النداء الأخير

By : أ . د جمال عبد الستار
إن المتابع للأحداث الجارية، والمحلل لمدلولاتها، والمطلع على التقارير البحثية والإخبارية، والمستقرئ للواقع بالأدوات العملية ، المستشرف للمستقبل بالمنهجية العلمية، سيتأكد بلا ريب أن الأمة أُدخلت في مرحلة صدام وصراع أعنف مما يتوقع الجميع، ليس في مصر فحسب بل في المنطقة بأسرها. وهو مابشر به (كيسنجر) ثعلب السياسة الأمريكية منذ عدة أشهر في حديث أدلَى به لصحيفة (ديلي سكيب) الأمريكية ..، وقال بالحرف الواحد إن طبول الحرب تدق في المنطقة ومن لم يسمعها فهو أصم، وإنَّ ما يجري الآن هو تمهيد لهذه الحرب التي ستكون شديدة القسوة بحيث لا يخرج منها سوى منتصر واحد هو الولايات المتحدة، من وجهة نظره . وهو ماعبر أيضا عنه عبد المحسن هلال في جريدة عكاظ السعودية باقتراب "ساعة القيامة" ، وهو نفس ما أشار اليه مفتاح شعيب في الخليج الإماراتية بقوله : إن الحديث عن "احتمال انجراف العالم إلى حرب عالمية ثالثة أو حرب باردة جديدة (أصبح) من المفردات المألوفة على ألسنة قادة الدول الكبرى". فمصر لن تتركها عصابة العسكر حتى يقع الصراع، ويتهارش الناس على اللقمة والشربة وبدهيات الحياة، وتم تحضير مسارات التخريب الداخلي كالفتنة الطائفية، أو الحرب الأهلية أو الفوضي الموجهة، أو كل هذا، ولن تكون مصر بمعزل عن الاستعمال في الحرب المسلحة التي ستشتعل في المنطقة قريباً، في الوقت الذي تمكنت فيه عصابة الجنرالات من تدمير القوات المسلحة من الناحية العقدية والمهنية، بل حتى الصورة الذهنية، وأضحت صورتها العامة من أسوأ ما عُرف عنها في التاريخ، و لم يعد ممكنا أن تعود المنظومة إلى مكانها الأصيل على الحدود وفي الثغور وخلف خطوط العدو، بعد أن أضحت أداة لقمع الشعب وقهره، وإذا تمكنت يوماً من الانتشار فستنتشر داخل الوطن في ست ساعات لترهب الشعوب المسكينة، وتحاصر المواطنين ،وتقتل العزل من الرجال والأطفال، وتنتهك أعراض النساء !!! لم يعد ممكناً أن تسهر عصابة الجنرالات على الحدود بعد أن سهرت في الفنادق والقصور، لم يعد ممكناً أن تُبدع في صنع أسلحة ومعدات عسكرية بعد أن دمرها الجنرالات فجعلوها تتخصص في التجارة الورقية، والمأكولات الشهية، والمخبوزات والمعجنات، وأدوات التجميل وكوافير النساء!! وكما قال السفاح عن قناعة وقصد: إنهم اذا تركوها لن تصلح لأحد بعدهم، فالخراب حالة استمرارهم مؤكد ، وفي حالة التخلص منه ليس ببعيد ، حسب صورة التخلص ووقته . ويرى كثير من المحللين أن انهيار المنطقة أصبح وشيكاً، وسوف يُستخدم الصراع المذهبي والطائفي على أوسع نطاق ، ولن تكون السعودية إلا محورًا رئيساً لهذا الصراع، وهدفاً رئيساً لألة التدمير ، وبالطبع فإن دول الخليج لن تكون بمعزل عن هذا الصراع ، وكما قال الكاتب الشيعي علاء الرضائي في الوفاق الإيرانية معبراً عن معتقدهم : هل تتصورون أن هناك فرقاً بين أن نقاتل داعشياً أو قاعدياً أو جندياً سعودياً أو قطرياً؟! ابداً فكلهم من حاضنة واحدة وعلى عقيدة واحدة، ". وقد أضحى الخليج الآن أكثر من أي وقت مضى مدركا لخطورة الوضع، بل وبدأت بعض المؤسسات والأفراد في اتخاذ بعض الاجراءات الاحترازية. وسوف تبدأ اسرائيل في تنفيذ خريطتها المعلنة من النيل إلى الفرات، ومن يتذكر تصريحات السفيرة الأمريكية السابقة في مصر عن أن الوقت قد حان 2013 للبدء في مشروع إسرائيل الكبرى، وأنها كانت تعمل على التمهيد لذلك... إلخ، ومن يستمع كذلك إلى خطاب نتنياهو الأخير في الأمم المتحدة يدرك حقيقة ما أقول ، وإني لأطلب من كل مهتم بالشان العام للأمة أن يتدبر بوعي ذلك الخطاب، ليدرك خطورة الوضع ، وإن كان هذا لا يمنع من أن هذا الإجرام سيكون مفتاحاً للتحرير بإذن الله تعالى على يد من أعدوا لهذا اليوم عدته .. أما سوريا فقد دخلت في الصراع المحتوم لتتأهب لمعارك فاصلة، أشارت إليها أحاديث كثيرة ، وإذا كنا نرى سوريا الأن تلعب فيها كل دول العالم، ونرى فيها تيارات وأفراداً وأجهزة، وفصائل من كل حدب وصوب، فإني أذكر القاريء الكريم بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : الشام أرض المحشر والمنشر . وكل ماورد في علامات الساعة من ملاحم يكاد يكون محصوراً في الشام، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : يوم الملحمة الكبرى فسطاط المسلمين بأرض يقال لها الغوطة فيها مدينة يقال لها دمشق خير منازل المسلمين يومئذ ولا أعتقد أن تكون العراق أو اليمن أو ليبيا أو حتى السودان أسعد حالاً مما هي عليه الآن، بل يًتوقع أن تكون فورة المنطقة شاملة كاملة، لن تنجو منها بلد ، كل هذا والمنطقة منذ أعوام في حالة استنزاف مرسومة خطواته، فقدت فيها الكثير من ثروتها الفكرية والعلمية والمادية والجهادية ، بل حتى تساقطت المرجعيات الدينية والوطنية، فما عاد الإمام الذي يأتمر الناس بأمره، ولا العالم الذي تتحرك الأمة بقوله، ولا المفكر الذي يهرع اليه الناس في المهمات والملمات!! فهل ننشغل بقضايا شكلية لاقيمة لها، ، ام نستسلم لهذا التصور المرعب؟ ، وهل من الممكن أن نُعد لهذا اليوم عدته، أم نكتفي اليوم باستنكاره واستبعاد حدوثه ، ، وننسج من أوهامنا تصورات عاطفية نزداد بها ضعفاً!! أم هناك واجبات عملية ومنطلقات شرعية، ووسائل تمكن من مواجهة هذا الإعصار أو تقليل حدته !!! لابد أولاً أن ندرك أن لله سننا لاتحابي أحداً، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا. فإذا أخذنا بهذه السنن، وبذلنا مانستطيع من قوة وجهد، فقد تتحول المحن إلى منح بإذن الله، ونعيد الكيد إلى نحور المعتدي، كيف ذلك وما السبيل إليه؟ هذا هو حديثنا في المقال القادم بإذن الله .

اترك تعليق