تفكيك منظومات الاستبداد (15) - الاستبداد وعلم العقيدة

By : د. جاسر عودة

كم يروج الاستبداد وأبواق إعلامه في عصرنا أن معارضي الاستبداد كفار وزنادقة ويرمونهم بشتى أنواع البدع في العقيدة والسلوك، ولو كانوا من أكابر العلماء أو أفاضل المؤمنين والمؤمنات. والحق أن هذه سياسة قديمة قدم الاستبداد في بلاد المسلمين. بل إن المراجعة الدقيقة للتاريخ الإسلامي وأحداثه تكشف لنا حقيقة صادمة، ألا وهي أن من قاموا ثواراً ضد نظم الاستبداد منذ بدأت هم أنفسهم الذين اتُهموا في تاريخ علم العقيدة بأنهم أهل البدع الاعتقادية ونسبت إليهم الزندقة والفسق والفجور وعظائم الأمور!

 

وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك بدع ضالة ولا فرق كافرة ولا أفكار منحرفة. هذه كلها كانت موجودة بالفعل، ولكن نسبة أصحاب الموقف السياسي الرافض للاستبداد والملك العضوض إلى تلك الانحرافات ورميهم بالزندقة والبدع العقدية التي تستباح بها دماؤهم هو الذي أعني، وهذه الاتهامات في نظري كانت من أكبر الكذبات التي وصلت إلينا من كتب التاريخ، ذلك التاريخ الذي يكتبه المنتصر على أي حال.

 

قبل عصر التاريخ الإسلامي نجد الفرعون يتهم موسى نفسه صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم بالكفر والفساد! قال فرعون: (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ - الشعراء: ١٩)، ويقول لقومه: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ - غافر: ٢٦). هي هي نفس السياسة الفرعونية لم تتبدل.

 

ومن أوائل الأمثلة على ذلك في التاريخ الإسلامي ما يُروى عن لعن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه على منابر المساجد أيام الأمويين إلى أن أوقف ذلك الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وكتب الى نوابه أن يقرأوا مكانها (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ - النحل ٩٠)، وهي الآية التي ما زلنا نقرؤها على المنابر في ختام الخطبة إلى يومنا هذا جزاه الله عن الإسلام خيراً (يراجع في ذلك مثلاً حديث أبي التراب المتفق عليه، وما كتبه السيوطي في تاريخ الخلفاء، وابن حزم في المحلى، والزمخشري في تفسير الآية، وغيرهم).

 

وغني عن البيان من هو علي بن أبي طالب في الإسلام، ولكن الشاهد هنا هو الخلط بين الموقف السياسي من سيدنا علي أو سيدنا الحسين أو سيدنا عبد الله بن الزبير (وهو موقف الذين كانوا فيه الفئة الباغية على أي حال)، وبين الموقف العقدي الذي استباح به ملوك وولاة بني أمية ذلك اللعن ومعه دماء أنصارهم وأتباعهم. وأرجو من القارئ الكريم الذي يقرأ هذا فيظن بي (التشيع) كله أو بعضه، أرجو منه أن يتريث ويتفكر قليلاً لأن بيان هذا الخلط العجيب هو عين مقصودي من هذه المقالة، هذا إن كان باحثاً عن الحق على أي حال.

 

والحكام المستبدون منذ أن تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض وإلى اليوم يتدخلون تدخلات صريحة في علم العقيدة الإسلامية، ويدعمون آراء ومذاهب بعينها، ويكفرون ويزندقون ويفسّقون الآراء والمذاهب أخرى، كل حسب ما يخدم مصالحهم في السلطة.

 

الحسن البصري مثال ثان، وهو من هو علماً وعملاً ورواية ودراية وهو الذي قالت فيه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (يشبه كلامه كلام الأنبياء)، ولكنه حين عارض تحول الخلافة إلى ملك عضوض وواجه على الملأ الحجاج بن يوسف سفاح العراق بالتشنيع على جرائمه وسفكه للدماء ضيقوا عليه ثم حاولوا سجنه إلا أنه هرب، ثم نجدهم لا يتهمونه بشيء إلا بـ (الغيبة) أي أنه يغتاب الحكام في غيابهم! واتهموه كذلك بـ (القدر) أي مذهب المعتزلة في حرية الاختيار وكان المعتزلة فعلاً من تلامذته في الوقت الذي نقرأ في التاريخ أنه (كانت بنو أمية مجمعة على الإجبار) أي أن الإنسان مجبر لا مختار، وهو المذهب الذي لا يخفى أنه يخدم مصالحهم الخاصة (وليراجع القارئ الكريم كتاب أستاذنا الدكتور محمد عمارة: مسلمون ثوار، وهو بحث شامل قيم).

 

وغيلان الدمشقي التلميذ النجيب للحسن البصري مثال آخر، وكان عالماً فقيهاً وله كتابات طويلة ضاعت فيما ضاع من تراثنا، وكان يدعو أيضاً إلى أن الإنسان مخير وليس مسيراً، ويعارض (الجبرية) الذين يقولون إن الفقر وطغيان الحكام هو فقط من قدر الله على الإنسان ولا دخل لنا فيه، وهؤلاء كانوا في حماية الملوك بالطبع.

 

وقد كتب غيلان ناصحاً إلى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز في الأموال التي اغتصبها أقاربه من بني أمية بغير حق، فاستجاب له عمر وولاه بيع ممتلكات بني أمية وتوزيعها على فقراء المسلمين، وكان غيلان ينادي في السوق: (تعالوا إلى متاع الظلمة … يأكلون هذا والناس يموتون من الجوع)، ورآه هشام بن عبد الملك  فأقسم أن يعاقبه. فباع غيلان الشيء الكثير من الأراضي والحلي والذهب والملابس. ولما قتل بنو أمية ابن عمهم الخليفة عمر بن عبد العزيز بالسم وتولى هشام بن عبد الملك الخلافة وعاد الاستبداد اعتُقل غيلان، ولكنه لم يتهم بالثورة ولا بفساد الذمة، بل اتهم بـ (البدعة في الاعتقاد)، وسمي أتباعه بـ (الفرقة الغيلانية الضالة)، وحكم عليه علماء السلطة في ذلك الوقت بالردّة، فصلبه جند هشام بن عبد الملك بعد قطع يديه ورجليه، بل وأرسل هشام له من قطع لسانه وهو مصلوب.

 

ويمضي التاريخ بالإمبراطوريات التالية على نفس المنوال: أئمة أعلام يعارضون الجور والفساد والاستبداد فيتهمون بالبدع (الاعتقادية) ويُقتلون وينسبون إلى الفرق الضالة: زيد بن علي، ومحمد النفس الزكية، وعلي بن محمد قائد ثورة الزنج، وغيرهم كثير … بل ونقرأ في التاريخ كيف قال الملك الأشرف في دمشق عن سلطان العلماء الإمام العز بن عبد السلام بعد أن حبسه: (ظهر بعد الاختبار أنه من الفجار لا بل من الكفار)! ثم حبسه وقيده الملك التالي إسماعيل بن العادل بعد أن عارض العز استعانته بالصليبيين على أخيه نجم الدين أيوب! فأرسل له من يطلب منه أن يقبل يد الملك حتى يفرج عنه فقال العز لمن جاءه: (والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي فضلاً عن أقبل يده. يا قوم أنتم في واد وأنا في واد).

 

وأما اليوم فنجد حكومات استبداد لا تحترم ثوابت الإسلام أصلاً وتوالي أعداءه الصرحاء بعداوتهم وتضيّع أماكنه المقدسة وتحارب علماءه الذين شهدت لهم الأمة بالخير ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً، ثم هم أنفسهم ينفقون أموالهم في بلاد الدنيا الواسعة، وهي أموال الأمة أصلاً، ليدعموا مؤتمرات دولية ومراكز بحثية ومطبوعات متنوعة تعرّف (العقيدة الصحيحة) فتدخل فيها من يشاءون وتخرج منها من يشاءون، بدعوى حماية (عقيدة السلف) أو (عقيدة آل البيت) أو (الماتريدية) أو (الأشعرية) إلى آخره، وهذه كلها مذاهب لها وعليها مما لا يخفى على الدارسين، وكل يُؤخذ من كلامه ويترك، ولكننا نجد المستبدين كل يدّعي أنه فقط يمثل (الجماعة) و(الفرقة الناجية) وأنه حامي حمى العقيدة السليمة، وكل يدّعي وصلاً بليلى … وليلى لا تقر لهم بذاكا.

 

وبالمناسبة، فإن علم العقيدة الإسلامية التاريخي يحتاج منا إلى أن ندرسه هنيهة ثم نتجاوزه إلى عصرنا، إذ أن الشبهات والأسئلة العقدية التي تثار اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عن ما كان في التاريخ. نحتاج إلى علم عقيدة أو (علم كلام) جديد يرد على التفكيكيين والتاريخنيين والفوضويين والداروينيين والوضعيين والنسبييين والوجوديين والكونفوشيين والمستِيقيين الجدد وغيرهم من أصحاب الأفكار الهدامة فعلاً التي لم تجد للأسف ردوداً شافية في عصرنا، وإن وُجدت فهي ردود تفتقر إلى الدعم المادي والعلمي والإعلامي والمطبعي، وهذا من أسباب توغل الإلحاد في شباب وشابات هذه الأمة، لا يجدون من يقاوم الإلحاد الحجة بالحجة والفكرة بالفكرة، لأن العلماء القادرين على مناقشة قضايا العقيدة أصبحوا يستخدمون كأداة سياسية من أدوات الاستبداد حسب التقسيمات والمدارس القديمة التي لم يعد لها وجود حقيقي، بدلاً من دفعهم لمواكبة شبهات العصر وأسئلة العصر ومشكلات العصر وعلى رأسها الاستبداد.


اترك تعليق