التكافل الاسلامي يتم من خلال موارد الدولة

By : أ . د علي القره داغي

تنفيذ التكافل الاسلامي بين الماضي والحاضر :

  كان التكافل الاجتماعي الاسلامي ، وضمان الحياة الكريمة للفرد والجماعة يتمان من خلال موارد الدولة المتعددة المتمثلة في : الزكاة ، والخراج ( ضريبة الأرض ) والجزية ( ضريبة المواطنة ) والفيئ ، واستثمارات الدولة وغيرها من أموال الدولة الاسلامية حسب ضوابط ومعايير شرعية خاصة بكل واحد من هذه الموارد ، وبخاصة الزكاة .

  واليوم يمكن تنظيم ذلك - كما هو الحال - من خلال جهازين خاصين ، جهاز التدريب والتوظيف والمتابعة ـ كما سبق ـ وجهاز التكافل الاجتماعي أو ما يسمى اليوم بوزارة الشؤون الاجتماعية ، ويكون من واجبات هذا الجهاز توفير الحياة الكريمة ( تمام الكفاية ) للمحتاجين إما بالعمل المناسب للقادر عليه ، أو بالرعاية الاجتماعية لكل من ليس قادراً على العمل ، أو لا يجد العمل المناسب إلى أن يجده .

4 – إصدار قوانين لرعاية حقوق العمال ، وضمان حقوقهم ، وحرية اختيار العمل المناسب لهم من حيث التخصص ، أو المواهب الفردية ، مع حماية حق التنافس ، والتفاوت ، وقانون العرض والطلب ما دام ينأى عن الاستغلال والاحتكار ، وبعبارة أخرى فإن الاسلام يحمي حقوق الطرفين : العمال ، وأصحاب العمل من خلال توزان عادل .

  وتدخل هنا الضوابط الشرعية لعقد الإجارة على الأشخاص من كون الأجر معلوماً عادلاً ليس فيه غبن أو ظلم للطرفين ، ومدة العمل معلومة ، والعمل مشروعاً ، ودفع الأجر بمجرد انتهاء العمل ، أو حسب العقد وغير ذلك  .

  وقد ربط الاسلام العميل بين العامل وصاحب العمل ، بالقيم والضوابط الأخلاقية الاسلامية من الرحمة والشفقة والاحسان ، وعدم تكليف العامل بما لا يطيق هذا من رب العمل ، وأما من جانب العامل فهي : الأمانة ، والاخلاص ، والاتقان ، والحفاظ على أسرار العمل ، ونحو ذلك  .

 

ثانياً- دور الأفراد والأسرة والقبيلة والمجتمع في تحقيق التنمية :

 إن المسؤولية في الإسلام لا تنحصر في الدولة وإن كانت تتحمل نصيب الأسد منها، ولكنها تعمّ غيرها من الأفراد والأسرة، والقبيلة والمجتمع ، وفي هذه الفلسفة تكمن عظمة الإسلام وخلودها واستمرارها حتى لو تخلت عنها الدولة، في حين أن الضرائب مرتبطة بوجود الدولة، وتظهر تلكم الأدوار في ضوء دور الفرد في التنمية وتحفيف الفقر والبطالة ، وذلك من خلال الأمور الآتية :

الأول : الزكاة الواجبة في حالة ما إذا كانت الدولة لا تقوم بعملية جمع الزكاة كلها، او بعضها .

الثاني : النفقة الواجبة للزوجة وإن كانت غنيّة ، وللأصول (أي الوالدين وإن عملوا) والفروع (الأولاد وإن نزلوا) ما داموا فقراء غير قادرين على الكسب، أما العجز أو لعدم وجود الكسب المناسب لهم، وهذا عند الجمهور  .

الثالث : النفقة الواجبة لبقية الأقارب الورثة المحتاجين أو من ذوي الاحتياجات الخاصة، وهذا مذهب جماعة من الفقهاء على التفصيل الآتي :

 ذهب الحنفية إلى وجوب النفقة للحواشي ذوي  الأرحام المحرمة بالنسب لا بالرضاع كالعم، والأخ، وابن الأخ، والعمة، والخال، والخالة، ولا تجب لغيرهم كابن العم، وبنت العم، وبنت الخال، وبنت الخالة، واشترطوا الفقر، والعجز عن الكسب بالنسبة للذكور منهم، وأما الاناث فاكتفوا بالفقر فقط .

 وربط الحنابلة في الظاهر، والزيدية والاباضية والظاهرية بين النفقة والإرث ، فقالوا : (إن جميع من يرثهم المنفق بفرض ، أو تعصيب فله حق النفقة إذا كانوا فقراء ولم يكن لديهم كسب).

 والذي يظهر لنا رجحانه هو أن النفقة مرتبطة بالتوارث ، فتجب على المنفق نفقة من يرثه بالقرض أو التعصيب ما دام محتاجاً ليس له مال ولا كسب، ويدل عليه ما يأتي :

أ- قوله تعالى : (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ).

فقوله تعالى (... وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ....) واضح في الدلالة على المقصود.

ب- وقوله تعالى : (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ )  حيث أمر الله تعالى ، والأمر حقيقة في الوجوب وأيضاً استعمل الحق ، وهو أيضاً ظاهر في ثبوت هذا الحق.

ج- ما رواه مسلم وغيره بسندهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (ابدأ بنفسك فتصدق عليها ، فإن فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك...)   وفي رواية صحيحة أخرى بلفظ : (إذا كان أحدكم فقيراً فليبدأ بنفسه، فإن فضل فعلى عياله ، فإن كان فضل فعلى قرابته).

د- ما رواه أبو داود وغيره بسندهم أنه قال : يا رسول الله من أبرّ؟ قال : (أمك، وأباك، وأختك، وأخاك...حقاً واجباً).

هـ - وهناك آثار كثيرة عن الخليفة عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة تدل على ذلك ، منها ما جاء عن طريق سعيد بن المسيب رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب قال لوليّ يتيم : ( أنفق عليه ) ثم قال : (لو لم أجد ألا أقصي عشيرته لفرضت عليهم)  وما جاء عن زيد بن ثابت أنه كان يقول : (إذا اجتمع لفقير محتاج من أقاربه أمّ وعمّ فالنفقة عليهما بقدر ميراثهما).

 ويقوى الاحتجاج بهذين الأثرين أنه لم ينقل إلينا خلاف أحد من الصحابة بالمخالفة ، فيصبح إجماعاً سكوتياً.

 وأكثر من ذلك أن جماهير التابعين ساروا على ذلك ففسروا قوله تعالى : (... وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ...)  بما سبق فقال الحسن البصري : (على الرجل الذي يرث أن ينفق عليه حتى يستغني)  وبمثل ذلك قال قبيصة، والنخعي ، والشعبي، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وأبو حنيفة، وسفيان الثوري، واسحاق ، واحمد وغيرهم .

و- ولأن النصوص الشرعية  التي تثبت في مقابل الحق حقاً آخر ، أو واجباً أو ما سميناه بالحقوق المتقابلة تدل على هذه المعادلة يقول ابن قدامة : ( ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضي كون الوارث أحقّ بمال الموروث من سائر الناس ، فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم).

ز- وكذلك تقتضي قاعدة (الغرم بالغنم) أن تكون هناك معادلة بين الإرث والنفقة وتحمل الدية (العاقلة) بالنفس ، ثم أهله، ثم القرابة.

ح- هذا الرأي يتفق مع قواعد العدالة ، والمبادئ العامة، ومقاصد الشريعة في تحقيق التكافل الاجتماعي


اترك تعليق