كتاب : الدعوة الإسلامية في القرن الحالي فضيلة الشيخ محمد الغزالي الحلقة [ 11 ] الفصل السادس : أسباب انهيار الحضارة الإسلامية

By :

( 5 ) تقاليد الرياء فى المجتمعات الإسلامية:

كان السلف الأول أسلم الناس فطرة، وأصفاهم طبيعة، كان الله تبارك اسمه غايتهم فيما يفعلون ويتركون، وكان رسوله قدوتهم المحببة، وكان هواهم تبعا لما جاء به صلى الله عليه وسلم..

وكان انقياد الأمم لهم يتم بعد التعرف عليهم، والتفرس في سيرتهم، والواقع أن هذا هو السر الأول في انتصار الإسلام واستقراره في الأرض..

أما مسلمو القرون الأخيرة فقد استحدثوا تقاليد كثيرة في نواحي حياتهم كلها، تقاليد تقوم على التكلف والتزويق، وتبتعد عن فطرة الإسلام السائغة، وجعلوا هذه التقاليد حدوداً صارمة لا يتعدونها مهما فدح ضررها.

لما تأيمت حفصة بنت عمر بن الخطاب من زوجها الأول، لم ير الرجل الكبير غضاضة من مفاتحة صديقه أبى بكر فى الزواج منها..

وعمر بهذا التصرف رجل يحترم الطبيعة الإنسانية، وتتحرك في فؤاده عاطفة الأبوة. والإطار الذي يعمل داخله هو فطرة الإسلام السهلة، فلا ريبة إلا فيما يغضب الله، وكرامته الخاصة مصونة وغالية ما بقى حريصاً على مرضاة الله ورسوله.

ثم خلفت خلوف لها منطق آخر يحار فيه أولو الألباب. الرجل له ابنة في سن الزواج بل توشك أن تتخطاه.. يجيئها خطيب كفء يعرض المهر الذي استطاع جمعه، فإذا الأب يقول في صراحة: لا - لا بد من عشرات الألوف من الجنيهات...

ثم تمر السنون وتغلق الأبواب على عوانس كثيرات بائسات يائسات.. لم؟ لأن تقاليد الرياء التي تحكم المجتمعات الإسلامية. في بلاد كثيرة حكمت بهذا على البنات.

إن الرياء شرك، وهذا الشرك سيطر على أعراف وعادات جعلت المسلمين يرقب بعضهم بعضا ويتقى بعضهم بعضا، وجعلت الرجل ـ باسم كرامته الخاصة أو كرامة الأسرة التي ينحدر منها ـ يعيش طول عمره وفق أوضاع وقيود من صنع الاستعلاء والتزمت..

أراد عمر بن عبد العزيز إسراج مصباحه فقام وفعل ما أراد، فقال له واحد من المجلس: كنت تأمر أحدنا بذلك ! فقال: قمت وأنا عمر ورجعت وأنا عمر .

إن الرجل العظيم لم يحس غضاضة في تصرف يأنف منه الصغار في عصور الانهيار. ولا غرو فعمر يقلد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قام بنفسه يخدم وفد الحبشة، فلما قيل له: نكفيك هذا… قال: لا… إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين….

وهو الذي رأى أن يجمع الحطب عند إعداد الطعام واشتراك الأصحاب في ذلك، فلما عرضوا عليه أن يستريح أبى لأن الله يكره أن يتميز الرجل على أصحابه..

إن الأمة الإسلامية في القرون الأخيرة جمعت الكثير من الجاهليات في مسالكها الخاصة والعامة، في نفقاتها، في صداقاتها، في أحزانها وأفراحها، في علاقاتها بحكامها.. ولم تكن تفسيراً عمليا لأحكام الإسلام وحدوده، وفطرته وسماحته..

علماء لهم سمت الكهنة، وحكام لهم سطوة الجبابرة، ودهماء محصورون في طلب القوت ، ومساجد سامقة البناء يعمرها من لا همة لهم ولا طموح، وكأن المسلمين إخوة لمن وجدهم ذو القرنين دون السدين ( لا يكادون يفقهون قولا)


اترك تعليق