كتاب : فقه الجهاد .الحلقة [ 15 ] : الباب الثاني : (أنواع الجهاد ومراتبه الفصل الثاني : (مرتبة جهاد النفس)

By : أ . د يوسف القرضاوي

 

• أول مراتب الجهاد :

أول مراتب الجهاد التي ذكرها الإمام ابن القيم وغيره: جهاد النفس.

والمقصود بجهادها: بذل الجهد لحملها على الالتزام بمنهج الله تعالى، والسير على صراطه المستقيم، وهو يتضمَّن طاعة الله تعالى وعبادته، والبعد عن معصيته، بأداء المسلم واجبه نحو ربِّه، وواجبه نحو نفسه، وواجبه نحو أمَّته الكبرى، وواجبه نحو الإنسانية جميعا، وواجبه نحو الكون والمخلوقات جميعا.

ولا شكَّ أن الالتزام بذلك ثقيل على النفس، فهي كما وصفها الله تعالى على لسان امرأة العزيز[1] : {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53[

وقال تعالى في شأن الصلاة: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]، وقال في شأن المال: {وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} [النساء:128]، كما يصف الإنسان بقوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا} [الأحزاب:72]، {وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً} [الإسراء:11[

فالنفس إذا تُركت لهواها وغرائزها، دون حاجز من إيمان، أو رادع من عقل أو ضمير، حادت بالإنسان عن سواء السبيل، فتكاسلت عن أداء الواجبات، وفعل الخيرات، وأسرعت إلى اتِّباع الشهوات، واقتراف السيئات.

• الخلق ثلاثة أنواع :

ذلك أن الله تعالى خلق الخلق على ثلاثة أنواع:

 نوع له عقل وليس له غرائز وشهوات، وهم الملائكة، وهؤلاء مفطورون على الطاعة، معصومون من المعصية: {لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6]، {إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ} [الأعراف:206]، {يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [الأنبياء:20[

 2ونوع ليس له عقل، وإنما تُسيِّره الغرائز وحدها، وهذا يتمثل في الأنعام والبهائم والحيوانات. وهذه لا تُؤمر ولا تُنهى ولا يجري عليها تكليف.

 - 3 وصنف لهم عقول، ولهم غرائز وشهوات، وهؤلاء هم البشر، فهم صالحون لأن ترتقي بهم عقولهم حتى يبلغوا درجة الملائكة، وربما فضلوهم، وأن تهبط بهم غرائزهم حتى يصلوا إلى دَرَك الأنعام أو أضل سبيلا.

ذلك أن الإنسان - كما رأينا في خلق آدم أبي البشر - مكون من عنصرين: عنصر أرضيٌّ، وعنصر سماويٌّ، أو عنصر طينيٌّ، وعنصر رُوحيٌّ. والعنصر الأول يتمثل في التراب أو الطين أو الحمأ المسنون الذي خُلق منه جسم الإنسان. والعنصر الآخر يشير إليه قوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر:29[

والطين يجذب الإنسان إلى أسفل، إلى الأرض، والرُّوح تنزع بالإنسان إلى أعلى، إلى ملكوت السماء، إلى الله جلَّ جلاله.

فإذا ترك الإنسان نفسه تنزع إلى الطين، نزل إلى حضيض البهائم.

وإذا راضَ نفسه وزكَّاها، ارتفعت به إلى أفق الملائكة.

• ضرورة جهاد النفس حتى تتزكَّى:

ومن هنا كان على الإنسان أن يبذل جهده ليرقى بنفسه ويزكِّيها، ولا يهملها فيدسِّيها، وهي قابلة لهذا وذاك، فهي مستعدة للفجور استعدادها للتقوى. وإنما ترتقي إلى التقوى بالرياضة والمجاهدة والتزكية، كما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس:7-10[

وكلمة (تزكية) مشتقة من كلمة (زَكَا) ومعناها لغة: طهر ونما. فهي تتضمن عنصرين: الطهارة والنماء. وتزكية النفس تعني: تطهيرها من عقائد الشرك، ورذائل النفاق، وصفات الأشرار، وتنميتها بعقائد التوحيد، وفضائل المؤمنين، وخصال الأخيار. وهو ما يعبِّر عنه أهل السلوك بـ(التخلية) و(التحلية)، أي التخلية من الباطل في الاعتقاد، والكذب في الأقوال، والسوء في الأفعال، والتحلية بالحق في الاعتقاد، والصدق في الأقوال، والخير في الأفعال.

وهذا كله يحتاج إلى مجاهدة، والمجاهدة إذا كانت في ذات الله ومن أجل ابتغاء مرضاته: فهي لا بد موصلة إلى ثمرتها، وفق سنن الله سبحانه، وهي الهداية الربانية، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69]، ومعنى {جَاهَدُوا فِينَا}: أي في ذاتنا وفي سبيلنا وابتغاء مرضاتنا.

• النفس الأمارة وراء كثير من أعمال السوء:

ولقد ذكر لنا القرآن الكريم: أن نفس الإنسان قد تسوِّل له ارتكاب مخالفات خطيرة قد تنتهي إلى الموبقات، ومنها قتل النفس بغير حق. حتى إن أول جريمة قتل وقعت في تاريخ البشرية كانت بتسويل نفس الإنسان الأمَّارة بالسوء.

وتلك نفس ابن آدم الأول الذي قتل أخاه الطيب بغير ذنب جناه، والذي قال له: {لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، ومع هذا لم تزجره هذه الموعظة البليغة، وأصر على ارتكاب جريمته البشعة: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:28-30[

لم يكن هناك مجتمع، حتى يقول الاجتماعيون في عصرنا: إنه ضحية المجتمع. إنه ضحية هواه ونفسه الأمَّارة بالسوء، هو الذي طوَّعت له نفسه قتل أخيه، وكان بذلك أول مَن سنَّ القتل لمَن بعده. ولهذا جاء في الحديث الصحيح: "إنه ما من نفس تُقتل ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كِفل منها"[2] ، ذلك: أن مَن سنَّ سنَّة سيئة: كان عليه وزرها ووزر مَن عمل بها إلى يوم القيامة.

كما ذكر لنا القرآن أن سيدنا يعقوب قال لبنيه، وقد ألقَوا أخاهم يوسف في الجُبِّ، ثم جاؤوا أباهم عشاء يبكون، وادعَوا أن الذئب أكله، وجاؤوا على قميصه بدم كذب، قال: {بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:18[

وكذلك قال لهم حين ضمَّ يوسف إليه أخاه بحيلته التي دبَّرها، وعادوا إلى أبيهم بدونه، وقالوا له ما قالوا معتذرين: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} [يوسف:83[

فأعاد سوء عملهم إلى تسويل أنفسهم، التي أمرتهم بالسوء، وكانوا في هذه المرَّة مظلومين، ولكن نبيَّ الله يعقوب لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله سبحانه.

وكذلك ذكر لنا القرآن في قصة السامري الذي أضلَّ بني إسرائيل حين صنع لهم العجل الذهبي، وقال: هذا إلهكم وإله موسى، وصدَّقه القوم وعبدوه، وهو {لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً} [الأعراف:148]. ولما رجع موسى، ورأى ما رأى: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} [طه:96،95]، فنفسه هي التي سوَّلت له هذا العمل الكُفري الخبيث، الذي أضلَّ به أمة موحِّدة، فجعلها تعبد الأوثان.

إنها النفس البشرية، إذا لم تُؤخذ بالرياضة والتربية والمراقبة والمحاسبة: أخلدت إلى الأرض واتبعت هواها، واقترفت كبائر الإثم والفواحش ما ظهر منها وما بطن.

وقد يقع بعض أهل العلم في هذا الدَّرَك إذا اتبع هوى نفسه، فلم ينتفع بعلمه، بل كان حُجَّة عليه. كما حكى القرآن عن الذي آتاه الله آياته فانسلخ منها، وسار في ركب الشيطان، كما قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف:176،175[

• المجاهد مَن جاهد نفسه في طاعة الله:

ولا غرو أن شرع لنا الإسلام أن نجاهد أنفسنا ونروِّضها على تقوى الله والإحسان للناس، كما روى الإمام أحمد في مسنده، عن فَضَالَة بن عُبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّة الوداع: "ألا أخبركم بالمؤمن؟ مَن أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. والمسلم: مَن سلِم الناس من لسانه ويده. والمجاهد: مَن جاهد نفسه في طاعة الله. والمهاجر: مَن هجر الخطايا والذنوب"[3[

فهو في هذا الحديث يعطي تعريفات لهذه المفاهيم غير التعريفات الرسمية المعروفة، منبِّها على معان فيها يغفل الناس عنها، ولا يلتفتون إليها، مع أهميتها وقيمتها في دين الله، فأهم ما يتميَّز به الإيمان: أن يكون مصدر أمان للناس، بحيث يأمن الناس صاحبه على أموالهم وأنفسهم. وأهم ما يتميَّز به الإسلام: أن يكون منبع سلام للمسلم ولمَن حوله، فيسلم الناس من لسانه ويده، فلا يناله منهم أذى بإحدى الجارحتين. وأهم ما يتميَّز به الجهاد: أن يجاهد الإنسان نفسه، ولا يكتفي بمجاهدة عدوه الخارجي، مُهمِلا نفسه التي بين جنبيه. وأهم ما تتميَّز به الهجرة: هجرة الخطايا والذنوب، لا مجرَّد هجرة الديار.

والحديث أيضا رواه الترمذي، عن فَضَالَة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المجاهد مَن جاهد نفسه". قال الترمذي: حديث حسن صحيح .

ورواه ابن حِبان في صحيحه بلفظ: "المجاهد مَن جاهد نفسه في الله"[4] ، وهذه إضافة مهمة، فإن الجهاد كله لا يُعتبَر، وليس له وزن عند الله، إلا إذا كان في الله، كما قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ} [الحج:78[

ومعنى: أنه في الله، أي في سبيله وابتغاء مرضاته، وطلب مثوبته، فلا يعتبر جهادا من راضَ نفسه، ليكون مثل فقراء الهنود، أو فلاسفة الرواقيين، أو رهبان النصارى، أو ليبيِّن للناس مقدار صبره ومدى طاقته النفسية، أو غير ذلك، ما لم يكن جهده وجهاده لله وحده، كما قال الله تعالى لرسوله:{قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام:163،162[

ولهذا أوصى المربون على اختلاف العصور برياضة النفس، كما يراضُ البدن، ليقوى ويصحَّ، ويقدر على سرعة الحركة، وتحمُّل الخشونة والمعاناة.

بل رياضة النفس أهم من رياضة البدن. يقول أبو الفتح البُستي في نونيته:

يا خادم الجسم كم تسعى لخدمتـه ... أتطلب الربح مما فيه خســـران؟

أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس - لا بالجسم - إنسان!

ويقول البوصيري في بردته:

والنفس كالطفل إن تهمله شبَّ على ... حبِّ الرَّضاع، وإن تفطمه ينفطـمِ

فاصرف هواها وحاذر أن تولِّيـه ... إن الهوى ما تولَّى يُصْم أو يَصـمِ

معنى: يُصْم: يقتل. ومعنى: يَصِم: يعِبْ. فاتباع الهوى إما يهلكك وإما يشينك.

يصف الإمام الغزالي هذه النفس، فيقول: إنها في حالة الشهوة بهيمة، وفي حال الغضب سَبُع، وفي حال المصيبة تراها طفلا صغيرا، وفي حال النعمة تراها فرعونا، وفي حال الجوع تراها مجنونا، وفي حال الشِّبَع تراها مختالا! إن أشبعتها بطِرت وفرحت، وإن جوَّعتها صاحت وجزِعت، فهي كما قال الأول:

كحمار السوء إن أشبعته ... رَمَح الناس[5] وإن جاع نَهَق![6[

ولهذا حذَّر القرآن الكريم من اتباع هوى النفس، كما قال تعالى لداود: {يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26[

وقال تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} [القصص:50[

وقال في ذمِّ المنافقين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد:16[.

وقال لرسوله: {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف:28[

وجعل اتباع الهوى ضربا من الشرك، إذا اتخذ المرء إلهه هواه، كما قال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً} [الفرقان:43،42[

وفي سورة أخرى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ} [الجاثية:23[

ولهذا قال ابن عباس: شر إله عبد في الأرض الهوى.

وعلى المؤمن أن يجرِّد نفسه من اتباع الهوى أو (عبادة الذات)، حتى يَخلُص عبدا لله وحده لا لشيء غيره، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام:163،162[

وكل تحرير يلزم أن يسبقه جهاد من نوعه، فمَن لم يجاهد لم يتحرَّر.

• صعوبة جهاد النفس :

وقد بيَّن الإمام الغزالي صعوبة جهاد النفس الأمَّارة بالسوء، المعادية لسعادة الإنسان، من وجهين[7[

)الأول: أنها عدو من الداخل. واللص إذا كان من داخل الدار كان الاحتراس منه أصعب. وفي هذا يقول الشاعر الصالح:

نفسي إلى ما ضرني داعي ... تَهيج آلامي وأوجاعــــي

كيف احتيالي من عـدوي ... إذا كان عدوي بين أضلاعي[8]؟!

الثاني: أنها عدو محبوب. وإذا كان المرء يحبُّ عدوه، فكيف يقاومه؟! يقول الغزالي: والإنسان عَمٍ عن عيب محبوبه، لا يكاد يبصر عيبه، كما قال القائل:

ولستَ ترى عيبا لذي الودِّ والإِخَا ... ولا بعضَ ما فيه إذا كنتَ راضيا

وعينُ الرضا عن كلِّ عيب كليلةٌ ... كما أنَّ عينَ السُّخْط تُبدي المساويا[9[

فإذن يستحسن الإنسان من نفسه كل قبيح، ولا يكاد يطلع على عيب لها، وهي في عدوانها وإضرارها، فما أوشك ما توقعه في كل فضيحة وهلاك، وهو لا يشعر، إلا أن يحفظه الله تعالى بفضله، ويعينه عليها برحمته)[10[

• النفس الأمارة والنفس اللوامة والنفس المطمئنة:

وإذا وُفِّق المرء في جهاد نفسه: انتقلت من حالة إلى حالة، وارتفعت من درجة إلى درجة.

فالأصل في النفس: أنها إذا تُركت لغرائزها وشهواتها، ولم تُلجم بلجام (التقوى): بقيت على طبيعتها (أمَّارة بالسوء) تسوِّل للإنسان الشرَّ، وتغريه به حتى يقع فيه، كما قال تعالى عن ابن آدم الشرير: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [المائدة:30]. وذلك قبل أن يكون هناك مجتمع يؤثر في سلوك الإنسان، إذ كانت هذه أول جريمة تقع في الأرض.

وقال تعالى على لسان امرأة العزيز في قصة يوسف: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف:53[

وجهاد النفس هو الذي ينقلها من (النفس الأمَّارة بالسوء) إلى مرتبة (النفس الَّلوامة) التي أشار إليها أو نبَّه عليها القرآن بقوله: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة:2[

وهي النفس الحية اليقظة التي لا تسكت عن صاحبها إذا قصَّر في ترك مأمور، أو وقع في فعل محظور، بل هي تحاسبه وتلومه وتؤنِّبه، وربما تشتدُّ في لومه، حتى كأنها تلهب ظهره بسوط مؤلم، وهذه عقوبة ذاتية من نفس الإنسان للإنسان. وهو ما يعبرون عنه حديثا باسم (الضمير الحي(

يقول ميمون بن مِهران: المؤمن أشد حسابا لنفسه من سلطان غاشم، ومن شريك شحيح[11[

ثم ترتقي هذه النفس، فتنتقل إلى حالة أسمى من حالة النفس اللوامة، وهي حالة (النفس المطمئنة)، وهي أعلى مراتب النفس، وهي التي ذكرها القرآن في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر:28،27[

وإنما اطمأنَّت هذه النفس بالإيمان واليقين، مثل إبراهيم الخليل عليه السلام حين قال: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260[

ولقد نقلنا عن ابن القيم هنا أنه ذكر أربع مراتب في جهاد النفس[12] ، كلها مهمة وضرورية:

 -1 جهادها على أن تتعلَّم الهدى ودين الحق، وتتفقَّه في الدين، وتعرف ما لها وما عليها.

 -ثم جهادها على أن تعمل بما تعلَّمته، وتطبِّقه بأمانة وإحسان: تأتمر بأوامره، وتنتهي عن نواهيه.

 -3 ثم جهادها على تعليم غيرها ما تعلَّمته، وتدعوهم إلى الله على بصيرة بالحكمة والموعظة الحسنة، وتحاور المخالفين بالتي هي أحسن.

 - ثم جهادها على الصبر والمصابرة على مشاقِّ الطريق وما فيه من عقبات وقواطع، وخصوصا لمَن دعا الناس إلى الخير وأمرهم ونهاهم، كما قال لقمان لابنه وهو يعظه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان:17[

ومن هنا نعلم: أن من أهم معالم جهاد النفس: أن نروِّضها على خوض معارك الجهاد الأخرى مع شياطين الجنِّ والإنس، جهاد الظلمة والمفسدين وأصحاب المنكر في الداخل، وجهاد الكفار المعتدين على حرمات المسلمين - على دينهم أو على بلدانهم - في الخارج. فهذا من أعظم ما تتقاعس عنه الأنفس، وتتعلَّل بشتَّى الأعذار، بُغية السلامة، والركون إلى الراحة، كما قال الشاعر:

حبُّ السلامة يثني همَّ صاحبه ... عن المعالي ويُغري المرء بالكسـل

فإن جنحتَ إليه فاتخذ نفـقـا ... في الأرض أو سُلَمًا في الجو فاعتزل[13]

• الرد على من دعا إلى إلغاء جهاد النفس من كتب الجهاد :

ولقد عجبتُ من قول بعض الإخوة المخلصين من أهل العلم في التعليق على حديث: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"[14] . وهو حديث موضوع أو ضعيف جدا: (وينبغي ألا يضاف في الكتب المخصصة لموضوع الجهاد: ما يُسمَّى بـ(الجهاد الأكبر) أو (جهاد النفس) كما فعله المعاصرون، تأثُّرا بهذا الحديث الموضوع)[15[

فأما تسميته (الجهاد الأكبر)، فأنا معهم في رفض هذا العنوان، لأنه مكذوب مفترًى على الإسلام. وأما حذف الموضوع بالكلية من كتاب (الجهاد) فليس له من ضرورة، إذا وُضع في موضعه وأخذ حجمه المناسب بلا وكس ولا شطط، كما يبحث موضوع الجهاد باللسان، والجهاد بالمال، وجهاد الظلم والفساد، وكلها أنواع من الجهاد، ولسنا نحن الذين سميناها جهادا، فهي إما من تسمية القرآن العزيز أو من تسمية السنة المشرَّفة.

إن ردنا على الباطل لا يجوز أن يكون بحذف شيء من الحق، مخافة أن يُتخذ ذريعة إلى الباطل.

هب أن أبا نواس قال في شعره دفاعا عن الخمر:

ما قال ربك: ويلٌ للألي سكروا بل قال ربك: ويلٌ للمصلينا!

فهل نحذف آية: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} [الماعون:4]، لأن شاعرا ماجنا استشهد بها في غير مكانها، وحرَّف الكلم عن مواضعه؟

إن (جهاد النفس) مرتبة مهمة من مراتب الجهاد في سبيل الله كما شرعه الإسلام، يجب أن تُوضع في مكانها، ولا تُهمل بإطلاق، كما لا تأخذ أكثر من حقها، وتجور على أنواع الجهاد الأخرى.[16[


اترك تعليق