دور الزكاة في القضاء على الفقر والبطالة و التخفيف من آثارهما

By : أ . د علي القره داغي

دور الزكاة في القضاء على الفقر والبطالة ، أو التخفيف من آثارهما :

هذا الدور العظيم يحتاج إلى مزيد من التفصيل ، ولكنني هنا أكتفي بإلقاء بعض الأضواء على أمرين : أحدهما: يتعلق بالجانب التطبيقي العملي في تأريخنا ، والثاني يتعلق بدور الزكاة في تحريك الاقتصاد كأداة من أدوات السياسة المالية .

 

الأمر الأول : الجانب التطبيقي لدور الزكاة في التنمية :

 على مستوى الواقع قد حققت موارد الزكاة في عصر الخلافة الراشدة، ثم في عصر الخليفة عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهم جميعاً، هذه الأهداف ، حيث لدينا تجربتان عظيمتان في تأريخنا الإسلامي :

التجربة الأولى : حينما حكم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب تحقق الاكتفاء الذاتي للجميع فلم يبقَ فقر معدم في العالم الإسلامي ، فقد ذكر المؤرخون أن الولاة في عصره أرسلوا إليه بالفائض من الزكاة بعد تحقق الغناء لأهل كل بلد ، فهذا معاذ كان والياً على اليمن منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، ثم جدد له عمر ، فبعث إليه بعد عام بثلث صدقة الناس ، فأنكر ذلك عمر وقال : لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية ، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس فتردها على فقرائهم ، فقال معاذ : ما بعثت إليك بشيء وأنا أجد أحداً يأخذه مني ، فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة فتراجعا بمثل ما سبق ، فلما كان العام الثالث ، بعث إليه بها كلها ، فراجعه عمر بمثل ما راجعه... : فقال معاذ : ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئاً )    .

وقد شمل الضمان الاجتماعي كل فئات الأمة من الطفل الرضيع إلى الشيخ المسن من المسلمين وغيرهم .

والتجربة الثانية : حينما حكم عمر بن عبدالعزيز ، وضع لنفسه سياسة واضحة للقضاء على الفقر تضمنت أن يوفر للفقراء جميعاً حد الكفاف في العام الأول من خلافته ، ثم حد الكفاية في العام الثاني للوصول إلى تمام الكفاية في العام الثالث ، فأولى العناية القصوى بأن يملك الفقراء أدوات الإنتاج ـ كل حسب قدرته وخبرته ـ  ولذك طلب من عماله في العام الأول أن يبعثوا إليه نصف الصدقة ، حتى يحقق بها التوازن ، ثم طلب منهم في العام الثاني أن يصرفوا كلها في أماكنها  .

 قال عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب : (إنما ولي عمر بن عبدالعزيز ثلاثين شهراً، ألا والله ما مات  حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول : اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء فما يبرح حتى يرجع بماله يتذكر من يضعه فيه فلا يجده فيرجع به، قد أغنى الناس)  قال يحيى بن سعيد : (بعثني الخليفة عمر بن عبدالعزيز لجمع زكاة أفريقية فجببتها ، وطلبت الفقراء نعطيها لهم، فلم نجد من يأخذها منا، فقد أغنى عمر بن العزيز الناس، فاشتريت بها رقاباً فأعتقتهم)  .

 تلك أفريقيا التي لم يبق فيها فقير واحد بسبب بركات الزكاة، قارنها اليوم ؛ كم عدد الفقراء في أفريقيا؟ لقد بلغ فيها عدد الفقراء في عام 2012 م حسب تقرير البنك الدولي 388 مليون شخص أي 43% من كل سكان أفريقيا ، وكان عددهم حسب التقرير في عام 2011م 347 مليون شخص أي بزيادة تصاعدية  ، وفي تقرير حديث للبنك الدولي نشر في أكتوبر 2016 فإن نسبة الفقر في أفريقيا قد بلغت 41%  .

  وفي عالمنا المعاصر المتقدم الذي وصل الإنسان فيه إلى القمر ولديه مئات التريليونات من الدولارات لا زال يعاني خُمْسُهُ من الفقر المدقع والبطالة والمجاعة ، كما تعاني نسبة كبيرة من الأمراض الفتاكة دون علاج كاف، بالإضافة إلى تفشي الأمية والجهل والتخلف، في وقت تعيش نسبة قليلة في رفاهية مفرطة، وأموال كبيرة.

 وفي تقرير لمؤسسة (كريدي سويس) توصل إلى أن العالم يسير نحو فروق كبيرة بين الأغنياء والفقراء ، وتدهور في أوضاع الطبقة الوسطى في مختلف الدول لصالح الطبقة الغنية جداً ، حيث كشف التقرير أن نصف ثروة العالم تتركز في يد 1% فقط من سكانه ، وان بينهم 34 مليون مليونير، فهؤلاء يملكون 50.4% من ثروات العالم  .

 ومع الأسف الشديد فإن الفقراء في العالم الإسلامي يمثلون نسبة كبيرة من فقراء العالم ، ونسبة خطيرة ، فقد بلغ عدد الدول التي تصنف على أنها دول فقيرة 50 دولة ، ومعظمها من العالم الإسلامي ، حيث إن نسبة الفقراء الذين يحصلون على أقل من دولارين أو دولار واحد في بنغلاديش تصل إلى 84.0% وفي غامبيا 82.9% وفي الهند إلى 88.4% وفي موريتانيا 63.1% وفي نيجيريا 92.4% وهكذا ، وذلك بسبب الحروب الطاحنة، والظلم والاستبداد والفساد المالي والإداري، والاجتماعي .

 وهذه الاحصائيات يعود تأريخها إلى عام 2008م وما قبله ، أما اليوم ففي ظل الحروب الطاحنة في سوريا،  والعراق، وليبيا، واليمن، والاضطرابات في مصر وغيرها فقد زاد عدد الفقراء حتى في الدول التي كانت تُعدّ غنيّة ، ففي عراق البترول والغاز والنهرين العظيمين، وعراق الرشيد الذي كان سلة الغذاء في عصره تصل نسبة الفقر فيه إلى أكثر من 40% ، وفي مصر الحضارة ، والنيل العظيم التي كانت دائنة لبريطانيا العظمى بمبلغ كبير في عهد الملك فاروق، وتطلب منه أمريكا المساهمة في مشروع مارشال لإعمال أوروبا.. تبلغ نسبة الفقر إلى أكثر من 60% .

 ثم إن الزكاة لم يظهر لها الآن دور بارز في عصرنا الحاضر في التنمية ، وتقليل نسبة الفقر وذلك بسبب سوء الجمع والجباية ، وسوء التوزيع وعدم اهتمام معظم الدول بها.

 لذلك أرى من الضرورة أن يقوم المجتمع ومؤسساته الأهلية بإحياء الدور الحقيقي لمؤسسة الزكاة في التنمية الشاملة والتخفيف من آثار الفقر والبطالة  والتخلف.

 وأقول (مؤسسة الزكاة) لأن الله تعالى أراد للزكاة أن تقوم على المأسسة من بداية تشريعها، حيث خصص نسبة من أموال الزكاة للعاملين عليها، وهذا يدل بوضوح على حرص الشريعة على استمرار هذه المؤسسة من خلال توفير الموارد المالية الكافية لها.

 ومن هنا فإذا كانت الحكومات تهمل أداء هذا الواجب حسب صورته المنشودة فإن علينا جميعاً علماء ومؤسسات أهلية أن نقوم بهذا الواجب .

 وهذا العمل إنما تتحقق مقاصده العظيمة وأهدافه المنشودة إذا قمنا بإنشاء مؤسسة متميزة للزكاة لها أهدافها الواضحة، وبرامجها، ومشاريعها التنموية وفق أحكام شريعتنا الغراء وباجتهادات تجديدية منضبطة حول الجمع، وحول الصرف.

 وذلك يقتضي وضع استراتيجية واضحة المعالم، مبينة فيها الأهداف القريبة، والبعيدة والمتوسطة وفقاً للإمكانيات المتاحة، ثم تنزل تلك الأهداف في البرامج، والبرامج في المشروعات المدروسة.

الأمر الثاني : دور الزكاة في تحريك الاقتصاد كأداة من أدوات السياسة المالية :

  فقد فرض الله تعالى الزكاة عبادة لله تعالى ، ولتحقيق التكافل والتضامن والمواساة ، والقضاء ، أو التخفيف من حد الفقر ، والبطالة ، والفوارق الطبقية.


اترك تعليق