(3) قصة يوسف من المحنة الدنيوية الى المنحة الربانية (كتاب سيدنا يوسف عليه السلام قدوة للمسلمين في غير ديارهم)

By : أ . د علي القره داغي

 

رابعاً : العلاقة بين آخر سورة هود سورة يوسف:

إن سورة يوسف جاءت بعد سورة هود التي ختمت بقوله تعالى (وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ  وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) الذي يتضمن خمسة أمور أساسية لها ارتباط وثيق بسورة يوسف وهي :

1 ـ أن الغيب هو لله تعالى وحده ، فهو وحده كان يعلم بعاقبة أمر يوسف من إلقائه في غيابة الجب ، ثم سجنه ، ثم تمكينه من الأرض، وقد أكدت آخر القصة على ذلك، فقال تعالى: ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ)

فلم يكن أحد يتصور أن يصل صغير مرمي في البئر ويصبح عبداً ، ثم يصبح مسجوناً .. إلى التمكين من أرض مصر فيصبح عزيز مصر .

وكأن الله تعالى يقول لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فأنت لا تعلم الغيب الذي يخصك ، كما أن يوسف ( عليه السلام ) لم يكن يعلم الغيب الذي قدره الله له .

2 ـ إرجاع الأمر كله إلى الله تعالى ، فهو صاحب الأمر والخلق ، وإنما على الإنسان أن يأخذ بجميع الأسباب المتاحة ، ثم الرضا بالنتائج ، والاقتناع بما قدره الله .

3 ـ الأمر بعبادته بمعناها الشامل لكل أوامر الله تعالى ونواهيه في العقيدة ، والشعائر ، والأخلاق والتعمير ، والتمكين .

4 ـ الأمر بالتوكل على الله تعالى حق التوكل عليه .

5 ـ أن الله تعالى لا يغفل عما يعمله الإنسان .

وكل هذه الأمور الخمسة محققة في سورة يوسف التي هي بمثابة تطبيق عملي لهذه الآية ، وكلها تمهيد لنفسية الرسول صلى الله عليه وسلم في استقبال سورة يوسف ( عليه السلام ) وأخذ العبر منها .

خامساً: المنهج الإسلامي في الأداء الفني المؤثر:

إن السورة تمثل القدوة في المنهج الكامل لمنهج الإسلام في الأداء الفني الرائع المؤثر ، كما أنها تبين الأنموذج المتوازن في الأداء النفسي ، والعقدي ، والتربوي ، والحركي ، وفي الحشد من المواقف والمشاهد ، والشخصيات والحركات والمشاعر ، يقول السيد : " إن القصة تعرض شخصية يوسف ( عليه السلام ) وهي الشخصية الرئيسية في القصة عرضاً كاملاً في كل مجالات حياتها وبكل جوانب هذه الحياة ، وتعرض أنواع الابتلاءات التي تعرضت لها تلك الشخصية الرئيسية في القصة ، وهي ابتلاءات متنوعة في طبيعتها وفي اتجاهاتها ، ابتلاءات الشدة ، وابتلاءات الرخاء ، وابتلاءات الفتنة بالشهوة والفتنة بالسلطان ، وابتلاءات الفتنة بالانفعالات والمشاعر البشرية تجاه شتى المواقف ، وشتى الشخصيات ، ويخرج العبد الصالح من هذه الابتلاءات والفتن كلها نقياً خالصاً متجرداً في وقفته الأخيرة متجهاً إلى ربه بذلك الدعاء المنيب الخاشع .. "  ، ( رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ).

وإلى جانب الشخصية الرئيسية فقد تم عرض الشخصيات المحيطة بها بدرجات متفاوتة وفي مساحات مناسبة من رقعة العرض ، فأخذت كل شخصية حقها من التركيز والأضواء ، كما أن القصة تعاملت بواقعية كاملة مع نفسية يوسف ، ويعقوب ( عليهما السلام ) وبقية أركان القصة.


اترك تعليق