كتاب : فقه الجهاد تأليف الباب الأول : (حقيقة الجهاد ومفهومه وحكمه) الفصل السادس : (دور المرأة في الجهاد)

By : أ . د يوسف القرضاوي

 

• المرأة شقيقة الرجل :

ينظر الإسلام إلى المرأة باعتبارها شقيقة الرجل، وشريكته وعونه في أداء مهمتهما في الحياة، بكل أبعادها وآفاقها الرُّوحية والمادية، الفردية والاجتماعية.

ومنطلق هذه النظرة: النصوص المُحكمات من القرآن والسنة، مثل قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب:35[

}وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ} [التوبة:71[

فهذه الآية تقرِّر بجلاء: أن المؤمنات من النساء كالمؤمنين من الرجال، يشترك الفريقان في الوظائف والفرائض الاجتماعية والسياسية، وأبرز هذه الفرائض: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا فرق فيه بين رجل وامرأة.

وإذا كان (المنافقون والمنافقات) يشتركون معا في الشر والإفساد، فإن (المؤمنين والمؤمنات) يشتركون في الخير والإصلاح. ولهذا جاءت هذه الآية بعد آية: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [التوبة:67[

ومن هذه النصوص القرآنية قوله تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران:195[

لقد قرَّرت الآية الكريمة: أن الرجال والنساء بعضهم من بعض، فالرجل من المرأة، والمرأة من الرجل، لا يستغني عنها، ولا تستغني عنه. هو يكمِّلها، وهي تكمِّله، ثم ذكرت الآية عددا من الأعمال والقُرُبات مَن قام بها من الجنسين، فله حسن الثواب عند الله، قال: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران:195]. ومعنى هذا: أن من النساء مَن تهاجر وتُخْرَج مَن ديارها، ومَن تؤذَى في سبيل الله، ومَن تقاتل وتُقْتَل في سبيل الله. فهذا من ثمرات هذه الحقيقة الكونية: المرأة من الرجل، والرجل من المرأة {بَعْضُكُمْ مِن بَعْضٍ{

ولقد ذكر لنا القرآن سورة من سوره المدنيَّة، سُمِّيت سورة (الممتحنة ) أيْ المرأة الممتحَنة، وهي تتحدَّث عن جملة من النساء اللائي آمنَّ بالإسلام، ولم يُسلِم أزواجهنَّ، فاضطُّررن أن يهاجرن بدينهنَّ، وأن يخرجن من بلدهنَّ وأهلهنَّ، من مكة إلى المدينة مهاجرات في سبيل الله، قاصدات الوصول إلى الرسول، وإلى الجماعة المؤمنة، ونزل فيهم قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} [الممتحنة:10[.

فهكذا رأينا هؤلاء النسوة يقطعن هذه المسافة الشاسعة بين مكة والمدينة، بوسائل المواصلات المعروفة في ذلك الوقت، وليس معهنَّ رجال يحرسونهنَّ، فقد فررن من أزواجهنَّ ومحارمهنَّ المشركين. وهذه الهجرة - ولا شك - ضرب من الجهاد لا يقدر عليه إلا القليلون من الرجال، فما بالك بالنساء؟!

وفي السنة النبوية: قرأنا الحديث الشريف الذي يقول: "إنما النساء شقائق الرجال"[1] . قال الإمام الخطابي: (أي نظائرهم وأمثالهم في الخَلق والطباع، فكأنهن شُققن من الرجال)[2[

ومما يؤكِّد مكانة المرأة في القرآن كذلك: سورة (المجادلة ) التي افتتحت بقول الله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [المجادلة:1]، فهذه المرأة التي آمنت بحقِّها، وجادلت النبي الكريم في أمرها مع زوجها، قد سمع الله جدالها من فوق سبع سموات، وأنزل الله فيها قرآنا يُتلَى أبد الدهر.

ولكن من المؤكد: أن بعض أعمال الجهاد التي تحتاج إلى جهد بدني شاق؛ لا يصلح في العادة للمرأة العادية، ولا تصلح له. فإن الله تعالى بعدله وحكمته قد منح المرأة من النعومة والرِّقة ما يجعلها غير صالحة لكثير من الأعمال المجهدة التي يقوم بها الرجال. لأن الله سبحانه وتعالى قد أعدَّ المرأة لتكون أُمّاً، من الناحية البدنية، ومن الناحية العصبية والوجدانية، فجهَّزها بجهاز عاطفي قوي متميز، لتتحمل متاعب الحمل والوضع والإرضاع والحضانة، وكل هذا يجعل المرأة بعيدة عن اللياقة الكاملة للعمل الجهادي البدني، بما فيه من مكابدة للمشقَّة، وممارسة للعنف، ولو في ردِّ عنف الآخرين.

وهذا ما جعل القتال عند الأمم كافة، وطوال التاريخ من نصيب الرجال في الأساس، وإن كان هذا لا يمنع المرأة أن تشارك الرجال في بعض الأعمال المُساعِدة في الحرب، المُلائمة لقدرات المرأة وخبرتها في الحياة.

• إسهام المرأة في عهد النبوة في بعض الغزوات :

وهذا ما جرى عليه العمل في عهد النبوة، فأسهم بعض أمهات المؤمنين، ونساء الصحابة، في معاونة المقاتلين المسلمين في بعض الغزوات، ببعض الخدمات المناسبة التي كان لها أثرها في خدمة المعركة.

ترجم الإمام البخاري في كتاب الجهاد من صحيحه: (باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال)، وذكر فيه حديث أنس رضي الله عنه قال: لمَّا كان يومُ أحد انهزم الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: ولقد رأيتُ عائشة بنت أبي بكر وأم سُلَيم (أُمَّه) وإنهما لمشمرتان، أرى خَدَم سوقهما (أي الخلاخيل في سيقانهما) تنقزان القِرَب - وقال غيره: تنقلان القِرَب - على متونهما (أي ظهورهما)، ثم تفرغانه في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم [3[

وروى مسلم عن ابن عباس: كان يغزو بهنَّ، فيداوين الجرحى... [4[

وعلَّق العلاَّمة ابن المنيِّر على هذا الحديث في البخاري، فقال: (بوَّب على (قتالهن) وليس هو في الحديث، فإما أن يريد أن إعانتهنَّ على الغزو غزو، وإما أن يريد: أنهن ما ثبتن لسقي الجرحى، ونحو ذلك، إلا وهنَّ بصدد أن يدافعن عن أنفسهنَّ، وهو الغالب) [5] انتهى.

وقد ذكر ابن سعد في (طبقاته) في ترجمة أم عُمَارة الأنصارية، عن عمر قال: لقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما التفتُّ يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا وأنا أراها تقاتل دوني"[6[

وقد ذكر ذلك كُتَّاب السيرة النبوية[7[

وهذا دليل جلي على أن جهاد المرأة في أُحد لم يكتفِ بخدمة الجيش، بل قاتلت بالفعل مع الرجال، كما صنعت أم عُمَارة رضي الله عنها.

قال الحافظ في الفتح: (وقد وقع عند مسلم من وجه آخر عن أنس: أن أم سُلَيم اتخذت خنجرا يوم حنين، قالت: اتخذتُه، إن دنا مني أحد من المشركين بقرتُ به بطنه)[8[

كما ورد أن صفية بنت عبد المطلب - عمة النبي صلى الله عليه وسلم - قتلت يهوديا في غزوة الخندق، جَبُن عنه حسان بن ثابت. ضربته بعمود في رأسه، فقتلته، قالوا: وهي أول امرأة قتلت رجلا من المشركين [9[

وذكر البخاري بابا آخر: باب حمل النساء القِرَب إلى الناس في الغزو، وأورد فيه حديث ثعلبة بن أبي مالك: أن عمر بن الخطاب قسم مُرُوطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مِرْط جيد، فقال له بعض مَن عنده: يا أمير المؤمنين، أعطِ هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك. يريدون: أم كلثوم بنت علي (زوج عمر) فقال عمر: أُمّ سَلِيط أحق. وأم سَلِيط من نساء الأنصار، ممَّن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال عمر: فإنها كانت تَزْفِر لنا القِرَب يوم أُحد [10[

قال أبو عبد الله البخاري: تَزْفر: تخيط، وهو معنى قول بعضهم: تخرز. وقال آخرون: تَزْفِر: تحمل.

وذكر البخاري كذلك: (باب مداواة النساء الجرحى في الغزو). وبعده: (باب ردِّ النساء الجرحى والقتلى إلى المدينة). وذكر في البابين حديث الرُّبَيِّع بنت مُعَوِّذ: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنسقي ونداوي الجرحى[11] . وفي طريق آخر: كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنسقي القوم ونخدُمهم، ونردُّ الجرحى والقتلى إلى المدينة[12[

قال الحافظ في شرح الحديث: (فيه جواز معالجة المرأة الأجنبية للرجل الأجنبي للضرورة. وعلَّل ذلك بعضهم بأن موضع الجُرح لا يلتذُّ بلمسه، بل يقشعرُّ منه الجلد)[13[

وذكر ابن إسحاق في قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه، لما أصيب في غزوة الخندق، فقال رسول الله: "اجعلوه في خيمة رُفَيدة، التي في المسجد، حتى أعوده من قريب". وكانت امرأة تداوي الجرحى، وتحتسب بنفسها على خدمة مَن كانت به ضيعة من المسلمين [14[

وروى نحو ذلك البخاري في الأدب المفرد عن محمود بن لَبِيد[15[

و(رُفيدة) هذه أنصارية أو أَسْلَمية كما قال ابن حجر في (الإصابة)[16] . ويعتبر الباحثون في (مهنة التمريض) رُفيدة أول ممرِّضة في الإسلام. وخيمتها هذه أول مستشفى ميداني لعلاج جرحى الحرب وتمريضهم. وكانت رُفيدة ممرِّضة متطوِّعة وتقوم بعملها احتسابا.

وذكر البخاري في هذا السياق: (باب غزو المرأة في البحر) أورد فيه حديث أنس في قصة أم حَرَام بنت مِلْحان. قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنة مِلحان، فاتَّكأ عندها، ثم ضحك، فقالت: لم تضحك، يا رسول الله؟ فقال: "ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مَثَلُهم مَثَل الملوك على الأَسِرَّة!". فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: "اللهم اجعلها منهم". ثم عاد فضحك، فقالت له مثل - أو ممَّ - ذلك، فقال لها مثل ذلك، فقالت: ادعُ الله أن يجعلني منهم. فقال: "أنت من الأولين، ولستِ من الآخرين". قال أنس: فتزوجت عُبادة بن الصامت، فركبت البحر مع بنت قَرَظَة (زوج معاوية)، فلما قَفَلَت (رجعت من الغزو)، ركبت دابتها فوَقَصَت بها، فسقطت عنها، فماتت[17] .

فانظر إلى طموح النساء المسلمات في ذلك العهد إلى أن يشاركن الرجال في معالي الأمور، وإن كان فيها من المشقَّة ما فيها، وكيف استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لهذا الطموح، ولم يقُل للمرأة: قَرِّي في بيتك ولا تتطلعي لمثل هذا الأمر الخطر! ص120 وكان ركوب البحر غير معروف عند العرب في الجاهلية، ومخاطره كبيرة، والسفن المستخدمة سفن شراعية، كثيرا ما تهدِّدها الرياح العاصفة، ويحيط بها الموج من كلِّ مكان. ولكن الرسول أغرى به وحثَّ عليه، بمثل هذه المبشرات. وقد بدأت القوة البحرية الإسلامية في عهد عثمان رضي الله عنه، بإغراء معاوية واليه على الشام وتحريضه. وتوسَّعت كثيرا في خلافة معاوية. وكان لها دورها في الفتوحات الإسلامية، وخصوصا بعد صلح الحسن السِّبط رضي الله عنه، مع معاوية، واستقرار الحياة السياسية للمسلمين.

وقد بدأ البخاري هذا السياق في كتاب الجهاد من جامعه الصحيح بباب سماه (باب جهاد النساء)، ساق فيه حديث عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في الجهاد، فقال: "جهادكنَّ الحج"[18[

وساق من طريق آخر عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم، سأله نساؤه عن الجهاد، فقال: "نِعم الجهاد: الحج"[19[

قال الحافظ: (وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه النَّسائي بلفظ: "جهاد الكبير (أي الشيخ العاجز الضعيف) والمرأة: الحج والعمرة"[20[

وفي هذا دلالة على أن الجهاد - بمعنى القتال - ليس واجبا على النساء، وهو ما صرَّح به شُرَّاح الحديث كابن بَطَّال وغيره. قال: ولكن ليس في قوله: "جهادكن الحج": أنه ليس لهنَّ أن يتطوعن بالجهاد. قال الحافظ: (وقد لمَّح البخاري بذلك في إيراده الترجمة مجملة (أي جهاد النساء) وتعقيبها التراجم المُصرِّحة بخروج النساء إلى الجهاد)[21[

وروى مسلم، عن أم عطية الأنصارية قالت: غزوتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات: أخلفهم في رحالهم: فأصنع لهم الطعام، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى[22[

• مشاركة بعض الصحابيات في قتال الروم :

كما سجَّل لنا تاريخ الإسلام: أن المرأة المسلمة شاركت في (الفتوحات الإسلامية) بنصيب، فرأينا أكثر من صحابية تشارك في حرب الروم خاصَّة، مثل (موقعة اليرموك)، وهي إحدى المعارك الحاسمة في التاريخ.

روى سعيد بن منصور في سننه، عن عبد الله بن قُرْط الأزدي، قال: غزوتُ الروم مع خالد بن الوليد، فرأيتُ نساء خالد، ونساء أصحابه، مشمِّرات يحملن الماء للمهاجرين، يرتجزن[23] . أي ينشدن الشعر من بحر الرَّجَز، وهو بحر سهل خفيف.

وإذا كان نساء خالد، ونساء أصحابه معه، قد شمَّرن عن سوقهنَّ يحملن قِرَب الماء لسقاية العطشى من الصحابة، وخصوصا المهاجرين، فقد رأينا من الصحابيات مَن باشرت القتال مع جنود الروم وقتلت منهم!

فيروي سعيد بن منصور في سننه أيضا، كما يروي الطبراني في معجمه الكبير: أن أسماء بنت يزيد الأنصارية[24] ، شهدت (اليرموك) مع الناس، فقتلت (سبعة)، وفي رواية الطبراني (تسعة) بعمود فسطاط ظلتها[25[

فانظر كيف انتقلت رضي الله عنها - كما انتقل أخواتها من الصحابيات - من المدينة إلى الشام، لتشهد المعركة، وتشارك فيها بأكثر من مجرَّد إسعاف الجرحى، وسقي العطشى، بل بالقتال حين احتاج الأمر إلى القتال، ونراها تستخدم في ذلك ما يمكنها حتى عمود خيمتها! ولا بد أن هؤلاء الجنود من الأعداء حاولوا أن يحوموا حول الحريم، فكانت لهم بالمرصاد، وجندلتهم واحدا بعد الآخر.

وروى عبد الرزاق في (مصنفه)، وسعيد بن منصور في سننه، عن الإمام إبراهيم النَّخَعي، قال: قاتلت نساء قريش يوم اليرموك، حين رهقهم جموع الروم، حتى خالطوا عسكر المسلمين، فضرب النساء يومئذ بالسيوف، في خلافة عمر رضي الله عنه[26[

وهذا حديث مرسل، فلم يشهد إبراهيم النَّخَعي عهد عمر، ولكن هذه الروايات تشتهر عادة بين أهل العلم ويتناقلها بعضهم عن بعض. وهي تؤكِّد : ما ثبت بالروايات الموصولة.

ومن الفقهاء: مَن كره الخروج بالنساء إلى أرض العدو، خشية أن يتعرضن لخطر القتل أو السبيْ ونحو ذلك، إلا أن يكون في جيش آمن[27[

وهذا أمر يخضع لفقه الموازنات بين المصالح والمفاسد، فإن كان من وراء خروجهنَّ مصلحة أكبر من المفسدة المخوفة فلا بأس بخروجها، وإلا فلا. ولا سيما أن درء المفسدة مقدَّم على جلب المصلحة بصفة عامَّة.

• حكم خروج النساء للقتال وخضوعه لفقه الموازانات :

والذي أراه: أن الجهاد - بمعنى القتال - في الأصل ليس واجبا على النساء، لما يستلزمه من جهد وعبء ومشقَّة لا تحتملها المرأة في العادة الجارية، نظرا لما يعتري المرأة - بحكم الخِلقة - من الدورة الشهرية، ومن آلام الحمل، وأوجاع الوضع، وأثقال النفاس، وتبعات الإرضاع، ورعاية الأطفال، وهذا كله: لون من الجهاد تتحمَّله المرأة ولا يتحمَّله الرجل. ولكن من النساء مَن لا يقدَّر لها الزواج، ومنهن مَن لا يقدَّر لها الحمل والولادة، فينبغي أن تتاح لهنَّ فرصة المشاركة في الجهاد بما يناسبهنَّ.

كما أن المهارات القتالية قد تتطلب لياقة بدنية خاصة، لا تتوافر غالبا لدى المرأة بمقتضى فطرتها الأنثوية.

ولهذا قلنا: إن المرأة طوال التاريخ لدى الأمم المختلفة في الشرق والغرب، قلما عُرَفت بالقتال، وكان اعتماد الجيوش دائما على الرجال.

حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم وجد امرأة مقتولة في بعض الغزوات، فأنكر ذلك على الصحابة، وقال: "ما كانت هذه لتقاتل"[28[

• دور المرأة في التحريض على القتال :

ومعنى هذا: أن المرأة عند عرب الجاهلية لم تكن تقاتل، وإنما كانوا يصطحبون النساء معهم في بعض المعارك، كما فعلوا في أحد، لهدف آخر، وهو تحريض الرجال على القتال، وتحذيرهم من الجبن والتقاعس والفرار، ولهذا كن ينشدن في أحد:

إن تقبلـوا نعانقْ ... ونفرش النمارقْ

أو تدبروا نفارق ... فراق غير وامق [29[

فهذا كان دور المرأة: الإغراء والتحريض.

ولكن قد تحتاج الجيوش المقاتلة إلى أعمال تقدر عليها النساء، بل قد تحسنها أكثر من الرجال، مثل: التمريض والإسعاف للجرحى، والسقي للعطشى، والمناولة للسهام، وغير ذلك مما يدخل في باب الخِدْمات المساعِدة للجيش. وهذا ما فعلته نساء الصحابة في عهد النبوة. وهذه الأعمال المساعِدة قد تتطوَّع بها المرأة، وقد تجب عليها عند الحاجة إليها، فالمدار هنا على حاجة الجيش المسلم إلى المرأة، وعلى قدرة المرأة على المشاركة والمساعَدة، ويكون هذا من فروض الكفاية.

• دور المرأة في الحرب الحديثة :

على أن هنا ملحظا ينبغي أن ننبِّه عليه، وهو أن الحرب الحديثة لم تعُد تقتضي من اللياقة البدنية، والقدرة على احتمال المشقَّات، ما كانت تتطلَّبه الحروب قديما. فمعظم الحرب الآن تعتمد على آليات ومعدَّات، يحتاج استخدامها إلى استعمال العقل أكثر من استعمال البدن، وهنا يمكن أن تقوم المرأة المدرَّبة المتعلمة مقام الرجل. وهذا ما جعل دولة العدو الصهيوني تستخدم في جيشها النساء بجوار الرجال.

ونحن نعتقد أن المرأة المسلمة - بإيمانها وحماسها وشجاعتها - يمكنها أن تساهم في مساعدة الجيش المسلم المقاتل بأكثر من الإسعاف والتمريض، وقد رأينا من نساء فلسطين مَن يقدِّمن أنفسهنَّ فداء في عمليات استشهادية تُضرَب بها الأمثال.

• دور المرأة في جهاد الدفع :

وقد فرَّق الفقهاء بين نوعين من الجهاد: جهاد الطلب، وجهاد الدفع.

ففي جهاد الطلب، وهو الذي يغزو فيه المسلمون عدوهم، ويطلبونه في داره، لا يجب على المرأة الجهاد، ولكن تتطوَّع به احتسابا لوجه الله، وابتغاء مثوبته المضاعفة للمجاهدين.

أما جهاد الدفع، وهو الذي يغزو فيه الأعداء أرض الإسلام، ويدخلون بلدا من بلاد المسلمين، ليحتلُّوها ويقهروا أهلها، فهنا يجب على أهل هذا البلد وجوبا عينيا: أن يدفعوا عن بلدهم، ويذودوا عن حرماتها، بكل ما لديهم من قوة، وما يملكون من وسائل، لا يتخلَّف أحد عن هذا الجهاد، كلٌّ بما يقدر عليه، فهذه حالة نفير عام. حتى قال العلماء: في هذا الجهاد يخرج الابن من غير إذن أبويه، وتخرج المرأة بغير إذن زوجها، ويخرج الخادم بغير إذن سيده، كما بيَّنا ذلك في موضعه. لأن الخطر هنا على البلد وعلى الجماعة، وإذا تعارض حق الجماعة وحق الفرد: قُدِّم حق الجماعة، لأن ببقائها يبقى الفرد، وبضياعها تضيع الأفراد.

وهنا تكون فرضية الجهاد على المرأة، مثل فرضيته على الرجل، وإن كان ما يُطلب من المرأة في هذا الجهاد، قد لا يكون هو نفس ما يُطلب من الرجل، فإن الواجب على كل منهما أن يبذل ما يقدر عليه في دفع العدو حسب طاقته وإمكاناته.

والواجب أن ينظم أولو الأمر في مثل هذه الأحوال: الأعباء المطلوبة من كلٍّ من الرجل والمرأة، فإن فُرِض عدمُ وجود سلطة مسؤولة شرعا، فعلى جماعة المسلمين: أن يقوموا هم مقام ولي الأمر، وينظِّموا شؤونهم بأنفسهم، حتى لا يضطرب حبل الأمور، ويصبح الأمر فوضى لا زِمام لها، ولا خِطام. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم: الثلاثة إذا كانوا في سفر، أن يؤمِّروا عليهم أحدهم ، حتى ينتظم أمرهم، ولا يَدَعوه فوضى [30[


اترك تعليق