الدولة مسؤولة عن توفير الحياة الكريمة للناس

By : أ . د علي القره داغي

دور الزكاة في تحقيق التنمية الشاملة :

 للتنمية شروط كثيرة ، وتحديات كثيرة في عالمنا الإسلامي من أخطرها الجهل والأمية ، والتخلف، والفساد بجميع أنواعه: الفساد السياسي، والفساد الإداري ، والفساد المالي..  ، والذي نتحدث عنه هنا هو دور الزكاة في تحقيق التنمية الشاملة بإيجاز شديد .

 من المعلوم أن التنمية الشاملة تحتاج إلى خطة استراتيجية ، وخطة مرحلية ، تتحمل الدولة المسؤولية الكبرى في تحقيقها، مع مشاركة الأفراد والأسرة والمجتمع .

أولاً -  دور الدولة ومسؤوليتها نحو رعاياها وبخاصة الفقراء :

  إن الدولة ( جميع المسؤولين بدءاً من رئيس الدولة إلى الوزراء وبقية المسؤولين أصحاب القرار ) مسؤولة أمام الله تعالى ثم أمام أهل الحلّ والعقد - مجلس الشورى إن وجد - عن توفير الحياة الكريمة لجميع من يعيش على أرضها حتى من غير المسلمين المواطنين ، وعلى هذا تدل مجموعة من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة ، وإجماع الأمة .

وهذا الدور يتجلى في نظر الاسلام في النقاط الآتية :

1 - تهيئة فرص العمل المباشرة للقادرين عليه ، وهذا يتطلب قيام الدولة بأمرين أساسيين ، هما :

الأمر الأول : إنشاء جهاز خاص بالتدريب والتوظيف والمتابعة ، بحيث يقوم بالتدريب في مختلف مجالات العمل اليدوي والمهني ، والفني ، والاداري ، وتمكين الاستعانة بالخبراء ، والمدربين ، ومراكز التدريب الخاصة ، ويكون من واجبه وضع سياسة واضحة للتدريب على كل ما يحتاج إليه المجتمع ، والشركات والمصانع ونحوها ، كما يكون ضمن واجباته ومقاصده القيام بالتوظيف ، والتعيين ، من خلال  توجيه العاملين والفنيين والاداريين للوظائف المناسبة ، وتعينهم فيها .

 ولا ينبغي الاكتفاء بهذا ، وإنما لا بدّ من القيام بالمتابعة والمراقبة لمعرفة مدى نجاح هؤلاء العاملين في وظائفهم وأعمالهم ، ويدل على ذلك ما رواه أنس بن مالك : ( أن رجلا من ‏ ‏الأنصار ‏ ‏جاء إلى النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يسأله ، فقال : ألك في بيتك شيء؟ قال : بلى ‏ ‏حلس ‏ ‏نلبس بعضه ونبسط بعضه  ، وقدح نشرب فيه الماء . قال : ائتني بهما . قال : فأتاه بهما فأخذهما رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏بيده ثم قال : من يشتري هذين ؟ فقال رجل : أنا آخذهما بدرهم . قال : من يزيد على درهم مرتين ‏ ‏أو ثلاثاً ؟ ‏ ‏قال رجل : أنا آخذهما بدرهمين . فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين فأعطاهما الأنصاري وقال : اشتر بأحدهما طعاماً ‏ ‏فانبذه ‏ ‏إلى أهلك . واشتر بالآخر ‏قدوما ‏ ‏فأتني به ففعل فأخذه رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏فشد فيه عوداً بيده ، وقال : اذهب فاحتطب ولا أراك خمسة عشر يوما . فجعل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فقال : اشتر ببعضها طعاماً وببعضها ثوباً ثم قال : هذا خير لك من أن تجيء والمسألة ‏نكتة ‏ ‏في وجهك يوم القيامة ‏ ‏إن المسألة لا تصلح إلا لذي فقر ‏ ‏مدقع ‏ ‏أو لذي ‏ ‏غرم ‏ ‏مفظع ‏ ‏أو دم موجع)  حيث إن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشده إلى عمل مناسب ، ثم تابعه ، وحدد له زماناً مناسباً لمعرفة مدى نجاحه ، ولذلك قال الشافعية يعطى المحتاج من الزكاة ما يشتري به آلات حرفته  ـ كما سيأتي ـ .

الأمر الثاني : قيام الدولة بتعيين القادرين على العمل في جميع مؤسساتها التابعة لها حسب قدراتهم وتخصصاتهم ، وكذلك يمكن للدولة بعد الدراسة ورعاية التوازن أن تفرض على الشركات والمصانع (القطاع الخاص) العاملة في البدل ، تعيين نسبة معينة (مثل 20%) من الأيدي العاملة والفنيين والاداريين من أهل البلد الذين تتوافر فيهم الشروط المطلوبة ، وينبغي أن تكون في هذه السياسة مرونة خوفاً من هروب أصحاب المصانع والشركات بسبب ذلك .

   ولذلك فالبديل  هو أن تشجع الدولة على ذلك من خلال تخفيف الضرائب ، أو تقديم الدعم المناسب للشركات والمصانع التي تعين نسبة كذا (50-80% مثلاً ) من المواطنين ، وهذا ما يحدث في معظم البلاد المتقدمة الحرة .

- تهيئة الفرص غير المباشرة للعمل ، وهذا يتحقق من خلال ما يأتي :

أ) تبنى خطة مرحلية ، واستراتيجية للقضاء على الفقر ، وللتنمية الشاملة ، تكون مدروسة متوازنة ، تتجسد معالمها من خلال سياسة اقتصادية واضحة مستقرة ، وبرامج عملية ، ومشروعات متنوعة تسهر عليها باخلاص وتفان جميع أجهزة الدولة .

ب) قيام الدولة بالبنية التحتية المادية ( مثل تهيئة الشوارع ، والاتصالات والمواصلات..) والمعنوية ( مثل التشريعات والقوانين الخاصة المشجعة على الاستثمار ) ونحوها  ويدل على ذلك ما قاله الخليفة الراشد من أنه لو عثرت دابة (أو بغلة) على شط الفرات لسئل عنها عمر  ، مما يدل بوضوح أن مشاريع البنية التحتية مطلوبة في الاسلام ، إضافة إلى القاعدة المعروفة " ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب " .

ج) تبني سياسة مشجعة للصناعات الخفيفة ، والمتوسطة ، والثقيلة ، مع حركة التجميع ، حيث إن هذا المجال يوفر كثيراً من فرص العمل للجميع ، ويكون للمواطنين حق الأفضلية والأولوية من خلال فرض نسبة ، أو تخفيف الضرائب ـ كما سبق ـ .

  ونرى أن الشريعة قد خففت الزكاة تماماً على المصانع حيث لا تجب الزكاة إلاّ في أرباحها الصافية بنسبة 2.5% حسب الراجح من أقوال أهل العلم ، والفتاوى الجماعية ، في حين أن الزكاة على الواردات الزراعية تتراوح بين 5% إلى 10% وعلى المعادن 20%  .

3 - قيام الدولة بتوفير الحياة الكريمة لغير القادرين على العمل ، أو الذين لم تستطع أن توفر لهم فرصة العمل المناسب ( البطالة ) وذلك بمنح حدّ الكفاية ( أي إزالة الفقر) على أقل تقدير لكل محتاج ، أو معيل ، إن كانت أموال الدولة والزكوات لا تكفي إلاّ لهذا الحلّ ، وإلاّ فينبغي إعطاؤه حدّ الكفاية ، ثم تمام الكفاية من المسكن ـ تمليكاً ، أو تأخيراً ـ والملبس ، والمشرب والمأكل ، ونحوهما مما لا بدّ منه


اترك تعليق