الخامس والثلاثون: انكشاف الأمر

By : د. علي القره داغي

قال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَیْھِ قَالُواْ یَا أَیُّھَا الْعَزِیزُ مَسَّنَا وَأَھْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَیْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَیْنَا إِنَّ اللهََّ یَجْزِي الْمُتَصَدِّقِینَ قَالَ ھَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِیُوسُفَ وَأَخِیھِ إِذْ أَنتُمْ جَاھِلُونَ قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ یُوسُفُ قَالَ أَنَاْ یُوسُفُ وَھَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهَُّ عَلَیْنَا إِنَّھُ مَنَّ یَتَّقِ وَیَصْبِرْ فَإِنَّ اللهََّ لاَ یُضِیعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِینَ قَالُواْ تَاَِّ لَقَدْ آثَرَكَ اللهَُّ عَلَیْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِینَ قَالَ لاَ تَثْرِیبَ عَلَیْكُمُ الْیَوْمَ یَغْفِرُ اللهَُّ لَكُمْ وَھُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِینَ اذْھَبُواْ بِقَمِیصِي ھَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْھِ أَبِي یَأْتِ بَصِیرًا وَأْتُونِي بِأَھْلِكُمْ أَجْمَعِینَ وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِیرُ قَالَ أَبُوھُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِیحَ یُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ قَالُواْ تَاَِّ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِیمِ فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِیرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْھِھِ فَارْتَدَّ بَصِیرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهَِّ مَا لاَ تَعْلَمُونَ قَالُواْ یَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِینَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّھُ ھُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ ) •

اشتدت المجاعة ونفدت النقود فجاء إخوة یوسف إلى مصر للمرة الثالثة، وحملوا معھم بضاعة ردیئة لأنھا ھي التي بقیت عندھم، ووجھوا كلامھم إلى عزیز مصر كلاماً فیھ انكسار، وشكوى، فقالوا: (یَا أَیُّھَا الْعَزِیزُ مَسَّنَا وَأَھْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَیْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَیْنَا إِنَّ اللهََّ یَجْزِي الْمُتَصَدِّقِینَ ) ، ولما رأى منھم ھذا الانكسار والاسترحام، وانتھت الدروس حسب قدر الله تعالى نطق یوسف بالمفاجأة الكبرى التي لا تخطر على بالھم أبداً، فقال: (قَالَ ھَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِیُوسُفَ وَأَخِیھِ إِذْ أَنتُمْ جَاھِلُونَ ) بھذا الأدب الجم وبھذا التبریر بالجھل خاطبھم، وإذ بھم یتذكرون یوسف الصغیر بصوتھ ونبراتھ ولعبھ مع أبیھ، وملامح وجھھ الجمیل، ویتجسد في مخیلتھم ما فعلوه بھ فقالوا: ( قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ یُوسُفُ ) عرفوا ذلك لأنھم یعلمون: أنھ لا أحد یعرف من البشر بھذه الحادثة إلا یوسف وإخوتھ، بالإضافة إلى ملامح وجھھ الجمیل، فقال یوسف: (أَنَاْ یُوسُفُ وَھَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهَُّ عَلَیْنَا ) فأسند المنة والفعل إلى الله تعالى وحده، ثم ذكر سنة ربانیة، فقال: ( إِنَّھُ مَنَّ یَتَّقِ وَیَصْبِرْ فَإِنَّ اللهََّ لاَ یُضِیعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِینَ ) ، وكان جواب الإخوة فیھ الاعتراف بالخطیئة، وبفضل یوسف، فقالوا: (تَاَِّ لَقَدْ آثَرَكَ اللهَُّ عَلَیْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِینَ) •

وقول یوسف لھم (ھَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِیُوسُفَ وَأَخِیھِ ) یدل على أنھم كادوا كیداً لأخیھ أیضاً، وھو إیذاؤھم لھ في الصغر، واتھامھم إیاه بأنھ قد سرق، وقیل: إن یعقوب علیھ السلام أرسل رسالة على عزیز مصر تضمنت ما یأتي:" من یعقوب إسرائیل ابن إسحاق ذبیح الله ابن إبراھیم خلیل الله إلى عزیز مصر، اما بعد فإنا أھل بیت موكل بنا البلاء... وأما أنا فكان لي ابن، وكان أحب أولادي إليَّ فذھب إخوتھ إلى البریة....، كان لي ابن وكان أخاه من امھ، وكنت أتسلى بھ فذھبوا بھ إلیك ثم رجعوا، وقالوا: إنھ سرق، وإنك حبستھ عندك، وإنا أھل بیت لا نسرق، ولا نلد سارقاً فإن رددتھ عليَّ، وإلا دعوت علیك دعوة.... فلما قرأ یوسف علیھ السلام الكتاب لم یتمالك ".... •

ثم طلب منھم أن یذھبوا بقمیصھ لإلقائھ على وجھ أبیھ، حیث یكتب الله لھ الشفاء، وھذا بلا شك مما علَّمھ الله تعالى، كما أمرھم بأن یأتوا بجمیع الأھل إلى مصر. • ولما فصلت العیر من مصر، أو عند مفارق الطرق في أرض كنعان أحسَّ تُفَنِّدُونِ ) أي لولا أن تقولوا: شیخ خرف. یعقوب ( علیھ السلام ) برائحة یوسف، فقال لھم: ( إِنِّي لأَجِدُ رِیحَ یُوسُفَ لَوْلاَ أَن •

فوصل الإخوة وألقوا على وجھ أبیھم قمیص یوسف فرجع بصیراً واكتملت الفرحة بخبر یوسف، وانھ أصبح عزیز مصر. • طلب الإخوة من أبیھم الاستغفار لھم بعد اعترافھم بخطیئتھم، ولكنھ أجل ذلك، وفي ذلك دلالة على أن قلبھ المكلوم لم یسمح لھ بالاستغفار، أو أنھ أجلھ لغایة اللقاء بیوسف ( علیھ السلام)


اترك تعليق