كتاب : الدعوة الإسلامية في القرن الحالي فضيلة : الشيخ محمد الغزالي الحلقة [ 24 ] الفصل الحادي عشر : عالمية الرسالة بين النظرية والتطبيق (2)

By : الشيخ محمد الغزالي

لأجهزة الإعلام رسالة:

من نماذج عرض الدعوة الإسلامية هذا القول المحدد: ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء ).

أي أعلمتكم بما عندي فأصبحنا جميعا أنا وأنتم سواء في معرفة العقيدة التي أنادي بها. فإن انصرفتم بعد ذلك فعن تجاهل لا عن جهل إذ أني أفرغت جهدي في البلاغ المبين إن ما أدعو إليه معروف لكم كما هو معروف لي.

وهذا الكلام يفرض على الإعلام الإسلامى الشمول التام، فكما أن رسالة الإسلام عامة إلى الخلائق لا يشذ منها أحد، فكذلك تعاليم الإسلام يجب أن تقدم كلها عن طريق أجهزته العاملة فلا يخفي منها شيء بحيث يكون الداعي والمدعو سواء في الإحاطة بمحتويات هذا الدين دقيقها وجليلها...

وهذا الآذان المستوعب أو الإعلام الشامل يتم في نطاق المياسرة والمجاملة والرغبة عن النزاع والإثارة، فإن ذلك ما توحي به الآيات الآتية:

( وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم * وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) .

فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ).

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )

والعرض الإعلامي الحريص على بث الحق وإيثار السلام ورفض الشحناء يستطيع أن يبرز تعاليم الإسلام في صور شتى لعل أيسرها الخبر المجرد، لكن أيكفي ذلك في عالم تبرجت فيه الدعوات وافتتنت فيه أساليب الاستهواء، إن الحوار الزكي في قصة شائقة أو تصوير الواقع في هذه القصة بل الصورة الساخرة والنكتة البارعة، إن هذه جميعاً أصبحت من وسائل البلاغ المبين بل أصبحت وسائل محتومة لقوله تعالى: ( وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ).

وذاك ما لا بد أن تدركه أجهزة الإعلام الإسلامي. الإسلام دين متحرك سيال لا يعرف الجمود في مكان ولا زمان، وهذا التمدد في طبيعته يتم وفق عناصر الشمول والمياسرة التي أبناها.

فنحن المسلمين مكلفون أن نبسط وجهة نظرنا في كل شيء مقرونة بالأدلة المقنعة التي توضح موقفنا وتحدد من نحن؟ وماذا نريد ؟ وكذلك يجب أن نعرف ما لدى غيرنا بدقة وإنصاف ثم نترك للعقل الإنساني العادي أن يقارن ويحكم !

إن القرآن الكريم طلب من معارضي الدعوة أن يأتوا بما لديهم من أدلة على وجهة نظرهم: ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) .

وذلك في جداله الحسن مع أهل الكتاب، وقد تكرر هذا الطلب في الحوار الطويل مع المشركين: ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )

وانعدام البرهان هو الذي جعل الفتية المؤمنين أصحاب الكهف يزدرون الشرك ويرفضون البقاء عليه: ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا )

والسلطان البين هو الدليل المقنع ووجهة النظر المحترمة المدعومة، فمن كان منطقه صفرا من هذا السناد فليواجه مصيره العدل عند الله: ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه) .

ومن هذا العرض يستبين المنطق الذي تعمل منه أجهزة الإعلام الإسلامى، إن لديها ثروة طائلة من الحقائق الدينية والاجتماعية والسياسية.

وهذه الثروة تحتاج إلى ذكاء حاد في استكشافها وتربيتها كما تحتاج إلى لياقة واسعة في قرع الآذان بها أو تفتيح الأعين عليها.

ولن يتم ذلك إلا بين يدي دراسة مستبحرة لما عند الآخرين واستبانة واعية لكل ما يكون وجهة نظرهم وسر رضاءهم بما عندهم.

ومحور الإعلام الإسلامي هنا هو الصدق ونشدان الحق وحب الخير للناس أجمعين.

الإعلام الإسلامي يرسم صورة صادقة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا تزيد فيها ولا نقص، وليس لديه كما ذكرنا ما يخفيه أو يستحي منه، وهو حسن الظن بالفطرة الإنسانية يرى أنها يوم تعرف الحق تبادر إلى قبوله وأنها إن تريثت فإلى حين !!

أي أن جمهرة البعيدين عن الإسلام لم يعتنقوه لجهلهم به فقط. ( ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

ومن هنا فالعبء ثقيل على أجهزة الدعاية الإسلامية التي ينبغي أن تعمل ليلا ونهارا لمحو هذا الجهل الغالب.

والاقتناع الحر أساس النجاح المرتقب، وهذا يقتضي مهادا طويلا من العناصر الثلاثة التي أحصاها القرآن في دعوته : الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الهادي الرفيق والزمن جزء من العلاج فليس من العقل أن تبذر اليوم لتحصد اليوم!

لا بد من إعداد برامج طويلة، ومن تقليب النفس الإنسانية بين ألوان من الفكر والعاطفة، ومن تجربة مفاتيح كثيرة لنصل إلى غورها، فإن تحويل الناس عن مواريثهم الروحية والاجتماعية جهد بعيد المدى ما ينجح فيه إلا المخلصون الأذكياء...

وصوت الإسلام في ميدان الإعلام يجب أن يكون جهيرا، فإن لصاحب الحق مقالا. إن التعريف بالله الواحد ودينه الحق قضية لا تعالج بفتور واسترخاء.

وإذا كان هناك من يعتبرون الإلحاد ذكاء وتقدماً ويبذلون في سبيل نشره جهوداً مضنية، فإن حملة الإسلام سيكونون أطول نفساً وأشد غيرة وأرسخ قدماً: ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله )

ويعني هذا: أن الإعلام الإسلامى وثيق الإيمان برسالته عظيم المغالاة بها، وأن الصبغة الدينية والعبادية لا يمكن أن تنفك عن أعماله وسائله المختلفة.

وأجهزة الإعلام عندما تؤدي دورها ـ والحالة هذه ـ هى ميادين جهاد ومساجد صلاة ومدارج تقوى ورضوان.

والشمول في المادة التي يقدمها الإعلام يتناول الإسلام وتاريخه وحضارته وأمته.

وكلمة الإسلام عنوان على حقائق العقيدة والشريعة والعبادات والأخلاق وشتى المعاملات.

وكلمة التاريخ عنوان على الوقائع والسياسات التي نشأت عن المد الإسلامي من أربعة عشر قرناً.

وكلمة الحضارة عنوان على النشاط الفكري والروحي والعمراني وجملة القيم الدينية والمدنية التي صاحبت مسيرة الإسلام واستقرت معه حيث استقر أو تأثرت بقية العالم بها.

وكلمة الأمة الإسلامية تعني جميع المنتسبين إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من كل الأجناس والألوان سواء أكانوا شعوبا مستقلة أو أقليات تحيا وسط أمم أخرى ..

إن أجهزة الإعلام الإسلامية تهتم بذلك كله ويبدو اهتمامها في برامجها المسموعة والمرئية والمقروءة على أساس أن العالم الإسلامي وحدة متماسكة مهما بلغت جسامة الفتوق في كيانه ومهما وهت علاقة بعض أجزائه بالأصل الجامع والروح الشائع..

وإعلامنا - كما قلنا - يقرر ما عنده كله، وسيكون هناك خلاف بين ما يقرره وما تقرره ملل ومذاهب أخرى كثيرة، وهنا لا بد من إبراز الشخصية الإسلامية دون ميوعة أو تفريط إبرازا يؤكد شرعيتها ووجهتها ومنهجها وغايتها ويرجح لدى المشاهدين والمتابعين كفتها بأدب وتلطف...

إن إعلامنا صورة لما نقول ونؤمن وصدى لما ننشد من خير للحياة والأحياء..

ونحن مسلمون، والإسلام دين ودولة ، إيمان ونظام.. فليرنا العالم أجمع من خلال إذاعتنا وصحافتنا، من خلال كتبنا ورسائلنا، من خلال اجتماعاتنا ومؤتمراتنا على هذا الواقع الدائم.

لكن كيف يؤدي الإعلام الإسلامي هذه الوظيفة الكبيرة ؟ إننا لا نعرض طريقة واحدة لهذا الأداء بداهة فما أكثر صور العوض، وصدق النية يدفع إلى الاكتشاف والاختراع...

إنه يمكن تقديم درس في التوحيد وتمجيد الخالق لا بقراءة نظرية تقليدية بل ببضع دقائق في التلفاز تبرز فيها على الشاشة الصغيرة صورة كونية فخمة تتجلى فيها مظاهر القدرة العليا وتصحبها كلمات سريعة موجزة تدل على أن العلم يقود إلى الإيمان.

إن أجهزة الإعلام في العالم كله تنطلق من مبادئ معينة وتخدم مصالح معينة، والإعلام الإسلامي يرتبط بمبادئ ومصالح معروفة المصدر والنسبة، فلا وجه للغرابة إذا كانت تعاليم الدين ولحمته وسداه، وإذا كان - شأن غيره من الأجهزة - يفسر وقائع الحياة وفق فكرته هو وينظر إليها من زاويته هو...

الإعلام حتى في نشرات الأخبار وسوق الأحداث يكشف عن فلسفته ومذهبه وتقديره الخاص لما يكون. وهو في مواد الثقافة ومواد الترفيه أيضا يضفي على الحياة لونه الخاص ويعمل في ذكاء لتذكير من ينسى وتعليم من يجهل.

وأجهزة الإعلام الإسلامي حين تنهض بواجبها تغرس العقائد والعبادات التي تتبناها وتعلي شعارا واحدا في برامجها ووسائلها كلها...

ولما كانت هناك قوى تعارض فكرنا وتكوه شعارنا وتثير الشبه ضد قضايانا وتحاول بكل طريقة النيل منا فنحن مضطرون أن نلحظ ذلك فيما نقول ونفعل !! لا نرد ردا مباشرا، بل لنبني عرضنا على نحو يكشف في هدوء ما قد يثار ضدنا ويشرح بلطف تهافته وضعفه...

وإذا احتاج الأمر إلى مقارعة إعلام آخر يتهجم علينا التزمنا فضائل الإسلام في الود والتمحيص فذاك أليق وأجدى !

وهناك نقاط أرى ضرورة الحديث فيها كي يتضح دور الإعلام الإسلامي في العلاقات الإنسانية. نحن المسلمين نؤمن بالإخوة الإنسانية، ونعد اختلاف الأجناس والألوان مصدر تعارف لا تناكر، ونود أن يحيا أهل الأرض في ضوء قوله تعالى: ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ).

وقصة دار الإسلام ودار الحرب فرضتها علينا ظروف خارجية ومؤامرات عدوانية. فإن هناك للأسف من يستكثر علينا حق الحياة بديننا، ويريد بشق النفس أن يجتاح عقائدنا ويجتاحنا معها.. ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) .

ومن حقنا أن نواجه هذا التحدي الذي فرض نفسه على العلاقات الدولية قديما، فإذا انتهى انتهت معه آثاره وما أشوقنا إلى انتهاء هذه الأوضاع.

لكن أتراها زالت؟

إنه مطلوب من العرب أن يرتدوا عن دينهم ويتنازلوا عن أرضهم بكل تبجح!.. فهل يمكن إرساء العلاقات الإنسانية على هذا الأساس المنهار؟

إن الإعلام الإسلامي ينشغل بهذه القضية انشغالا محيطاً فليس الإسلام بالدين الذي يطارد ولا المسلمون بالأمة التي تستباح.

ويمكن بسط هذه القضية عن طريق المقال والكتاب والقصة والتعليق والخبر وإحياء التاريخ الماضى وكشف التاريخ المعاصر وعقد الدراسات والندوات وغير ذلك مما يحط عن المسلمين أوزار هذا الظلم الفادح...

وشيء آخر يتصل بالكيان الإسلامي ويدخل في رسالة الإعلام.

إن عدد المسلمين اليوم يبلغ " المليار " وإن مارت في ذلك مؤسسات استعمارية.. وأكثر من ربع هذا العدد يعيش على شكل " أقليات " داخل دول أخرى كبيرة وصغيرة وربما عاش في ظل نظم تبغضه وتود له العنت والدمار..

وجدير بوسائل الإعلام الإسلامى أن تقترب من هؤلاء الإخوة، بل أن تخالطهم وتتعرف على آلامهم ومشكلاتهم..

وتلك فريضة تنبع من تضامن المسلمين ومن الجامعة الكبرى التي تشد أطرافهم في كل القارات.

ويمكن إشعار هؤلاء أنهم موصولون بأمتهم الكبرى عن طريق أركان دائمة لهم في صنوف الإذاعات، وشتى الصحف والمجلات.

إنهم إن شعروا بالقطيعة والوحشة استسلموا لما يراد بهم وتفانوا في أديان ومذاهب أخرى وهذه طامة.

لننتقل إلى ميدان الأسرة لنرى أثر الإعلام فيه، وكيف حاول الإعلام المضاد لدينا أن ينال من شريعتنا وتقاليدنا الطاهرة...

لقد رأيت الجهود المبذولة لتنصير قوانين الأسرة الإسلامية ولمست عشرات الحيل التي اتخذت لجعل المسلمين يقبلون قانونا جديدا للأحوال الشخصية يبدأ بسلب الرجل حق الطلاق، ويشجب مبدأ تعدد الزوجات، وينتهي بإلغاء التفرقة بين الذكر والأنثي في الميراث...

عرضت روايات تمثيلية للرجل يقول كلمة عابرة فتلقي بها امرأة وأولادها في الطريق، أو لرجل متزوج من أربع وأعجبته خامسة فجاء "بالمأذون " ليطلق واحدة مكان الواحدة الجديدة ولم يكن يدرى بالضبط من التي يريد تسريحها..؟؟

ونظمت حملات دعائية رهيبة ضد زيادة النسل، بل اقترح حرمان الولد الثالث من حق التعليم والتموين والتمريض... الخ.

ويلاحظ أن تحديد النسل يُشجع على أوسع نطاق بين المسلمين وحدهم، وأن أتباع الأديان الأخرى لديهم تعليمات مشددة بتكثير النسل، بل لدى الشيوعيين هذه التعليمات واستطاع من أعداء الإسلام في رسائل الإعلام أن يقدموا للمسرح رواية "ديك وتسع فراخ " وأن يبرزوا في الصحافة صورة ساخرة لمحمد أفندي الذي تزوج تسعا.. والقمة الإنسانية التي يراد غمزها بهذه العناوين معروفة .

وإذا كان الكافرون بديننا يستغلون الإعلام لترويج سخافاتهم أفلا نستطيع نحن أن نستغل الإعلام لدعم فضائل الفقه والطهارة والاستقامة التي ينشدها الإسلام للأسرة خاصة وللعلاقة العامة بين الجنسين..؟

لقد هُزِمَ حظر الطلاق في إيطاليا ـ مقر البابوية ـ بعد استفتاء عام وبعد تظاهرات عنيفة سارت فيها ملايين من الجنسين. وهُزِمَ هذا الحظر بإقصاء القوانين الكنسية في أغلب البلاد النصرانية، أفلا يستطيع الإعلام الإسلامي أن يشرح عمليا قوله تعالى: ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما)

وأن يسوق القصص الحق ـ لا الروايات المختلقة لإقرار مبدأ الطلاق، وجعله في يد الرجال؟

وإذا كان هناك من يُسيء استعمال هذا الحق فلا ينقطع بوسائل الإعلام الكثيرة فهلا ترشيده وإلزامه الجادة؟

والإسلام حرم الزنا تحريما صارما وأباح تعدد الزوجات إن ضمنت العدالة!

فهل أوروبا التي حرمت التعدد حظرت الزنا أم جعلته كلا مباحاً ؟ ألم تنتشر هناك الخلائل لتحل مكان الحلائل؟ ألم يتح للرجل أن يطيح بعفاف العشرات في سر أو علن؟ ألم يتحول الرقص المزدوج إلى تقليد رسمي قائم يرى فيه الرجال زوجاتهم في أحضان الآخرين، ـ تُرى أهذا العناق فرصة لذكر الله وإصلاح ذات البين؟؟

إن الإعلام الإسلامي يقدر على شرح أحكام الأسرة بوسائل لا حصر لها، ويقدر على سحق الهجوم الجاهلي المستهين بحدود الله...

ذكر لي صديق قادم من إحدى عواصم الغرب أن سيدة أبدت إعجابها الشديد بما أوجبه الإسلام من نفقة للفتاة إن لم تكن على أهلها فمن بيت المال، قالت هذه السيدة: إن تكليف الفتاة بالكسب عند بلوغ سن الرشد، ومنع أى عون عنها كان من أهم الأسباب لاستسلام المرأة وذهاب عفافها..

ولو نفذت تعاليم الإسلام فى هذا المجال لحفظت أعراض كثيرة..

ونستطيع عن طريق الأركان المخصصة للمرأة فى الإذاعة والصفحات المخصصة لها فى الجرائد والمجلات أن نغرس فضائل كثيرة، وأن نمحو ونثبت فى التقاليد التى تحكم البيت والمجتمع وأن نزود الفتيات والأمهات بنصائح تعين على إنشاء جيل قوى محترم منتج...

نحن المسلمين ننظر إلى الإعلام وإلى وسائله الرائعة التى ابتدعها العصر الحديث على أنها إمكانات ضخمة لنشر الحق وأخذ الناس به خصوصاً الأجيال الناشئة...

وفى أقطار كثيرة كان الإعلام عنصراً فعالا فى نشر ثقافات شعبية جيدة، وفى تعويد الجماهير عادات صائبة نافعة.

وإذا كانت قاعدة الإعلام عندنا أن يعرف الناس من نحن؟ وما رسالتنا فى الحياة، فإن ذلك قد يتقاضانا أن ننقد أنفسنا وأن ننبه إلى أخطاء وقع فيها الخاصة والعامة لا تعتبر ترجمة أمينة لكتابنا وسنة نبينا...

أعتقد أنه يجب أن ينتعش بين المسلمين فن " النقد الذاتى " وهو فن يقوم على محاكمة الواقع الإسلامى إلى المثل المقررة فى الإسلام ذاته، وبيان مسافة القرب والبعد والصواب والخطأ فى هذا الواقع المضطرب...

وهذا النقد هدفه إنصاف الإسلام ذاته وإعطاء أجهزته الإعلامية قدرات على صدق التعبير وحماسه...

إن ثمت إجماعاً على أن المسلمين منحرفون عن دينهم، وأن هذا الانحراف يشمل سلوك الفرد والمجتمع، وتكاد الدول الإسلامية كلها تعد فى جملة الدول المتخلفة... وهذا الهوان الحضارى سوف ينسحب على الإسلام ذاته شئنا أم كرهنا، وسيظن كثيرون أنه يكمن وراء قصورنا وتقصيرنا.

ولكى نجنب ديننا هذا الظلم الشديد ينبغى أن نذكر الحقيقة مستقاة من مصادرها الدينية الوثيقة ثم نذكر العوج الملحوظ فى أحوالنا وأفعالنا وبراءة الإسلام منه، وهذا النقد الذاتى ينهض على دراسة عميقة للإسلام وتاريخه وحضارته، ولا مانع بتة من أن تتسع دائرته لتتناول أخطاء وقعت فى الماضى. فإن المسلمين غير معصومين، أما الإسلام نفسه فمعصوم .

ويتمم هذا المعنى نقد علمى آخر للمعارضة الناقمة على ديننا والتى اعترضت من قديم سيرته، ومحور هذا النقد تفنيد التهم والشبهات التى أثارها المبشرون والمستشرقون أصحاب الأغراض المغشوشة والمنهج العلمى المكذوب...

والإعلام الإسلامى عندما يقوم بهذا الجهد الداخلى والخارجى يوفر جواً نظيفاً لمعرفة الإسلام، ومعرفة الخير العظيم الذى أسداه محمد صلى الله عليه وسلم ـ للعالم.

وبقى عنصر أخير فرطنا فيه كثيراً وهو تعليم اللغة العربية، سواء للمسلمين الأعاجم أو لغير المسلمين! إن الجهل باللغة العربية يشيع بين 80 أو 85 فى المائة من المسلمين، وأما الجهل بها فى أرجاء العالم فشئ مفزع، ولا يمكن عدها لغة عالمية مع أنها الوعاء الفذ للرسالة العالمية الوحيدة التى طرقت أبواب العالم، وشاء القدر الأعلى أن تبقى فيه إلى يومه الأخير.

ونحن نطلب ثلاثة أشياء محددة لإحياء اللغة العربية والحفاظ على مكانتها:

1ـ تأليف بعثات وجماعات لتعليم اللغة وحدها دون ربط هذا التعليم بالبلاغ الدينى، أى تهيئة معرفة اللغة وإتقانها لأى إنسان يطلب المزيد من الثقافة. وسوف يجنى الإسلام على المدى البعيد ثمرة الازدهار اللغوى المجرد.

2- الجد فى محاربة اللهجات العامية ـ داخل الوطن العربى ـ وتضييق الخناق عليها ومنع البرامج التى تقدم الأحاديث باللغات العامية ومنع الأزجال والمواويل والشعر الفوضوى المبتدع أخيرا، والذى يسمونه الشعر المرسل.

3- إحياء الأدب العربى الخالص وتقريبه من طبيعة العصر، أى تجريده من التكلف وافتعال المحسنات اللفظية، وتشجيع الشعراء المجيدين بشتى الوسائل...

وقبل ذلك... لا بد أن تقوم مجامع اللغة العربية بجهد محترم فى نشر ألفاظ الحضارة وجعل العربية لغة للعلوم الحديثة...

إن العناية باللغة العربية جزء حقيقى من عملي الإعلام الإسلامى، وخطوة مقصودة ليعرف العالم أجمع من نحن ؟ وما رسالتنا؟.

وتلك هى الوظيفة العتيدة لأجهزة الإعلام، ومنها تبدو النظرية الإسلامية للدعاية الإسلامية والعلاقات الإنسانية.

***

كم مخا غسلوه... أو بتعبير صحيح: لوثوه:

نجح الإعلام المعادى للإسلام فى بلوغ أهدافه، واستطاع بالثقافة المسمومة واللهو الرخيص أن يفسد الأفكار، ويعلق النفوس بالدنايا..

وهذا نجاح محدود الضرر، أما النجاح الفادح الضرر المخوف النتائج على المدى القربب والبعيد فهو ما خلفه من عوج فى شتى المؤسسات الاجتماعية والسياسية، بل فى شتى المؤسسات التربوية والعلمية..

لقد نظرت إلى هذه المؤسسات الموجهة لأمتنا فوجدت الصف الأول من قادتها يحمل أسماء إسلامية وقلوبا فارغة من الإسلام أو مرتدة عنه، حتى لقد استطاع جاسوس يهودى ذكى أن يصل الى هذا الصف، وأن يرشح لإحدى الوزارات وما كشفته إلا المصادفات .

هذا اليهودى لم يتكلف صلاة ولا صياما ولا شارات من شارات التدين، فالأمر يتطلب إطراح هذا كله. وتتبعت سيرة أحد الزعماء الكبار فوجدته يسترضى اليهود، ويتملق النصارى ويشمخ بأنفه على المسلمين وحدهم! مسكينة هذه الأمة العربية والإسلامية.

أما الصف الثانى فى هذه المؤسسات فهو يقوم على عدد غير قليل من الطوائف النصرانية وعدد مقارب من المسلمين التائهين، ونفر معدود من المتمسكين بالعبادات الشخصية والأخلاق الجادة... وتتخذ القرارات المهمة على الأغلب فى هذا النطاق، وقلما يظفر الإسلام بخير فى هذا الجو، فخصومه أيقاظ، وأبناؤه ذاهلون، والقلة الصاحية مخذولة.

ونجاح الإعلام فى إنشاء هذه البلبلة لا يعود إلى مهارته وحدها، فمن ورائه إرهاب أجنبى شديد الخفاء، يطارد كل عنصر يمكن أن يفيد الإسلام منه وهو يتخلى عن هذه السرية ويخلع القناع ويملى مطالبه فى الأزمات التى تحرجه... كما حدث عندما طالبت الدول الكبرى بحل جماعة الإخوان المسلمين، وظلت الأمور تتدحرج بعد ذلك حتى قتل " حسن البنا " فى القاهرة بعد ما رتبت الأجهزة الرسمية هذا القتل...

إن الاستعمار قد يرى التصفية الجسدية لا بد منها !! بيد أن المؤمنين لم يتراجعوا أمام هذه الشدائد، والواقع أن المقاومة الإسلامية خلال الثلاثين سنة الأخيرة بين كر وفر، وهى لم تهدأ الا لتستعد، ولم تخمد فى جبهة إلا لتشتعل فى أخرى.

وما دام الأعداء مصرين على قتل الإسلام فيستحيل أن تجف الأرض من دماء المدافعين حتى يستنقذوا عقائدهم وشرائعهم وتراثهم كله..

والتفاوت بين الجهاد فى عصرنا هذا وبين الجهاد القديم، أن أعداء الإسلام ـ كما قلنا ـ اصطنعوا لهم رجالاً منا، نعم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا أوعزوا إليهم أن ينهبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويبددوها فى كل فج... ووقفوا هم يرقبون المعركة عن كثب، ويمدون "عملاءهم " بما يحتاجون إليه بين الحين والحين.

ومكاسب أعداء الإسلام متفاوتة بين قطر وآخر.. فما كسبته الصليبية العالمية من " مصطفى كمال " والمعجبين به شئ مثير حقا.. وما كسبته الشيوعية العالمية من " عبد الفتاح إسماعيل " فى اليمن الجنوبى ـ مثلاً ـ شئ مثير كذلك..

والأمر يتطلب من المدافعين مزيداً من الدراسة واليقظة وتقليب النظر فى خطط المقاومة الواجبة أمام كلب الأعداء وكثرة المنافقين العملاء..

وأمر آخر أجدر بالانتباه والحذر، هو رعاية صفوف المؤمنين، وتجنبها حماس الأصدقاء القاصرين، وتطلع الأذكياء الطامعين.

يوشك أن يستدير الزمن كهيئته الأولى، وتعود للإسلام قوته وتخفق رايته ولكن دون ذلك أهوال لا نخشاها إن شاء الله، وبين المحيطين الهادى والأطلسى تتحرك طلائع التحرير، وتشتبك مع أعداء الله.

وظنى أن العراك طويل، ليكن.. حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. منذ شهور لقينى بمكة المكرمة صومالى مسلم ـ والصوماليون كلهم مسلمون ـ بيد أن الرجل الذى لقينى كان حار العاطفة. ظاهر الغيرة على دينه وبلده مشدوداً إلى المسلمين حيث كانوا بالأخوة التى ربط الله بها القلوب، قال لى عاتبا: ما أذهلكم عنا؟..

قلت له: ما ننساكم فى سراء ولا ضراء، ولقد تابعنا نشاطكم فى تحرير أرضكم من الاستعمار الحبشى بحماسة وتابعنا عودة الاستعمار الحبشى إلى هذه الأرض بأسى ! ومن قبل ومن بعد كنا نرقب أحوالكم الداخلية بضيق وحسرة !!

فقال لى الرجل وهو مقطب الجبين: هلا طالبتم بإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات من المسلمين والمسلمات! فقلت له: ما كنت أحسب أن هناك نسوة معتقلات لديكم. الذى وقر فى نفسى من سنين أن عددا أو أعدادا من العلماء والمجاهدين فتنوا، أو أودعوا السجون، لأنهم قاوموا التغيير الشيوعى الذى قلب المجتمع الصومالى رأسا على عقب، وقد حسبت أن تلك الحال انتهت بعد طرد الروس من الصومال وأن المجاهدين المسلمين سكن روعهم من صفحة جديدة من الحكم الوطنى المتحرر.. !

فقال لى الرجل غاضبا: إنكم تجهلون عنا كل شئ، إن الخبراء الروس طُردوا ولكن فلسفة الروس الحمراء لم تُطرد، بل ظلت تحرسها الحراب الحادة! إن ناظرة المدرسة تُمسك بمقص فى يدها فإذا وجدت فتاة طويلة الأكمام قطعت ما يستر الذراعين. فإذا قاومت فالويل لها ولذويها !! ولقد أغلقت مساجد كانت الفتيات المسلمات تتجمع فيها لتلقي الثقافة الدينية وأداء شعائر الصلوات الخمس، وتوجد الآن معتقلات لمسلمات لا ذنب لهن إلا التدين وطاعة الله.

واستطرد الرجل ـ وهو يرى دهشتى ـ أنتم تعلمون أن عشرة من علماء المساجد قتلوا رمياً بالرصاص لأنهم خطبوا ضد تشريعات الأسرة الجديدة التى سوت بين الرجل والمرأة فى الميراث، فهل تغيرت هذه القوانين الكافرة وعاد للشريعة الإسلامية احترامها بعد خروج الروس من الصومال؟ كلا… إن الزحف الأحمر الذى قتل ـ فى مقاومته ـ من قتل، وسجن من سجن، لا يزال يرين بوطأته الغليظة على صدورنا... وبصماته فى ميدان التعليم والتشريع لا تزال باقية! إن لجنة العفو الدولية استنكرت الأسلوب الهمجى الشائن الذى قتل به علماء المساجد! والذى ووريت به جثثهم! وهناك مسلمون كثيرون لا يدرون ما يقع بين ظهرانينا !!

وقلت للرجل وأنا خجلان: لقد استنكرنا هذه المجزرة فى حينها، وشكونا إلى الله من اصطبغت يده بدمها، ولكننا ظننا أن رؤساء الصومال قد عادوا إلى الإسلام بعد ما ظهر لهم غدر الروس وبعد ما تكشف لهم أن الشيوعية حلم كاذب.

وضحك الرجل الصومالى ضحكة صفراء يائسة وهو يقول: لقد غدرت الشيوعية بحكامنا، وكان لهم أمل فى أمريكا فلم تذكرهم فى وقت الشدة.. وكأن إذلال الشعب الصومالى أمر مرغوب.

كان لهذا الحوار الكئيب صدى فى نفسى بعيد المدى... تذكرت كلاماً للرئيس " زياد برى " يشرح فيه لماذا غيَّر أحكام القرآن الكريم فى المواريث..

قال: إن الإسلام دين تقدمى، وأنه منح المرأة نصف الميراث لما كانت الجاهلية لا تعطيها شيئا وكانت المرأة فى المجتمع متأخرة مادياً وأدبياً.. وكان هذا العطاء القرآنى تكريماً للمرأة.

ثم قال: ولكن بعد تقدم العصور وتساوى الذكورة والأنوثة فى الخصائص المادية والأدبية أضحت التسوية بين الجنسين لازمة، وأضحى الحكم الإسلامى غير صالح لهذه المرحلة الجديدة..

وظاهر أن الرئيس الصومالى يردد الكلام الذى قيل له فى موسكو وهو لا يدرى قليلا ولا كثيراً عن النتائج المخزية لإلغاء الفروق الفطرية بين الرجل والمرأة، ولا النتائج الحيوانية لإلغاء نظام الأسرة كله، وما شرعه الدين للبيت من تعاليم تتصل بالحضانة والتربية والنفقة والتوجيه الخاص والعام..

إن بقاء العقائد والعادات مرتبط بجو البيت وكيان الأسرة، ولذلك تخاصم الشيوعية بعنف الوضع الاجتماعى القائم على نظام الأسرة العتيد، وقد تبعتها الفلسفات المادية التى تسود أوروبا وأمريكا تقريبا..

وكان من نتائج ذلك أن الأولاد اللقطاء أخذوا يبرزون إلى المجتمعات بنسبة فاحشة، دون قلق أو محاذرة، وأن طوفان الشهوة غمر كل شئ !..

والمستغرب أن بعض الرؤساء مفتون بهذه التيارات الوضعية، ويريد أن يحمل الجماهير عليها بالعصا... وبإخماد أنفاس المعارضين، وقد ظننت أن الصومال فى محنته سيعود إلى دينه ويثوب إلى رشده، ولكنى كنت واهما...

وعرفت سر الهزائم التى أصابت جبهات التحرير فى أريتريا والصومال، وليس سراً أن جمعاً غفيراً من القادة المسلمين قتل فى الميدان الأريتيرى، قتلهم الشيوعيون قبل أن يقتلهم الأحباش، إن هذه الجبهات هزمت نفسها قبل أن يهزمها الشيوعيون القادمون من كوبا ومن روسيا

كانت هذه الجبهات تستطيع أن توحد خطتها وأن تنسق ضرباتها العسكرية فى شتى الميادين، وقد ظلت أكثر من عام قديرة على ذلك، ولكن انشغالها بضرب الإسلام وأحكامه وتعاليمه أذهلها عن المسلك الوحيد المؤدى إلى النصر مصداق قوله تعالى: (…ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ).

إن الرئيس " زياد برى " تنقل بين جميع العواصم العربية يطلب النجدة ويشكو العدوان، فهل سمع من أحد نصحا بضرورة تطهير البلاد من آثار الشيوعية فى التعليم والتشريع؟

أكاد أشك من هذا الأمر، بل لقد كنت أضحك وأنا أقرأ اسم الرئيس العربى يكتب " سياد " لأن وكالات الأنباء العالمية تقرأ الاسم مكتوباً بالحروف الرسمية فى الصومال بعد أن حكم بالإعدام على الحروف العربية ـ ثم يجئ الصحافيون العرب فيقلدون الخواجات فى نقل الاسم إلى " سياد" بدل " زياد " ما هذا الهزل؟ كفر بالعروبة بعد الكفر بالإسلام .

أما تتحرك الجامعة العربية للدفاع عن عنوانها وسط هذه الجهالات الصفيقة أم أنها تؤثر الصمت على أية حال...؟

 

 

كتاب : الدعوة الإسلامية في القرن الحالي

فضيلة : الشيخ محمد الغزالي

الحلقة [ 24 ] الفصل الحادي عشر : عالمية الرسالة بين النظرية والتطبيق (2)

لأجهزة الإعلام رسالة:

من نماذج عرض الدعوة الإسلامية هذا القول المحدد: ( قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون * فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء ).

أي أعلمتكم بما عندي فأصبحنا جميعا أنا وأنتم سواء في معرفة العقيدة التي أنادي بها. فإن انصرفتم بعد ذلك فعن تجاهل لا عن جهل إذ أني أفرغت جهدي في البلاغ المبين إن ما أدعو إليه معروف لكم كما هو معروف لي.

وهذا الكلام يفرض على الإعلام الإسلامى الشمول التام، فكما أن رسالة الإسلام عامة إلى الخلائق لا يشذ منها أحد، فكذلك تعاليم الإسلام يجب أن تقدم كلها عن طريق أجهزته العاملة فلا يخفي منها شيء بحيث يكون الداعي والمدعو سواء في الإحاطة بمحتويات هذا الدين دقيقها وجليلها...

وهذا الآذان المستوعب أو الإعلام الشامل يتم في نطاق المياسرة والمجاملة والرغبة عن النزاع والإثارة، فإن ذلك ما توحي به الآيات الآتية:

( وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم * وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون * الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون ) .

فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ).

( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن )

والعرض الإعلامي الحريص على بث الحق وإيثار السلام ورفض الشحناء يستطيع أن يبرز تعاليم الإسلام في صور شتى لعل أيسرها الخبر المجرد، لكن أيكفي ذلك في عالم تبرجت فيه الدعوات وافتتنت فيه أساليب الاستهواء، إن الحوار الزكي في قصة شائقة أو تصوير الواقع في هذه القصة بل الصورة الساخرة والنكتة البارعة، إن هذه جميعاً أصبحت من وسائل البلاغ المبين بل أصبحت وسائل محتومة لقوله تعالى: ( وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ).

وذاك ما لا بد أن تدركه أجهزة الإعلام الإسلامي. الإسلام دين متحرك سيال لا يعرف الجمود في مكان ولا زمان، وهذا التمدد في طبيعته يتم وفق عناصر الشمول والمياسرة التي أبناها.

فنحن المسلمين مكلفون أن نبسط وجهة نظرنا في كل شيء مقرونة بالأدلة المقنعة التي توضح موقفنا وتحدد من نحن؟ وماذا نريد ؟ وكذلك يجب أن نعرف ما لدى غيرنا بدقة وإنصاف ثم نترك للعقل الإنساني العادي أن يقارن ويحكم !

إن القرآن الكريم طلب من معارضي الدعوة أن يأتوا بما لديهم من أدلة على وجهة نظرهم: ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ) .

وذلك في جداله الحسن مع أهل الكتاب، وقد تكرر هذا الطلب في الحوار الطويل مع المشركين: ( أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين )

وانعدام البرهان هو الذي جعل الفتية المؤمنين أصحاب الكهف يزدرون الشرك ويرفضون البقاء عليه: ( هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا )

والسلطان البين هو الدليل المقنع ووجهة النظر المحترمة المدعومة، فمن كان منطقه صفرا من هذا السناد فليواجه مصيره العدل عند الله: ( ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه) .

ومن هذا العرض يستبين المنطق الذي تعمل منه أجهزة الإعلام الإسلامى، إن لديها ثروة طائلة من الحقائق الدينية والاجتماعية والسياسية.

وهذه الثروة تحتاج إلى ذكاء حاد في استكشافها وتربيتها كما تحتاج إلى لياقة واسعة في قرع الآذان بها أو تفتيح الأعين عليها.

ولن يتم ذلك إلا بين يدي دراسة مستبحرة لما عند الآخرين واستبانة واعية لكل ما يكون وجهة نظرهم وسر رضاءهم بما عندهم.

ومحور الإعلام الإسلامي هنا هو الصدق ونشدان الحق وحب الخير للناس أجمعين.

الإعلام الإسلامي يرسم صورة صادقة برسالة محمد صلى الله عليه وسلم لا تزيد فيها ولا نقص، وليس لديه كما ذكرنا ما يخفيه أو يستحي منه، وهو حسن الظن بالفطرة الإنسانية يرى أنها يوم تعرف الحق تبادر إلى قبوله وأنها إن تريثت فإلى حين !!

أي أن جمهرة البعيدين عن الإسلام لم يعتنقوه لجهلهم به فقط. ( ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .

ومن هنا فالعبء ثقيل على أجهزة الدعاية الإسلامية التي ينبغي أن تعمل ليلا ونهارا لمحو هذا الجهل الغالب.

والاقتناع الحر أساس النجاح المرتقب، وهذا يقتضي مهادا طويلا من العناصر الثلاثة التي أحصاها القرآن في دعوته : الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الهادي الرفيق والزمن جزء من العلاج فليس من العقل أن تبذر اليوم لتحصد اليوم!

لا بد من إعداد برامج طويلة، ومن تقليب النفس الإنسانية بين ألوان من الفكر والعاطفة، ومن تجربة مفاتيح كثيرة لنصل إلى غورها، فإن تحويل الناس عن مواريثهم الروحية والاجتماعية جهد بعيد المدى ما ينجح فيه إلا المخلصون الأذكياء...

وصوت الإسلام في ميدان الإعلام يجب أن يكون جهيرا، فإن لصاحب الحق مقالا. إن التعريف بالله الواحد ودينه الحق قضية لا تعالج بفتور واسترخاء.

وإذا كان هناك من يعتبرون الإلحاد ذكاء وتقدماً ويبذلون في سبيل نشره جهوداً مضنية، فإن حملة الإسلام سيكونون أطول نفساً وأشد غيرة وأرسخ قدماً: ( ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله )

ويعني هذا: أن الإعلام الإسلامى وثيق الإيمان برسالته عظيم المغالاة بها، وأن الصبغة الدينية والعبادية لا يمكن أن تنفك عن أعماله وسائله المختلفة.

وأجهزة الإعلام عندما تؤدي دورها ـ والحالة هذه ـ هى ميادين جهاد ومساجد صلاة ومدارج تقوى ورضوان.

والشمول في المادة التي يقدمها الإعلام يتناول الإسلام وتاريخه وحضارته وأمته.

وكلمة الإسلام عنوان على حقائق العقيدة والشريعة والعبادات والأخلاق وشتى المعاملات.

وكلمة التاريخ عنوان على الوقائع والسياسات التي نشأت عن المد الإسلامي من أربعة عشر قرناً.

وكلمة الحضارة عنوان على النشاط الفكري والروحي والعمراني وجملة القيم الدينية والمدنية التي صاحبت مسيرة الإسلام واستقرت معه حيث استقر أو تأثرت بقية العالم بها.

وكلمة الأمة الإسلامية تعني جميع المنتسبين إلى رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من كل الأجناس والألوان سواء أكانوا شعوبا مستقلة أو أقليات تحيا وسط أمم أخرى ..

إن أجهزة الإعلام الإسلامية تهتم بذلك كله ويبدو اهتمامها في برامجها المسموعة والمرئية والمقروءة على أساس أن العالم الإسلامي وحدة متماسكة مهما بلغت جسامة الفتوق في كيانه ومهما وهت علاقة بعض أجزائه بالأصل الجامع والروح الشائع..

وإعلامنا - كما قلنا - يقرر ما عنده كله، وسيكون هناك خلاف بين ما يقرره وما تقرره ملل ومذاهب أخرى كثيرة، وهنا لا بد من إبراز الشخصية الإسلامية دون ميوعة أو تفريط إبرازا يؤكد شرعيتها ووجهتها ومنهجها وغايتها ويرجح لدى المشاهدين والمتابعين كفتها بأدب وتلطف...

إن إعلامنا صورة لما نقول ونؤمن وصدى لما ننشد من خير للحياة والأحياء..

ونحن مسلمون، والإسلام دين ودولة ، إيمان ونظام.. فليرنا العالم أجمع من خلال إذاعتنا وصحافتنا، من خلال كتبنا ورسائلنا، من خلال اجتماعاتنا ومؤتمراتنا على هذا الواقع الدائم.

لكن كيف يؤدي الإعلام الإسلامي هذه الوظيفة الكبيرة ؟ إننا لا نعرض طريقة واحدة لهذا الأداء بداهة فما أكثر صور العوض، وصدق النية يدفع إلى الاكتشاف والاختراع...

إنه يمكن تقديم درس في التوحيد وتمجيد الخالق لا بقراءة نظرية تقليدية بل ببضع دقائق في التلفاز تبرز فيها على الشاشة الصغيرة صورة كونية فخمة تتجلى فيها مظاهر القدرة العليا وتصحبها كلمات سريعة موجزة تدل على أن العلم يقود إلى الإيمان.

إن أجهزة الإعلام في العالم كله تنطلق من مبادئ معينة وتخدم مصالح معينة، والإعلام الإسلامي يرتبط بمبادئ ومصالح معروفة المصدر والنسبة، فلا وجه للغرابة إذا كانت تعاليم الدين ولحمته وسداه، وإذا كان - شأن غيره من الأجهزة - يفسر وقائع الحياة وفق فكرته هو وينظر إليها من زاويته هو...

الإعلام حتى في نشرات الأخبار وسوق الأحداث يكشف عن فلسفته ومذهبه وتقديره الخاص لما يكون. وهو في مواد الثقافة ومواد الترفيه أيضا يضفي على الحياة لونه الخاص ويعمل في ذكاء لتذكير من ينسى وتعليم من يجهل.

وأجهزة الإعلام الإسلامي حين تنهض بواجبها تغرس العقائد والعبادات التي تتبناها وتعلي شعارا واحدا في برامجها ووسائلها كلها...

ولما كانت هناك قوى تعارض فكرنا وتكوه شعارنا وتثير الشبه ضد قضايانا وتحاول بكل طريقة النيل منا فنحن مضطرون أن نلحظ ذلك فيما نقول ونفعل !! لا نرد ردا مباشرا، بل لنبني عرضنا على نحو يكشف في هدوء ما قد يثار ضدنا ويشرح بلطف تهافته وضعفه...

وإذا احتاج الأمر إلى مقارعة إعلام آخر يتهجم علينا التزمنا فضائل الإسلام في الود والتمحيص فذاك أليق وأجدى !

وهناك نقاط أرى ضرورة الحديث فيها كي يتضح دور الإعلام الإسلامي في العلاقات الإنسانية. نحن المسلمين نؤمن بالإخوة الإنسانية، ونعد اختلاف الأجناس والألوان مصدر تعارف لا تناكر، ونود أن يحيا أهل الأرض في ضوء قوله تعالى: ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ).

وقصة دار الإسلام ودار الحرب فرضتها علينا ظروف خارجية ومؤامرات عدوانية. فإن هناك للأسف من يستكثر علينا حق الحياة بديننا، ويريد بشق النفس أن يجتاح عقائدنا ويجتاحنا معها.. ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) .

ومن حقنا أن نواجه هذا التحدي الذي فرض نفسه على العلاقات الدولية قديما، فإذا انتهى انتهت معه آثاره وما أشوقنا إلى انتهاء هذه الأوضاع.

لكن أتراها زالت؟

إنه مطلوب من العرب أن يرتدوا عن دينهم ويتنازلوا عن أرضهم بكل تبجح!.. فهل يمكن إرساء العلاقات الإنسانية على هذا الأساس المنهار؟

إن الإعلام الإسلامي ينشغل بهذه القضية انشغالا محيطاً فليس الإسلام بالدين الذي يطارد ولا المسلمون بالأمة التي تستباح.

ويمكن بسط هذه القضية عن طريق المقال والكتاب والقصة والتعليق والخبر وإحياء التاريخ الماضى وكشف التاريخ المعاصر وعقد الدراسات والندوات وغير ذلك مما يحط عن المسلمين أوزار هذا الظلم الفادح...

وشيء آخر يتصل بالكيان الإسلامي ويدخل في رسالة الإعلام.

إن عدد المسلمين اليوم يبلغ " المليار " وإن مارت في ذلك مؤسسات استعمارية.. وأكثر من ربع هذا العدد يعيش على شكل " أقليات " داخل دول أخرى كبيرة وصغيرة وربما عاش في ظل نظم تبغضه وتود له العنت والدمار..

وجدير بوسائل الإعلام الإسلامى أن تقترب من هؤلاء الإخوة، بل أن تخالطهم وتتعرف على آلامهم ومشكلاتهم..

وتلك فريضة تنبع من تضامن المسلمين ومن الجامعة الكبرى التي تشد أطرافهم في كل القارات.

ويمكن إشعار هؤلاء أنهم موصولون بأمتهم الكبرى عن طريق أركان دائمة لهم في صنوف الإذاعات، وشتى الصحف والمجلات.

إنهم إن شعروا بالقطيعة والوحشة استسلموا لما يراد بهم وتفانوا في أديان ومذاهب أخرى وهذه طامة.

لننتقل إلى ميدان الأسرة لنرى أثر الإعلام فيه، وكيف حاول الإعلام المضاد لدينا أن ينال من شريعتنا وتقاليدنا الطاهرة...

لقد رأيت الجهود المبذولة لتنصير قوانين الأسرة الإسلامية ولمست عشرات الحيل التي اتخذت لجعل المسلمين يقبلون قانونا جديدا للأحوال الشخصية يبدأ بسلب الرجل حق الطلاق، ويشجب مبدأ تعدد الزوجات، وينتهي بإلغاء التفرقة بين الذكر والأنثي في الميراث...

عرضت روايات تمثيلية للرجل يقول كلمة عابرة فتلقي بها امرأة وأولادها في الطريق، أو لرجل متزوج من أربع وأعجبته خامسة فجاء "بالمأذون " ليطلق واحدة مكان الواحدة الجديدة ولم يكن يدرى بالضبط من التي يريد تسريحها..؟؟

ونظمت حملات دعائية رهيبة ضد زيادة النسل، بل اقترح حرمان الولد الثالث من حق التعليم والتموين والتمريض... الخ.

ويلاحظ أن تحديد النسل يُشجع على أوسع نطاق بين المسلمين وحدهم، وأن أتباع الأديان الأخرى لديهم تعليمات مشددة بتكثير النسل، بل لدى الشيوعيين هذه التعليمات واستطاع من أعداء الإسلام في رسائل الإعلام أن يقدموا للمسرح رواية "ديك وتسع فراخ " وأن يبرزوا في الصحافة صورة ساخرة لمحمد أفندي الذي تزوج تسعا.. والقمة الإنسانية التي يراد غمزها بهذه العناوين معروفة .

وإذا كان الكافرون بديننا يستغلون الإعلام لترويج سخافاتهم أفلا نستطيع نحن أن نستغل الإعلام لدعم فضائل الفقه والطهارة والاستقامة التي ينشدها الإسلام للأسرة خاصة وللعلاقة العامة بين الجنسين..؟

لقد هُزِمَ حظر الطلاق في إيطاليا ـ مقر البابوية ـ بعد استفتاء عام وبعد تظاهرات عنيفة سارت فيها ملايين من الجنسين. وهُزِمَ هذا الحظر بإقصاء القوانين الكنسية في أغلب البلاد النصرانية، أفلا يستطيع الإعلام الإسلامي أن يشرح عمليا قوله تعالى: ( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما)

وأن يسوق القصص الحق ـ لا الروايات المختلقة لإقرار مبدأ الطلاق، وجعله في يد الرجال؟

وإذا كان هناك من يُسيء استعمال هذا الحق فلا ينقطع بوسائل الإعلام الكثيرة فهلا ترشيده وإلزامه الجادة؟

والإسلام حرم الزنا تحريما صارما وأباح تعدد الزوجات إن ضمنت العدالة!

فهل أوروبا التي حرمت التعدد حظرت الزنا أم جعلته كلا مباحاً ؟ ألم تنتشر هناك الخلائل لتحل مكان الحلائل؟ ألم يتح للرجل أن يطيح بعفاف العشرات في سر أو علن؟ ألم يتحول الرقص المزدوج إلى تقليد رسمي قائم يرى فيه الرجال زوجاتهم في أحضان الآخرين، ـ تُرى أهذا العناق فرصة لذكر الله وإصلاح ذات البين؟؟

إن الإعلام الإسلامي يقدر على شرح أحكام الأسرة بوسائل لا حصر لها، ويقدر على سحق الهجوم الجاهلي المستهين بحدود الله...

ذكر لي صديق قادم من إحدى عواصم الغرب أن سيدة أبدت إعجابها الشديد بما أوجبه الإسلام من نفقة للفتاة إن لم تكن على أهلها فمن بيت المال، قالت هذه السيدة: إن تكليف الفتاة بالكسب عند بلوغ سن الرشد، ومنع أى عون عنها كان من أهم الأسباب لاستسلام المرأة وذهاب عفافها..

ولو نفذت تعاليم الإسلام فى هذا المجال لحفظت أعراض كثيرة..

ونستطيع عن طريق الأركان المخصصة للمرأة فى الإذاعة والصفحات المخصصة لها فى الجرائد والمجلات أن نغرس فضائل كثيرة، وأن نمحو ونثبت فى التقاليد التى تحكم البيت والمجتمع وأن نزود الفتيات والأمهات بنصائح تعين على إنشاء جيل قوى محترم منتج...

نحن المسلمين ننظر إلى الإعلام وإلى وسائله الرائعة التى ابتدعها العصر الحديث على أنها إمكانات ضخمة لنشر الحق وأخذ الناس به خصوصاً الأجيال الناشئة...

وفى أقطار كثيرة كان الإعلام عنصراً فعالا فى نشر ثقافات شعبية جيدة، وفى تعويد الجماهير عادات صائبة نافعة.

وإذا كانت قاعدة الإعلام عندنا أن يعرف الناس من نحن؟ وما رسالتنا فى الحياة، فإن ذلك قد يتقاضانا أن ننقد أنفسنا وأن ننبه إلى أخطاء وقع فيها الخاصة والعامة لا تعتبر ترجمة أمينة لكتابنا وسنة نبينا...

أعتقد أنه يجب أن ينتعش بين المسلمين فن " النقد الذاتى " وهو فن يقوم على محاكمة الواقع الإسلامى إلى المثل المقررة فى الإسلام ذاته، وبيان مسافة القرب والبعد والصواب والخطأ فى هذا الواقع المضطرب...

وهذا النقد هدفه إنصاف الإسلام ذاته وإعطاء أجهزته الإعلامية قدرات على صدق التعبير وحماسه...

إن ثمت إجماعاً على أن المسلمين منحرفون عن دينهم، وأن هذا الانحراف يشمل سلوك الفرد والمجتمع، وتكاد الدول الإسلامية كلها تعد فى جملة الدول المتخلفة... وهذا الهوان الحضارى سوف ينسحب على الإسلام ذاته شئنا أم كرهنا، وسيظن كثيرون أنه يكمن وراء قصورنا وتقصيرنا.

ولكى نجنب ديننا هذا الظلم الشديد ينبغى أن نذكر الحقيقة مستقاة من مصادرها الدينية الوثيقة ثم نذكر العوج الملحوظ فى أحوالنا وأفعالنا وبراءة الإسلام منه، وهذا النقد الذاتى ينهض على دراسة عميقة للإسلام وتاريخه وحضارته، ولا مانع بتة من أن تتسع دائرته لتتناول أخطاء وقعت فى الماضى. فإن المسلمين غير معصومين، أما الإسلام نفسه فمعصوم .

ويتمم هذا المعنى نقد علمى آخر للمعارضة الناقمة على ديننا والتى اعترضت من قديم سيرته، ومحور هذا النقد تفنيد التهم والشبهات التى أثارها المبشرون والمستشرقون أصحاب الأغراض المغشوشة والمنهج العلمى المكذوب...

والإعلام الإسلامى عندما يقوم بهذا الجهد الداخلى والخارجى يوفر جواً نظيفاً لمعرفة الإسلام، ومعرفة الخير العظيم الذى أسداه محمد صلى الله عليه وسلم ـ للعالم.

وبقى عنصر أخير فرطنا فيه كثيراً وهو تعليم اللغة العربية، سواء للمسلمين الأعاجم أو لغير المسلمين! إن الجهل باللغة العربية يشيع بين 80 أو 85 فى المائة من المسلمين، وأما الجهل بها فى أرجاء العالم فشئ مفزع، ولا يمكن عدها لغة عالمية مع أنها الوعاء الفذ للرسالة العالمية الوحيدة التى طرقت أبواب العالم، وشاء القدر الأعلى أن تبقى فيه إلى يومه الأخير.

ونحن نطلب ثلاثة أشياء محددة لإحياء اللغة العربية والحفاظ على مكانتها:

1ـ تأليف بعثات وجماعات لتعليم اللغة وحدها دون ربط هذا التعليم بالبلاغ الدينى، أى تهيئة معرفة اللغة وإتقانها لأى إنسان يطلب المزيد من الثقافة. وسوف يجنى الإسلام على المدى البعيد ثمرة الازدهار اللغوى المجرد.

2- الجد فى محاربة اللهجات العامية ـ داخل الوطن العربى ـ وتضييق الخناق عليها ومنع البرامج التى تقدم الأحاديث باللغات العامية ومنع الأزجال والمواويل والشعر الفوضوى المبتدع أخيرا، والذى يسمونه الشعر المرسل.

3- إحياء الأدب العربى الخالص وتقريبه من طبيعة العصر، أى تجريده من التكلف وافتعال المحسنات اللفظية، وتشجيع الشعراء المجيدين بشتى الوسائل...

وقبل ذلك... لا بد أن تقوم مجامع اللغة العربية بجهد محترم فى نشر ألفاظ الحضارة وجعل العربية لغة للعلوم الحديثة...

إن العناية باللغة العربية جزء حقيقى من عملي الإعلام الإسلامى، وخطوة مقصودة ليعرف العالم أجمع من نحن ؟ وما رسالتنا؟.

وتلك هى الوظيفة العتيدة لأجهزة الإعلام، ومنها تبدو النظرية الإسلامية للدعاية الإسلامية والعلاقات الإنسانية.

***

كم مخا غسلوه... أو بتعبير صحيح: لوثوه:

نجح الإعلام المعادى للإسلام فى بلوغ أهدافه، واستطاع بالثقافة المسمومة واللهو الرخيص أن يفسد الأفكار، ويعلق النفوس بالدنايا..

وهذا نجاح محدود الضرر، أما النجاح الفادح الضرر المخوف النتائج على المدى القربب والبعيد فهو ما خلفه من عوج فى شتى المؤسسات الاجتماعية والسياسية، بل فى شتى المؤسسات التربوية والعلمية..

لقد نظرت إلى هذه المؤسسات الموجهة لأمتنا فوجدت الصف الأول من قادتها يحمل أسماء إسلامية وقلوبا فارغة من الإسلام أو مرتدة عنه، حتى لقد استطاع جاسوس يهودى ذكى أن يصل الى هذا الصف، وأن يرشح لإحدى الوزارات وما كشفته إلا المصادفات .

هذا اليهودى لم يتكلف صلاة ولا صياما ولا شارات من شارات التدين، فالأمر يتطلب إطراح هذا كله. وتتبعت سيرة أحد الزعماء الكبار فوجدته يسترضى اليهود، ويتملق النصارى ويشمخ بأنفه على المسلمين وحدهم! مسكينة هذه الأمة العربية والإسلامية.

أما الصف الثانى فى هذه المؤسسات فهو يقوم على عدد غير قليل من الطوائف النصرانية وعدد مقارب من المسلمين التائهين، ونفر معدود من المتمسكين بالعبادات الشخصية والأخلاق الجادة... وتتخذ القرارات المهمة على الأغلب فى هذا النطاق، وقلما يظفر الإسلام بخير فى هذا الجو، فخصومه أيقاظ، وأبناؤه ذاهلون، والقلة الصاحية مخذولة.

ونجاح الإعلام فى إنشاء هذه البلبلة لا يعود إلى مهارته وحدها، فمن ورائه إرهاب أجنبى شديد الخفاء، يطارد كل عنصر يمكن أن يفيد الإسلام منه وهو يتخلى عن هذه السرية ويخلع القناع ويملى مطالبه فى الأزمات التى تحرجه... كما حدث عندما طالبت الدول الكبرى بحل جماعة الإخوان المسلمين، وظلت الأمور تتدحرج بعد ذلك حتى قتل " حسن البنا " فى القاهرة بعد ما رتبت الأجهزة الرسمية هذا القتل...

إن الاستعمار قد يرى التصفية الجسدية لا بد منها !! بيد أن المؤمنين لم يتراجعوا أمام هذه الشدائد، والواقع أن المقاومة الإسلامية خلال الثلاثين سنة الأخيرة بين كر وفر، وهى لم تهدأ الا لتستعد، ولم تخمد فى جبهة إلا لتشتعل فى أخرى.

وما دام الأعداء مصرين على قتل الإسلام فيستحيل أن تجف الأرض من دماء المدافعين حتى يستنقذوا عقائدهم وشرائعهم وتراثهم كله..

والتفاوت بين الجهاد فى عصرنا هذا وبين الجهاد القديم، أن أعداء الإسلام ـ كما قلنا ـ اصطنعوا لهم رجالاً منا، نعم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا أوعزوا إليهم أن ينهبوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ويبددوها فى كل فج... ووقفوا هم يرقبون المعركة عن كثب، ويمدون "عملاءهم " بما يحتاجون إليه بين الحين والحين.

ومكاسب أعداء الإسلام متفاوتة بين قطر وآخر.. فما كسبته الصليبية العالمية من " مصطفى كمال " والمعجبين به شئ مثير حقا.. وما كسبته الشيوعية العالمية من " عبد الفتاح إسماعيل " فى اليمن الجنوبى ـ مثلاً ـ شئ مثير كذلك..

والأمر يتطلب من المدافعين مزيداً من الدراسة واليقظة وتقليب النظر فى خطط المقاومة الواجبة أمام كلب الأعداء وكثرة المنافقين العملاء..

وأمر آخر أجدر بالانتباه والحذر، هو رعاية صفوف المؤمنين، وتجنبها حماس الأصدقاء القاصرين، وتطلع الأذكياء الطامعين.

يوشك أن يستدير الزمن كهيئته الأولى، وتعود للإسلام قوته وتخفق رايته ولكن دون ذلك أهوال لا نخشاها إن شاء الله، وبين المحيطين الهادى والأطلسى تتحرك طلائع التحرير، وتشتبك مع أعداء الله.

وظنى أن العراك طويل، ليكن.. حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين. منذ شهور لقينى بمكة المكرمة صومالى مسلم ـ والصوماليون كلهم مسلمون ـ بيد أن الرجل الذى لقينى كان حار العاطفة. ظاهر الغيرة على دينه وبلده مشدوداً إلى المسلمين حيث كانوا بالأخوة التى ربط الله بها القلوب، قال لى عاتبا: ما أذهلكم عنا؟..

قلت له: ما ننساكم فى سراء ولا ضراء، ولقد تابعنا نشاطكم فى تحرير أرضكم من الاستعمار الحبشى بحماسة وتابعنا عودة الاستعمار الحبشى إلى هذه الأرض بأسى ! ومن قبل ومن بعد كنا نرقب أحوالكم الداخلية بضيق وحسرة !!

فقال لى الرجل وهو مقطب الجبين: هلا طالبتم بإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات من المسلمين والمسلمات! فقلت له: ما كنت أحسب أن هناك نسوة معتقلات لديكم. الذى وقر فى نفسى من سنين أن عددا أو أعدادا من العلماء والمجاهدين فتنوا، أو أودعوا السجون، لأنهم قاوموا التغيير الشيوعى الذى قلب المجتمع الصومالى رأسا على عقب، وقد حسبت أن تلك الحال انتهت بعد طرد الروس من الصومال وأن المجاهدين المسلمين سكن روعهم من صفحة جديدة من الحكم الوطنى المتحرر.. !

فقال لى الرجل غاضبا: إنكم تجهلون عنا كل شئ، إن الخبراء الروس طُردوا ولكن فلسفة الروس الحمراء لم تُطرد، بل ظلت تحرسها الحراب الحادة! إن ناظرة المدرسة تُمسك بمقص فى يدها فإذا وجدت فتاة طويلة الأكمام قطعت ما يستر الذراعين. فإذا قاومت فالويل لها ولذويها !! ولقد أغلقت مساجد كانت الفتيات المسلمات تتجمع فيها لتلقي الثقافة الدينية وأداء شعائر الصلوات الخمس، وتوجد الآن معتقلات لمسلمات لا ذنب لهن إلا التدين وطاعة الله.

واستطرد الرجل ـ وهو يرى دهشتى ـ أنتم تعلمون أن عشرة من علماء المساجد قتلوا رمياً بالرصاص لأنهم خطبوا ضد تشريعات الأسرة الجديدة التى سوت بين الرجل والمرأة فى الميراث، فهل تغيرت هذه القوانين الكافرة وعاد للشريعة الإسلامية احترامها بعد خروج الروس من الصومال؟ كلا… إن الزحف الأحمر الذى قتل ـ فى مقاومته ـ من قتل، وسجن من سجن، لا يزال يرين بوطأته الغليظة على صدورنا... وبصماته فى ميدان التعليم والتشريع لا تزال باقية! إن لجنة العفو الدولية استنكرت الأسلوب الهمجى الشائن الذى قتل به علماء المساجد! والذى ووريت به جثثهم! وهناك مسلمون كثيرون لا يدرون ما يقع بين ظهرانينا !!

وقلت للرجل وأنا خجلان: لقد استنكرنا هذه المجزرة فى حينها، وشكونا إلى الله من اصطبغت يده بدمها، ولكننا ظننا أن رؤساء الصومال قد عادوا إلى الإسلام بعد ما ظهر لهم غدر الروس وبعد ما تكشف لهم أن الشيوعية حلم كاذب.

وضحك الرجل الصومالى ضحكة صفراء يائسة وهو يقول: لقد غدرت الشيوعية بحكامنا، وكان لهم أمل فى أمريكا فلم تذكرهم فى وقت الشدة.. وكأن إذلال الشعب الصومالى أمر مرغوب.

كان لهذا الحوار الكئيب صدى فى نفسى بعيد المدى... تذكرت كلاماً للرئيس " زياد برى " يشرح فيه لماذا غيَّر أحكام القرآن الكريم فى المواريث..

قال: إن الإسلام دين تقدمى، وأنه منح المرأة نصف الميراث لما كانت الجاهلية لا تعطيها شيئا وكانت المرأة فى المجتمع متأخرة مادياً وأدبياً.. وكان هذا العطاء القرآنى تكريماً للمرأة.

ثم قال: ولكن بعد تقدم العصور وتساوى الذكورة والأنوثة فى الخصائص المادية والأدبية أضحت التسوية بين الجنسين لازمة، وأضحى الحكم الإسلامى غير صالح لهذه المرحلة الجديدة..

وظاهر أن الرئيس الصومالى يردد الكلام الذى قيل له فى موسكو وهو لا يدرى قليلا ولا كثيراً عن النتائج المخزية لإلغاء الفروق الفطرية بين الرجل والمرأة، ولا النتائج الحيوانية لإلغاء نظام الأسرة كله، وما شرعه الدين للبيت من تعاليم تتصل بالحضانة والتربية والنفقة والتوجيه الخاص والعام..

إن بقاء العقائد والعادات مرتبط بجو البيت وكيان الأسرة، ولذلك تخاصم الشيوعية بعنف الوضع الاجتماعى القائم على نظام الأسرة العتيد، وقد تبعتها الفلسفات المادية التى تسود أوروبا وأمريكا تقريبا..

وكان من نتائج ذلك أن الأولاد اللقطاء أخذوا يبرزون إلى المجتمعات بنسبة فاحشة، دون قلق أو محاذرة، وأن طوفان الشهوة غمر كل شئ !..

والمستغرب أن بعض الرؤساء مفتون بهذه التيارات الوضعية، ويريد أن يحمل الجماهير عليها بالعصا... وبإخماد أنفاس المعارضين، وقد ظننت أن الصومال فى محنته سيعود إلى دينه ويثوب إلى رشده، ولكنى كنت واهما...

وعرفت سر الهزائم التى أصابت جبهات التحرير فى أريتريا والصومال، وليس سراً أن جمعاً غفيراً من القادة المسلمين قتل فى الميدان الأريتيرى، قتلهم الشيوعيون قبل أن يقتلهم الأحباش، إن هذه الجبهات هزمت نفسها قبل أن يهزمها الشيوعيون القادمون من كوبا ومن روسيا

كانت هذه الجبهات تستطيع أن توحد خطتها وأن تنسق ضرباتها العسكرية فى شتى الميادين، وقد ظلت أكثر من عام قديرة على ذلك، ولكن انشغالها بضرب الإسلام وأحكامه وتعاليمه أذهلها عن المسلك الوحيد المؤدى إلى النصر مصداق قوله تعالى: (…ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم ).

إن الرئيس " زياد برى " تنقل بين جميع العواصم العربية يطلب النجدة ويشكو العدوان، فهل سمع من أحد نصحا بضرورة تطهير البلاد من آثار الشيوعية فى التعليم والتشريع؟

أكاد أشك من هذا الأمر، بل لقد كنت أضحك وأنا أقرأ اسم الرئيس العربى يكتب " سياد " لأن وكالات الأنباء العالمية تقرأ الاسم مكتوباً بالحروف الرسمية فى الصومال بعد أن حكم بالإعدام على الحروف العربية ـ ثم يجئ الصحافيون العرب فيقلدون الخواجات فى نقل الاسم إلى " سياد" بدل " زياد " ما هذا الهزل؟ كفر بالعروبة بعد الكفر بالإسلام .

أما تتحرك الجامعة العربية للدفاع عن عنوانها وسط هذه الجهالات الصفيقة أم أنها تؤثر الصمت على أية حال...؟

 

اترك تعليق