كيف أكون فقيهة؟

By : د. حسن يشو –لطف الله به

إن الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، والسبيلُ إليه ليس بالأمر الهيّن، بل يحتاج إلى الجد في طلبه، والحرص الكامل على تحصيل أبوابه؛ لذلك أنصح بقراءة كتاب "صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل" للشيخ عبد الفتاح أبي غدة رحمه الله، و"العلم إذا أعطيته كلَّك أعطاك بعضَه، وإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئا"، و"بقدر ما تتعنّى تنال ما تتمنى"، وفي الحِكَم العطائية: "من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة" ويصبح استثمار الوقت أصلا يحكم حياتك على قول القائل: "اللهم ارزقني عمرا عريضا لا عمرا طويلا" وعريضا معناه أن يكون حافلا ومكتنزا بالعطاء واقرئي كتاب: "قيمة الزمن عند العلماء" لأبي غدة أيضا فهو نفيس جدا.. قال المتنبي:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم ** وتأتي على قدر الكرام المكارم

ويعجبني هنا كلام الشيخ محمد زرُّوق فيما سماه بالمفاتيح الخمسة للعلم بما فيه الفقه؛ وهي:

1-            شيخ فتّاح.

2-            عقل رجّاح.

3-            كتبٌ صحاح.

4-            مداومة وإلحاح.

فلا مندوحة عنها –أربعتها- من أجل التحصيل العلمي الرصين والفقه الشرعي الراسخ؛ ما يوجب وجود الشيخ في المادة العلمية المتقن لها، وجثوّ الركب بين يديه، والفقه ما أُخذ من أفواه الرجال، لذا قالوا: "لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي" ويختزل الإمام مالك مواصفات الشيخ فيقول: "لا تأخذ العلم من أربعة، وخذ ممن سوى ذلك: لا تأخذ من سفيه معلن بالسفه، وإن كان أروى الناس، ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جُرب ذلك عليه، وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ، ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث".

والعقل الرجاح الذي ينبغي أن يكون وعاء للفقه، يلتقط ما قرأه ودرسه دونما إهمال أو تجاهل ولا مبالاة، قال الشاعر:

اليوم شيء وغدًا مثله ** من نُخَب العلم التي تُلتقطْ

يُحَصِّلُ المرءُ بها حكمة ** وإنما السيلُ اجتماع النقطْ

والأصل أن يحفظ طالب العلم كتاب الله وما تيسر من مدونات الحديث، ومتون الفقه المعتمدة؛ ولابن الجوزي كتاب "الجامع في الحث على حفظ العلم" ولاسيما في زمننا هذا الذي أصبح الاستغناء فيه عن الحفظ ظاهرا، والاكتفاء بالخفايف والوجبات السريعة في كل شيء، فليس عالما من يستشهد بمعاني القرآن والحديث ولا يستحضر الدليل! وقد كان مالك يدخل معه في الحلقة خيطا كلما سرد شيخه حديثا إلا عقد عقدة ليراجعها بعد انتهاء الدرس فإن فاته شيء منها راجع شيخه .. وهكذا صار فقيها لا بتخزين العلم في الكراس وإنما بترسيخه في الراس!

والاعتماد ينبغي أن يكون على كتب الفقه الصحيحة المعتمدة في المذهب أولا داخل البلد، وفي الفقه المقارن ثانيا، والبداءة بالمختصرات وبعدها المطولات، والخلل أن يكون العكس فتأملي! وعدم الاكتفاء بالشبكة العنكبوتية في التحصيل وإنما الارتباط بكتب التراث العلمية والمصادر منها عوض المعاصرة فقط!

فلا تفارقي كتاب الله أولا، وكتب الحديث ثانيا، وأحكامهما ففيهما الفقه العظيم، وكتب الفروع، ولا ينفكُّ الفقه عن أصوله وقواعده إذ "من حُرم الأصول حُرم الوصول"؛ حتى ترسخ ملكة الاستنباط؛ فثمة –يا بنتي- فرق بين حامل الفقه دون معرفة بمداركه ومآخذه، وبين العالم بأصوله وقواعده؛ وإليه ألمع النبي : "رب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه"؛ وهذا يلزمك يا طالبة العلم أن تمتلكي آليات النظر في النص الشرعي وهي علوم الآلة التي ينبغي أن تمتلكي ناصيتها في بدايات الطلب كعلوم اللغة العربية: من نحو وصرف وبلاغة بفنونها الثلاثة: المعاني والبيان والبديع وهكذا.

ويبقى الشق المتصل بذات الطالب نفسه؛ من مداومة وإلحاح، وجلَد وكبد وكدح لأجل الفقه الراسخ؛ لأن الاستمرار عنوان التحصيل كما قال الإمام أحمد: "مع المحبرة إلى المقبرة" والفتور والانقطاع قاتل للطالب ومجهض لهمته ومحرق لمركبته ومقطع لأوصاله وقاطع لطريقه.

كان الشيخ الألباني يقول: "العلم بحث" وفي الأثر الموقوف: "لا بورك لي في صبيحة لم أزدد فيها علما" فلاحظي كيف أن النبي  دعا مع عبد الله بن عباس: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" فنال ببركة هذا الدعاء مقاما عليًّا، فصار حبر الأمة وترجمان القرآن، لكنه كان حريصا على تدارك ما فاته عن رسول الله  حتى قال في حقه عمر بن الخطاب: "إن له لسانا سؤولا وقلبا عقولا" لم يفتر البتة عن إدمان الحرف العربي، وكان يأتي كبار الصحابة ينتظره على أبوابهم حتى يخرجوا ويسألهم عن حديث أو حكم شرعي وهم يستغربون: اجلس في بيتك ونحن نأتيك يا ابن عم رسول الله ، وهو من عرف طريق التألق العلمي فسلكه ولم يبال أو يخلد إلى الأرض فكل من تبوأ مكانا مرموقا في العلم إلا وله قصة عظيمة أرى أن طالبة الفقه ينبغي أن تقرأ كتب التراجم للفقهاء والعظماء من باب قول الشافعي:

أحب الصالحين ولست منهم ** وأرجو أن أنال بهم شفاعة

وهو القائل المختزل لطرق التحصيل في بيتين هما:

أَخي لَن تَنالَ العِلمَ إِلّا بِسِتَّةٍ ** سَأُنبيكَ عَن تَفصيلِها بِبَيانِ

ذَكاءٌ وَحِرصٌ وَاِجتِهادٌ وَبُلغَةٌ ** وَصُحبَةُ أُستاذٍ وَطولُ زَما

إي والله "صحبة أستاذ".. فعليك بالرفقة العالمة وصحبة طالبات العلم المجدات فهو درس بليغ من دروس رحلة سيدنا موسى  مع الخضر  قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا [الكهف: 66]، فهنّ يمثلن حامل المسك كما في الحديث: "إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه رائحة طيبة" على خلاف الرفقة الخاملة والمثبطة غير المبالية، التي تمثل نافخ الكير "إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحا منتنة".

وتعلمي الأدب للفقه والعمل بمقتضاه؛ فحين كانت أمُّ مالكٍ تهيئه للتعلم تقول له اذهب إلى ربيعة فخذ عنه الأدب قبل العلم.. حتى تنالي -يا سيدتي- بركاته الغزيرة؛ "فالعلم بلا عمل عقيم والعمل بلا علم سقيم وأن تجمع بينهما صراط مستقيم"؛ لأن الفقه أحكام ينبغي أن يجسدها سلوكك أولا؛ إذ:

مواعظ الواعظ لن تُقبلا ** حتى يعيها قلبه أولا

وابتعدي عفاك الله عن كل مذمة من المعاصي فهي تزيل نعمة العلم؛ لأن العبد كما في الأثر: "يذنب الذنب الواحد فيحرم به بابا من العلم" ولما شكا الشافعي إلى شيخه وكيع بن الجراح بعد أن اختل جهازه المعلوماتي الرباني بفيروس فلم يعد يستوعب أرشده إلى ترك المعاصي لا إلى فيتامين (C) فترجم ذلك في أبيات منها:

شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي ** فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي

وَأخْبَرَنِـــي بأَنَّ العِــلْمَ نــــُورٌ ** ونـورُ الله لايُهدى لعاصـــي

واعرفي قدرك فكلما ازددت علما ازددت تواضعا وحذاري من أبهة المبتدئين وأنصاف العلم فمالكٌ سئل عن أربعين سؤالا أجاب عن ثمانية منها فقط! وقال في الباقي: "لا أدري" وإخاله كان يدري لكنه رحمه الله دأب أن يلقن نفسه درس التواضع والورع وأمام طلابه لم تأخذه العزة بالإثم بخلاف ذلك.. ولكن من باب "إياك أعني واسمعي يا جارة".  قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا العلم، وتعلموا للعلم السكينة والحلم، وتواضعوا لمن تتعلمون منه، وليتواضع لكم من تعلمون، ولا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يقوم علمكم بجهلكم".

وأخيرا إليك بعض الأمثلة من الفقيهات أولاهن أمنا عائشة التي جمع فقهها في كتاب دسم هو: "فقه أم المؤمنين عائشة" وهي من حصلت في بيت النبوة الملَكة الفقهية الراسخة وصارت تناقش على جدارة واستحقاق قضايا مختلفة وتستدرك على كبار الصحابة؛ حيث تولى العلامة بدر الدين الزركشي جمع ذلك كله في كتاب وسمه بعنوان: "الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة". وهذه نفيسة بنت الحسن الأنور كان لها مجلس علمي تدرس فيه وتجيب على مشكلات علمية وقد حضر الإمام الشافعي حلقات درسها في مصر وسمع عليها الحديث. وهذه فاطمة بنت محمد السمرقندي التي تزوجها العلامة الكاساني بعد أن تحايل عليها بطريق عبقري فعكف على شرح كتاب والدها "تحفة الفقهاء" فأبدع الصنعة في كتابه: "بدائع الصنائع" فانبهر الوالد وبنته بالشرح وإحكامه فدخل قلبها وسكنه ولما طلب يدها لم يرده لا الوالد والبنت.. والعجيب أن الكاساني كانت تشكل عليه مسائل في الحلقة فيعود للبيت يظنه الطلاب يتوضأ ويصلي فيفتح الله عليه لكن الأمر الواقع أنه كان يعود للبيت فيراجع زوجته فاطمة بنت محمد فتحل إشكالاته العلمية والفقهية كلها.. وقد عرف المغرب بعشرات الفقيهات أذكر للشيخ محمد المختار السوسي كتاب "المعسول" في عشرين مجلدا أورد فيه حوالي ستمائة امرأة كانت تحفظ المدونة في المذهب المالكي وهو مطبوع في ستة مجلدات، فضلا عن القرآن والموطأ والألفية وغيرها من متون العلم، حينما كانت العزائم ماضية والهمم عالية.

وتسألينني كيف أكون فقيهة اليوم؟ أقول: من ها هنا الطريق، وفقك الله وجميع طلاب الفقه ليسلكوا مسالك الفقه حتى لا ينطبق علينا قول الشاعر:

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ** إن السفينة لا تجري على اليبس

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وأزواجه أمهات المؤمنين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.

 


اترك تعليق