الزكاة تساهم في التنمية والقضاء على البطالة

By : أ . د علي القره داغي

ب- الزكاة :

للزكاة ومشتقاتها في اللغة معان كثيرة ، ويمكن جمعها في النماء، والبركة ، والزيادة، والطهارة، والصلاح، والثناء ، والطيب  .

وقد تكررت الزكاة ومشتقاتها في القرآن الكريم 59 مرة بالمعاني اللغوية السابقة ، وبالمعنى الاصطلاحي الآتي .

وفي ضوء ما يقوله علماء الأصول وفقه اللغة فإن هذه المعاني كلها مقصودة بل مطلوب تحققها في الزكاة وحينئذ تؤدي الزكاة كل هذه الأدوار إن أحسن جمعها وتوزيعها ووضع لها خطة كما وضع يوسف عليه السلام خطة إنقاذ مصر من المجاعة.

وفي الاصطلاح هي : حق مالي مقدر على الأموال المتوافرة فيها الشروط ، لمستحقيها .

ج- منظومة :

يقصد بـ " منظومة الزكاة " : النظرة الشمولية لها من حيث الوجوب ، والمقدار، والأموال التي تجب فيها وكيفية الصرف، وكل ما يتعلق بها .

الإعجاز في اختيار هذه الكلمة الجميلة (الزكاة):

 إن الإنسان الواعي ليقف بإجلال وتدبر أمام هذه الكلمة الجميلة الجامعة لكل خير، أما أنها جميلة بل هي من أجمل الكلمات؛ لأنها تحمل هذه المعاني الطيبة،  وهي الطهارة، والطيب، والنماء، والبركة، والزيادة، والصلاح، والثناء – كما سبق – ، بل أنها جميلة حتى في شكلها ، وسهولة نطقها على جميع أهل اللغات ، وحتى في دلالة حروفها ، فالزاي ترمز إلى الزيادة والزمن والزهد ، والزينة، والكاف إلى الكمال والكثرة والكفاية، والألف إلى الأُلفة والأثُرّة والأسوة .

 والأجمل هو أن كلمة (الزكاة) كلمة جامعة أيضاً، حيث تتوافر فيها كل هذه المعاني الجميلة في المعنى الاصطلاحي، كما أنها تطلق على تزكية النفس والقلب، وعلى التطهير المادي والمعنوي، وعلى تنمية الداخل والخارج، بحيث نستطيع شرح جميع أحكام الإسلام من خلال معانيها.

 فهذه الفريضة لو أديت بشكل صحيح لتحققت طهارة القلب للغني من الجشع والطغيان والبخل، وللفقير من الحقد والحسد ونحوهما، كما أنها طهارة للمال، والنماء للمال والمجتمع، والبركة في المال والعمر، والزيادة في الدخول، وفي الأجر والثواب، وغير ذلك – كما سيأتي - .

 فاختيار هذه الكلمة (الزكاة) لهذا الحق الذي يؤخذ من الأغنياء إعجاز فعلاً ، وكذلك المصطلح الأخير (الصدقة) من الصدق أي صدق إيمانه، وأخوّته الإيمانية؛ وذلك لأن جميع النظم السائدة في عصر الرسالة وقبلها كانت تسمي الاستقطاعات المالية بالمكوس، أو الإتاوة، او العشور، وهي كلمات تحمل في داخلها معان غير مرغوب بها، ثم جاء العصر الحديث فاختير فيه اسم (الضريبة) ، وهي أيضاً كلمة تدل على معنى مذموم فهي من (الضرب) ومؤنث (الضريب) بمعنى المضروب إما ضرباً مادياً ، أو أنه مضروب عليه الذل والمسكنة  ، وذلك لأن الدولة الظالمة قبل الإسلام ، وبعده كانت تأخذ الأموال من المواطنين بالقوة والإذلال لصالح الحكام ورفاهيتهم ، وللكهنة ونحوهم أو للحرب .

 في حين أن الزكاة في الإسلام حق للفقراء والمساكين والغارمين ولعتق الرقاب من الذل والاحتلال ، ولتأليف القلوب، وللدفاع عن الدين والوطن ونحو ذلك  ، وأنها تختلف عن الضريبة من حيث الماهية ، والوعاء، والأنصبة والمقادير، والمصارف، والأهداف والمقاصد، ومن حيث إنها عبادة وركن على كلّ غنيّ مسلم، والضريبة تفرضها الدولة، كما أنه تمتاز عن الضريبة من حيث إنها أخذت المزايا الإيجابية للضريبة على رأس المال ، والأشخاص دون عيوبها ، ومن حيث العدالة في الواجب، والإعفاء والمقدار والتصاعدية وغير ذلك.

مقاصد الزكاة وأهدافها وحكمها بإيجاز :

بيّن القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة أن الحكمة من فرض الزكاة هو تطهير النفس والمال، والتزكية والسكن لهم ، وعلى أن الزكاة لدفع حاجة الفقراء، وتحقيق التكافل الاجتماعي، ومجتمع الخير والكفاية والرفاه، وأنها سبب الفلاح في الدنيا والآخرة، ولزيادة الأموال ومضاعفتها.

ويمكن أن نحصر مقاصده وأهدافه في خمسة أهداف جوهرية ومقاصد عظيمة في غاية من الأهمية ، وهي

الأول : تحقيق الاخوة الفعلية بأداء حقوقها المالية حتى لا تكون مجرد شعار يرفع، بل تكون حقيقة ، وإحساساً بآلام الجسد الواحد( إن اشتكى منه عضو تداهى له سائر الجسد بالسهر والحمّى)  وحتى تبقى روح البذل والعطاء والإيثار داخل المجتمع المسلم المتماسك ، ولذلك قال الله تعالى : (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)  فقد اشترط تحقيق الاخوة بأداء الزكاة.

الثاني : تطهير قلب الغنيّ من الجشع، والكراهية ، والطمع، وتعويده على الجود والكرم، وتطبيقه لأخوته الإسلامية، وتطهير قلب الفقير من الحقد والحسد، وغرس حبّ الآخرين.

الثالث : تحقيق التكافل الاجتماعي ، وتنمية الفرد والمجتمع تنمية شاملة للظاهر والباطن اقتصادياً واجتماعياً.

الرابع: تحقيق الأمن الاجتماعي من خلال القضاء على الفقر والتخلف والبطالة أو التخفيف من مشكلة الفقر والبطالة ، وتحقيق حدّ الكفاية، بل تمام الكفاية للجميع .

 وإن مما لا شك فيه أن للفقر والبطالة آثارهما السلبية على الأمن والأمان ، وكثرة الجرائم والجنايات، ولذلك ربط الله تعالى بين الأمن الاجتماعي والسياسي والأمن الاقتصادي فقال تعالى : (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)

الخامس : تنمية الأموال نفسها من خلال الاتجار بها ، وتدويرها ، واستثمارها ، وجعلها منتجة ، مزيدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكا).


اترك تعليق