث، وغيرهم، وقد كتبتُ حديثه عن ابن جَوصَى وابن أبي عَروبة من جمعيهما، ويبلغ أحاديث صالحة، وكان رجلاً صالحًا، ويُكتب حديثه على ضعفه، وأبوه ثقة.

وذكره ابن حِبان في كتاب (الثقات).

وقال أبو بكر الخطيب: كان مَّمن يُذكر بالزهد والعبادة والصدق في الرواية. انتهى

وبهذا يتبيَّن لنا أن مجرحيه أكثر، وأن موثقيه - وهم قِلَّة - لم يوثقوه بإطلاق. فدُحيم الذي وثَّقه قال: يُرمى بالقدر، كتب إليه الأوزاعي، فلا أدري أي شيء ردَّ عليه. وأبو حاتم الذي وثَّقه قال عنه أيضًا: يشوبه شيء من القدر. وتغيَّر عقله في آخر حياته.

وكما رمي بالقدر، رمي بالخروج، وقد ذكر الذهبي في (الميزان) عن الوليد بن مزيد: أنه روى عن الأوزاعي: أنه كتب إلى ابن ثوبان يقول له: وقد كنتَ ترى قبل وفاة أبيك: تركَ الجمعة حراما، وقد أصبحتَ ترى ترك الجمعة والجماعة حلالًا.

ومعنى هذا: أنه رجل لديه استعداد للغلو، فأحيانا يميل إلى مذهب أهل القدر، وأحيانا إلى مذهب الخوارج. ومثله يروج عنده حديث مثل: "بعثت بين يدي الساعة بالسيف".

ونقل الذهبي عن العُقيلي أنه قال: لا يُتابع ابن ثوبان إلا مَن هو دونه أو مثله[3[ .

وذكره ابن الجوزى في جملة الضعفاء.

وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء): لم يكن بالمكثر، ولا هو بالحُجَّة، بل صالح الحديث [4[

وقال ابن حجر في (التقريب): صدوق يخطئ، ورُمي بالقدر، وتغيَّر بأَخَرَة [5] انتهى.

ومثل هذا الراوي لا يؤخذ منه حديث يحمل مثل هذا المضمون الخطير: الإسلام دين السيف! وأن الرسول يرتزق من رمحه!

• نظرة أخرى في الحديث من جهة متنه ومضمونه:

وإذا غضضنا الطرف عن سند الحديث وما فيه من كلام، ونظرنا في متنه ومضمونه، وجدناه كذلك منكرًا، لا يتَّفق مع ما قرَّره القرآن بخصوص ما بُعث به محمد صلى الله عليه وسلم.

فالقرآن لم يقرِّر في آية واحدة من آياته أن محمدًا رسول الله بعثه الله بالسيف، بل قرَّر في آيات شتَّى أن الله بعثه بالهدى ودين الحق والرحمة والشفاء والموعظة للناس.

يقول تعالى في سورة التوبة: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:33]، وتكررت الآية بلفظها في سورة الصف [الآية:9[

وقال تعالى في سورة الفتح: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً} [الفتح:28[

وهذا كلُّه في القرآن المدني، وفي القرآن المكي نقرأ قوله تعالى في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء:107[

وفي سورة يونس: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57[

وفي سورة النحل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:89[

وفي سورة الإسراء: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً} [الإسراء:105].

وفي سورة البقرة: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} [البقرة:119].

وفي سورة الأحزاب: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً * وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [الأحزاب:45-48[

وفي سورة النساء: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ} [النساء:170[

وفي سورة المائدة: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة:15-16[

فهذه مهمَّته مع أهل الكتاب، أما مهمَّته مع الأميين - مشركي العرب - فقد بينتها الآية الكريمة من سورة الجمعة: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} [الجمعة:2[

وهذه الآيات كلها مكيَّة ومدنيَّة، بصِيَغها المختلفة، تدلُّ دلالة جليَّة على أن الرسول الكريم لم يُبعث إلا بالهدى وبالحق وبالتبشير وبالإنذار، والبيان والشفاء لما في الصدور، والرحمة العامة للعالمين، ولم يُبعث بالسيف ولا بالرمح، كما هو منطوق الحديث. وإن لجأ إلى السيف كرها للدفاع عن دينه وأمته ، والشر بالشر يحسم والبادي أظلم!

وليس هناك أصدق ولا أبلغ من آيات القرآن العظيم تُؤخذ منها المفاهيم الحقيقية والأساسية لهذا الدين.


اترك تعليق