كتاب : فقه الجهاد الحلقة [ 12 ] : الباب الأول : (حقيقة الجهاد ومفهومه وحكمه) الفصل الخامس : (كيف يتحقق أداء فرض العين في الجهاد)؟

By : أ . د يوسف القرضاوي

معنى فرض العين في الجهاد :

ومن المهم هنا: أن نسلِّط الضوء على معنى (فرض العين) في الجهاد، حيث قرَّر الفقهاء من جميع المذاهب: أن البلد الذي يهاجمه الغُزاة من الكفار المعادين، أو يحتلونه بالفعل: يفرض على أهله جميعا - فرضية عينية - أن يقاوموا وينفروا كافة لطرد الغزاة، وردِّهم على أعقابهم مدحورين.

وهذا هو الذي قال فيه الفقهاء: تخرج المرأة للاشتراك في المقاومة، بدون إذن زوجها، والابن بغير إذن أبيه، والخادم بغير إذن مخدومه، لأن حق الجماعة العام مقدَّم على حقوق الأفراد الخاصة. ولو هلكت الجماعة - لا قدر الله - لهلك الأفراد، ولم يبقَ لهم حقوق خاصة ولا عامة.

وهذا النوع من تحقيق القيام بفرض العين المطلوب: واضح بيِّن لا ريب فيه، ولا خلاف عليه.

ولكن الذي يحتاج إلى بيان وإيضاح، هو ما قرَّره عامة الفقهاء من أن أهل البلد الذي يغزوه الأعداء: إذا لم يقدروا على مقاومتهم، لأنهم أكثر عددا، أو أقوى جندا، أو أمهر في الحرب، وأبرع في الكيد، أو يملكون من الأسلحة المتطوِّرة ما لا يملكه هؤلاء المسلمون، أو كان المسلمون المغزوُّون قادرين على مقاومتهم وردِّهم، ولكنهم جبنوا وتقاعسوا، أو اختلفوا وتفرَّقوا، ولم يقوموا بواجبهم، فهناك تنتقل الفرضية العينية إلى جيرانهم وأقرب الناس إليهم، وأسرعهم نجدة لهم، فإن لم يقدر هؤلاء أيضا، أو قدروا ولكن تقاعسوا: انتقل الفرض إلى جيرانهم وأقرب المسلمين إليهم، وهكذا حتى يشمل المسلمين كافَّة، وإن كانوا في أقصى أطراف الأرض.

وهنا يبرز لنا سؤال مهم، بل في غاية الأهمية، وهو: كيف نحقِّق فرض العين في هذه الحالة: أعني إذا عجز أهل البلد عن مقاومة العدو الغازي، أو تقاعسوا، وعجز جيرانهم أو تقاعسوا عن نصرتهم، وانتقل فرض العين إلى جيرانهم، الأقرب فالأقرب، حتى يشمل المسلمين كافَّة في مشارق الأرض ومغاربها؟

هنا يتكرَّر السؤال مرة أخرى: كيف نحقَّق ذلك في الواقع؟

هل نوجب على المسلمين في أنحاء الأرض أن ينتقلوا إلى الأرض التي احتلَّها الأعداء، وتذهب المرأة إليها بدون إذن الزوج، والابن بدون إذن الأب، والمرؤوس بدون إذن الرئيس؟

هكذا سمعت بعض الإخوة من العلماء المتحمِّسين يقولون ذلك، بالنسبة للجهاد في فلسطين، وكذلك أيام الجهاد الأفغاني للاتحاد السوفييتي!

ولكن تطبيق هذا في الواقع غير ميسور، بل غير ممكن، بل غير معقول. كما أنه غير مفيد أيضا.

إذ كيف يترك الناس أوطانهم وديارهم، وينفرون إلى البلد الذي احتلَّه الكفار المحاربون؟

كيف تترك المرأة بيتها وأولادها، وتنتقل إلى تلك الأرض البعيدة، حتى وإن أذن لها زوجها؟

وكيف يترك التجار جميعا تجارتهم؟ والطلاب جميعا مدارسهم وجامعاتهم، والفلاحون جميعا حقولهم؟ والموظفون جميعا مكاتبهم؟ والعمال جميعا مصانعهم؟ والحِرَفيون جميعا حِرَفهم؟ وكيف تسير الحياة بغير هؤلاء؟

إننا بهذا نريد للحياة أن تتوقف في أنحاء (دار الإسلام) وبعبارة أخرى: في أوطان المسلمين، لإنقاذ البلد المغزوِّ. فكأنما نميت الكل لإحياء البعض، أو نميت الأكثر لإحياء الأقل. وهذا لا يقرُّه شرع ولا عقل.

ثم أي بلد في الدنيا يمكنه أن يتسع لشعوب أخرى تهاجر إليه، حتى لو كان ذلك لمساعدته على التحرُّر، وإنقاذه من الاحتلال الغاشم؟

ومن المعلوم: أن كل مقاتل يحتاج إلى أعداد أخرى من المدنيين تخدمه وتمدُّه بما يفتقر إليه من أساسيات الحياة، فلا بدَّ له من طعام وشراب وكساء وفراش وغطاء، وتدفئة، وكهرباء، ودواء، وسلاح. وهذا لا يتوافر إلاَّ من طريق الجبهة الداخلية المدنية، لإمداد المقاتلين والمدافعين، فهؤلاء يجاهدون في مواقعهم بعملهم ونياتهم.

والذي أطمئن إلى القول به هنا: أن أبناء البلد المغزوِّ حين يفاجأ بالغزو: يجب أن ينفروا لمقاومة الغزاة بكل طاقتهم، كلٌّ بما يقدر عليه، وما يُحسنه، حسبما ترتِّبه السلطة المسؤولة عن الجهاد، سواء كانت سلطة الدولة إن كانت قائمة، أم سلطة الجماعة التي يختارها أهل الحلِّ والعقد عند غياب الدولة. فللرجال ما يليق بهم، وللنساء ما يليق بهن، وللشيوخ ما يليق بهم، وللصبيان ما يليق بهم. وللمثقفين ما يليق بهم، وللأميين ما يليق بهم. والمطلوب أن يُوضع كل في مكانه المناسب له ، وعلى المسلمين عامة - وجيرانهم خاصة - أن يعاونوهم بكل ما يحتاجون إليه .

أما إذا عجز أهل البلد المغزوِّ وجيرانه عن مقاومة العدو، لأي سبب كان، أو تقاعسوا أو عصَوْا وخالفوا، وانتقلت الفرضية لتشمل الأمة كلها، فأرى أن واجب الأمة هنا، ليس انتقال الجميع بالأبدان إلى أرض القتال، فإن هذا غير ممكن، وغير مُجدٍ، ولكن الواجب عندئذ هو مساعدة الجميع في نصرة إخوانهم ونجدتهم، كلٌّ بما يقدر عليه، وإمدادهم بما يحتاجون إليه من سلاح، ومعدات، وتموين، وأموال، ورجال، وأن تلبَى طلباتهم بأقصى سرعة ممكنة، وبخاصَّة ما تشتد حاجتهم إليه.

فقد تكون حاجتهم الناجزة إلى المال، فيمَدُّون بالمال، من الزكاة من مصرف (في سبيل الله)، وممَّا بعد الزكاة من حقوق في المال، ومن موارد الدولة المتنوعة ... ومن الفرائض المقرَّرة هنا: الجهاد بالأموال، وقد قدَّمه القرآن على الجهاد بالأنفس: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [التوبة:41]، ومما يتطوَّع به أهل الخير احتسابا وابتغاء وجه الله، مما قلَّ أو كثُر، كما قال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ} [البقرة:272[.

وقد تكون حاجتهم الناجزة إلى السلاح، فيجب أن يمَدُّوا بما طلبوه، وأن يتعاون المسلمون في ذلك، سواء بصنعه - وهذا هو الأصل الذي ضيعناه - أو بشرائه ممَّن يصنعه إذا لم يكن يتوافر في مخازن الجيش والقوَّات المسلحة.

وقد تكون حاجتهم الناجزة إلى الرجال، ولا سيما أهل الخبرة الخاصة منهم، فقد تكون حاجتهم إلى متخصصين في سلاح الطيران، أو في سلاح الفرسان، أو في سلاح المدرعات، أو في سلاح المهندسين، أو في حرب العصابات، أو في حرب الصحاري أو الجبال، فمَن كان عنده هذه الخبرة التي يطلبونها: افترض عينا عليه أن يقدِّم نفسه لهم، أو تقدِّمه الجماعة المسؤولة إليهم. ولا يجوز للفرد، ولا للجماعة التخلف عن ذلك بلا عذر، فإن سدَّ هذه الثغرة قد تعيَّن عليه، أو عليها، فلا يحل له ولا لها التخلِّي عنها.

وهكذا يتحدَّد فرض العين هنا في جهاد الدفع في عدة أمور:

 - 1 المساهمة في الجهاد بالمال، كل بما يقدر عليه أو بما يُطلب منه.

 - 2  المساهمة في الإمداد بالسلاح الذي يحتاجون إليه، حسب الاستطاعة.

 - 3 المساهمة في الجهاد بنفسه إذا طُلب منه ذلك.

- 4 المساهمة بالخبرة الفنية أو العسكرية إذا طلبوها، وكان من أهلها، فيتعيَّن عليه الاستجابة.

• على كلِّ مسلم أمران:

ويجب على كل مسلم في هذه الحالة أمران لا يجوز إغفالهما:

الأول: أن يصطحب نية الجهاد في سبيل الله، سواء أُتيح له الجهاد بالفعل أم لم يُتَح، لأن هذه النية تجعله يشارك المجاهدين وإن لم يكن معهم، وإنما لكل امرئ ما نوى. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عمَّن تخلَّفوا عن غزوة تبوك لأعذار حبستهم عن المشاركة مع جيش النبي صلى الله عليه وسلم: "إن بالمدينة رجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم! شَرِكوكم في الأجر، حبسهم المرض" [1[

ويستطيع المسلم بهذه النيَّة الصادقة أن يحسب عند الله في الشهداء، وينال مثوبتهم في الآخرة، كما في الحديث الصحيح: "مَن سأل الله الشهادة بصدق: بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه"[2[ .

والثاني: أن يكون مستعدا لتلبية النداء إذا دُعي للمعركة في أي وقت، دون تلكُّؤ ولا إبطاء.

• التخلي عن نصرة المسلمين من الكبائر:

ولا يجوز لمسلم أن يتخلَّى عن أي عون يُطلب منه لنصرة إخوانه، فهذا من أكبر المحرَّمات في الإسلام ؛ لعدة أسباب:

أولا : لأن "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله"[3] - كما جاء في الحديث الصحيح - وإسلامه وخذلانه: أن يتخلَّى عنه وقت الشدَّة، ولا ينصره.

وثانيا : لأنه في الواقع يدافع عن جزء من (دار الإسلام) التي هي داره، ولا يُقبل من مسلم بحال: أن يَدَع داره لأعدائه وأعداء دينه وأمته، وفيه عرق ينبِض.

وهكذا ينبغي النظر إلى بلاد المسلمين كلها : أننا حين ندافع عنها إنما ندافع عن دار الإسلام. أي ندافع عن أنفسنا، عن أرضنا وحرماتنا.

ولهذا أجمع الفقهاء على أن أهل بلد ما لو تقاعسوا عن الدفاع عن بلدهم وجب على جيرانهم الأقرب فالأقرب: أن يدافعوا عنها، باعتبار أن الدفاع عن أرض الإسلام فرض على الأمة كلها بالتضامن .

وثالثا : إننا إذا تهاونَّا في هذه الفريضة، وقلنا: الخطر بعيد عن وطننا الخاص، نكون قد أتحنا فرصة لعدونا، ليستولي على دار الإسلام، بلدا بلدا، وجزءا جزءا، حتى يستولي عليها كلها أو جُلها، ويستولي على وطننا الخاص معها! كما فعل التتار، حين زحفوا على بلاد الإسلام في القرن السابع الهجري، وأخذوها وغلبوا عليها، بلدا بلدا، وولاية ولاية، حتى أسقطوا أخيرا بغداد عاصمة الخلافة سنة (656هـ) وهكذا من ضَيَّع إخوانه ضَيَّع في النهاية نفسه. على حد ما قال العرب: إنما أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض![4[

• على المسلمين تنظيم أمرهم:

وينبغي على المسلمين في هذا الحالات التي يصبح الجهاد فيها فرض عين على الأمة: أن يكون لهم جهة معينة مثل (منظمة المؤتمر الإسلامي)، أو ما يقوم مقامها: تكوِّن (لجنة عليا) من أهل الوجاهة والحكمة والخبرة من المسلمين، تشرف على الجهاد وتأييده وتنظيمه، بما يضمن تحقيق الهدف وحسن الأداء.

وقد يحتاج الأمر إلى أكثر من لجنة: لجنة عسكرية، ولجنة اقتصادية، ولجنة سياسية، ولجنة إعلامية، ولجنة تربوية ... إلخ. ولا يُترَك الأمر فوضى، أو للمصادفات، والإسلام يطلب من المسلمين أن ينظِّموا أمرهم، حتى لو كانوا ثلاثة في سفر، أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم: أن يؤمِّروا عليهم واحدا[5[ .


اترك تعليق