الحاكم الراشد هو الذي يعتمد على البطانة الصالحة

By : د. علي القره داغي

الدوحة -  الراية : أكد فضيلة د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أنه يجب على الفرد أن يفكر في مستقبل أولاده وأسرته، وأبناء دولته وأمته، وأنه لا يجوز للقائم على الأمر أن يصرف كل مدخرات الأسرة أو الدولة لجيل واحد، بل عليه أن يفكر في الأجيال اللاحقة، ولا يجوز للدولة أن تضع كل ثرواتها الباطنية والظاهرية لرفاهية جيل واحد، بل هي لكل الأجيال، مشيراً إلى أن صلاح الآباء أكبر أمن للأبناء وفساد الآباء يمتد إلى الأبناء. وشدد د. علي القره داغي في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بمسجد عائشة رضي الله عنها بفريج كليب على أن الحاكم الراشد هو الذي يعتمد على بطانة راشدة صالحة، تذكره بالله تعالى، وتهتم بأمر الأمة، والحاكم الفاسد هو المعتمد على بطانة سيئة لا يهمها إلا نفسها. وقال إن الله تبارك وتعالى قد فضح فرعون في ادعائه الرشاد، حيث قال سبحانه وتعالى: «وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ»، لأن كل شؤونه لا علاقة لها بالرشد، في الدنيا بعد أن أورد قومه الهلاك، وأضلهم وما هدى، وفي الآخرة «يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ».

الرشيد الحقيقي

وبيّن د. القره داغي أن الرشيد الحقيقي هو الذي يصلح حال دنياه ما يهيئوه للنجاة في الآخرة، وقال إن الأمة تستحق ما يحدث لها لأنها لم تحقق الرشد الذي حثنا المولى عز وجل عليه وأضاف « إننا نتخبط تخبطاً عشوائياً، وهذا حال معظم من يتولى أمرنا، وحال معظم القائمين على أمر هذه الأمة.. وتابع: ما مصائبنا إلا وخزات مذكرة بالعودة إلى الله تعالى، من خلال العقل السليم والكتاب السجل الذي يحتوي على أحوال الأمم السابقة، والسنة المطهرة المسيرة التطبيقية لتعاليم القرآن الكريم.

وأكد أن ما يحدث في عالمنا العربي والإسلامي يندى له جبين الإنسانية، مشيراً إلى أن العالم يقف منها موقف المتفرج الفرح، ولو حدث ما يحدث لأمتنا لحيوان لرأيت العالم قائماً لا يهدأ حتى ينتصر لذلك الحيوان.

غفلة الأمة

وأعرب عن أسفه لغفلة الأمة عما يكيد العدو لها، بل يسعى بعض أبناء جلدتنا في هلاك ودمار أمتنا العربية والإسلامية إرضاء للعدو الذي يتربص بنا الدوائر، والبعض الآخر ينفق في سبيل ذلك الأموال التي تعجز عن عدها، فأين نحن من الرشاد؟ وأين الرشاد منا ؟.

وذكر أن الرشد من صفات النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبره من أعظم مهامه صلى الله عليه وسلم، حتى يربي الأمة عليه، ويهيئها لتكون خير أمة أخرجت للناس بما تحمل من معاني الهداية والرشاد والسداد، ولتكون هي الأمة المحققة للعدل وتطبيقاته، وتكون الأمة التي يرجى خيرها، فتكون شاهدة على الأمم. وزاد « إن الرشد هو الإسلام، واتباع تعاليمه وتطبيق أحكامه، وهو الاستسلام المطلق لله رب العالمين، «فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا «.

أنواع الرشد

وقال إن الرشد نوعان؛ رشد دنيوي، ورشد أخروي، فأما الرشد الدنيوي فهو يتجلى في إصلاح النفس والتفكير في المستقبل والأخذ بالأسباب والاستفادة من الحكمة والدراسات والتحليل، وهذا مطلب إسلامي، إذ إسلامنا دين ودولة وسياسة وتحليل وخير وبركة وقوة، وليس مجرد أمر عادي.

ولفت إلى أن الأمم من حولنا تأخذ بالرشد الدنيوي فقط، إذ ليس لها في مجال الآخرة شيء يذكر، أما الأمة الإسلامية فعليها أن تأخذ بالرشد الدنيوي حتى تحقق السيادة المرجوة من خيرها وإرشادها للأمم قاطبة، كما هي مطالبة بالأخذ بالرشد الأخروي الذي ينجو بها من أهوال الآخرة، ويجعلها في مأمن من غضب الله تعالى وسخطه. وبيّن أنه لأهمية الرشد ومكانته في الدين فقد امتن الله تعالى به على أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، «وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ»، وفي ذلك أهمية لا تخفى على الأريب.

القصص والعبر

وأضاف: لقد ذكر الله تعالى لنا في كتابه من القصص والعبر ما يأخذ بأيدينا إلى الاتصاف بهذه الصفة الحكيمة العظيمة، حيث حكى القرآن الكريم قصة نبي الله موسى عليه السلام، وهو رسول من أولي العزم من الرسل، مع العبد الصالح الذي آتاه الله الرشد، في ثلاثة مواقف، وهي خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار. وأشار القره داغي إلى أنه بعد هذه المواعيد الثلاثة التي لم يستطع موسى عليه السلام معها صبراً، وقد فسَّر المعلم الخضر له الحقيقة التي دعته إلى تلك التصرفات، وقال الخطيب إنه يستفاد من هذه القصص أن الله تعالى لا يعمل للعبد المؤمن المعتمد على الله تعالى إلا الخير، وعلى العبد المؤمن أن ينظر في عواقب الأمور ومآلاتها، وألا يستعجل الشيء قبل أوانه، وعلى المسلم الرشيد أن لا يقدم على فعلٍ إلا بعد دراسة العواقب والنتائج والآثار والأدوات، وهذا ما يسمى في لغة العرف المعاصر بالتحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو يقوم على مجموعة من المقدمات والمناقشات والدراسات، وهذا ما يفعله معنا الغرب تماماً حيث يدرسون نفسياتنا، وإمكاناتنا وقابليتنا لقبول المستعمر، ويدرسون تفكيرنا، ويستفيدون من كل تصرفاتنا.


اترك تعليق