كتاب : الحق المر الحلقة [ 25 ] : من آفات الوثنية السياسية

By : تأليف : الشيخ محمد الغزالي

حسدتُ شعوبَ أوربا الغربية وأمريكا الشمالية واستراليا وغيرها على ما تستمتع به من حرية القول، والقدرة المحصَّنة على نقد الحكام وكشف أخطائهم ومحاسبتهم عليها حسابا عسيرا..

الحاكم هناك ترمقه ألف عين، وتُسرع إلى مساءلته على كل تصرف يحتاج إلى شرح ، وقد تابعت المحاكمة الإعلامية التى تعرض لها رئيس الولايات المتحدة، وهى أولى دول العالم، ورئيسها أعظم الرؤساء جاها وسلطانا، فرأيت الرجل الشامخ يوضع فى السفود، ويشوى على نار من النقد اللاذع القاسى، ويحاول الاعتذار والتنصل دون جدوى.

وتذكرت بيتى الرافعى وهو يصف ما يفعل بخصمه:

وللسفود نار لو تلظى .. بجاحمها حديدا ظن شحما !

ويثوى الصخر يتركه رمادا .. فكيف وقد رميتك فيه لحما؟

وليس ما وقع من الرأى العام الأميركى بدعا! إن ذلك يحدث فى إنجلترا وفرنسا وغيرهما.

بيد أن هذه الحريات السياسية الجليلة للاستهلاك المحلى فى أقطار الغرب، ولا يسمح بتصديرها إلى بلاد أخرى! أو بتعبير أصح لا تفكر أقطار متخلفة كثيرة فى استيرادها لتنتفع بها، حسبها أن تنتفع بسلع اللذة ومواد الترف وثقافة الإلحاد والإباحة..

إن نظرة البلاد الراقية إلى حكامها هى نظرة الناس فى صدر الإسلام إلى الخلافة الراشدة! يقول الخليفة: إن أحسنت فأعينونى، وإن أسأت فقومونى!!.

حتى الدول الشيوعية التى يشيع فيها الاستبداد السياسى، قلما توضع الأمور فيها إلا بيد أعتى الرجال وأصلبهم عودا وأشدهم مراسا..

أما البلاد المتخلفة فإن كيمياء الحظوظ هى التى تصنع القادة، وكيمياء الحظوظ هى التى قال فيها ابن الرومى:

إن للحظ كيمياء إذا ما .. مس كلبا أحاله إنسانا!

يرفع الله ما يشاء كما شاء .. متى شاء كائنا ما كانا..!!

وقد ينهزم القائد الذى صنعته الحظوظ هزيمة تسود لها وجوه وتخزى بها شعوب ويضيع بها حاضر ومستقبل! ومع ذلك فإن الوثنية السياسية تمدحه ولا تلومه ! وتستبقيه ولا تقصيه ، وتزور له تاريخا وفلسفة بدل أن تصمه بالعار وتكويه بالنار.

ما أغرب حياة الأمم المتخلفة وأسوأ أحوالها


اترك تعليق