صرخات طفل *هنا الغوطة*

By : عامر الخميسي

طفل من الغوطة يخرج من بين الأنقاض ينادي الأمة المتخبطة في سباتها..

يصرخ في وسائل الإعلام لعل عربيا مسلما يراه..

ليس طفلا... بل أطفال، بُحّ صوتهم ولا مجيب..

حرب عالمية على ما يقرب من نصف مليون من البشر أبادت خضراءهم وأهلكت الحرث والنسل..

حال الأطفال والصواريخ تهطل على رؤوسهم..

*نناديكم ولكن من يجيبُ نناديكم وقد كثر النحيبُ نناديكم وآهات الثكالى تحدثكم بما اقترف الصليبُ يموت الطفل في أحضان أمٍ تهدهده وقد جف الحليبُ*

هنا تسيل الدماء كالشلالات، هنا تذبح الطفولة، ويبكي الرجال بكاء الثكالى، هنا تُهَدّم المنازل على ساكنيها، وتقتل الحياة في مهدها..

براكين من نار تسقط من السماء، وحمم من اللهب تنزل من الجو...

هنا يخرج الطفل من بين الأنقاض يصرخ لأنه رأى أحشاء أمه، وكبد أخيه، وانفصال رأس أبيه.

هنا تمطِر السماء بالحمم فتحرق الأرض، وتهلك الحياة، فتخر البنايات فوق ساكنيها..

وتطير النوافذ كما يطير ورق الشجر..ويغدو الجسم البشري كذرات الرمل في الهواء..

المستشفيات التي يسعفون إليها جرحاهم توقفت..

والأفران التي يطعمون منها جوعاهم قصفت..

نرى أطفالنا وفلذات أكبادنا يصرخون فلا يستجيب لهم أحد، العالم كله يسمع، الأرض كلها تشاهد، لكن ما الذي أصاب حكامنا؟

ما الذي خدّرهم؟

والشعوب ما الذي جعلها تصمت؟.

أين قرارات البرلمانات؟.

أين هدير المنابر؟

أين تقارير الإعلام؟

أين حديث الفضائيات؟

أين بهرج الجامعة العربية؟.

أين منظمة المؤتمر الإسلامي؟.

أين علماء الأمة ودعاتها؟

أين الجيوش العربية؟ 

نصف مليون يتعرضون للإبادة الجماعية.

*هنا الغوطة*

هدوء مطبق لا تسمع فيه إلا زئير الرياح وعواء الكلاب، ثم يخترق هذا الهدوء أصوات الطيران الذي يأتي ويأتي معه بالموت الزؤام، فيقصف كل مَعلَم للحياة، ويدمر كل ما يدب على الأرض.

قابلتُ أحد سكان الغوطة لم يستطع أن يتكلم..

أُعجم صوته..

تحشرجت كلماته..

الداهية والطامة أن الكل يشاهد، وأن الأمة تتفرج.

ماذا ننتظر وماذا ينتظر حكامنا بعد قتل الأبرياء، وسفك الدماء، وخراب الممتلكات وإزهاق الأرواح، وذبح الطفولة..؟.

امرأة يصعب عليها إنقاذ ولدها الرضيع بين الركام فيشهق أمامها ويأتي رجال الإسعاف فلا يستطيعون إخراجه فتأمرهم بقتله إشفاقا عليه من شهيقه الذي يقطع نياط القلوب ويذيب صلاب الصخر.

الأماكن التي يختفون فيها من القصف يتم استهدافها ويستهدف الطيران رجال الإسعاف ويتم تسوية العشرة الطوابق بالأرض في تطبيق لسياسة الأرض المحروقة..

*هنا الغوطة* فقط في الغوطة تصرخ حتى ينقطع نداؤك فلا يسمع لك صوت..

وتبحث عن الطعام فلا تجد إلا الصواريخ بدل القوت..وتجري هروبا من الموت فلا تجد إلا الموت.

ما وجدوا بعض الأشلاء صارت ترابا بين الركام،

وجد المنقذون أرجلا وأيدٍ ورؤوسا مقطعة لا يعرفون أصحابها.

امرأة تبكي وتحلف أن زوجها -من الحصار المطبق- مات أمامها جوعا، ومات أولادها الواحد تلو الآخر.

الجوع يقتلهم قتلا ذريعا لا يجدون لقمة طعام، ولا شربة ماء، ينامون في انتظار الموت.

الرعب هو المخيم على شوارعهم ومنازلهم..

ومن خرج ليبحث عن لقمة طعام لا يعود

*هنا الغوطة*

هنا الدموع التي تغسل الأجساد..

هنا البكاء الذي يفتت الأكباد

هنا الأم التي لا تجد ما تطعم به الأولاد.

هنا السلاح الفتاك الذي يذر البيت كالرماد.

هنا تقتل الحياة، هنا تذبح الكرامة، هنا تحرق الأرض، وينتهك العرض.

هل شاهدت محرقة  الأسبوع الماضي التي نفذها طيران الروس وسط صمت وذهول من جميع شعوب العالم مئات القتلى وآلاف الجرحى في صور ومقاطع يندى لها الجبين؟

 هل سمعت عن

الطفل علي الذي فرّ من الموت فلاقاه في ملجئه مع جدته البالغة من العمر سبعين عاما؟.

هل سمعت عن أبي صالح الغوطاني، الذي يعمل مع قوى الدفاع المدني، يساعد في إنقاذ الضحايا عندما وقعت قذيفة على منزله، وأدت إلى وفاة أمه البالغة من العمر 80 عامًا؟.

لقد وقف منقذ الأرواح أمام جثة أمه العالقة بين الأنقاض، يصرخ طالباً النجدة من زملائه عبر جهاز النداء لمساعدته بانتشالها، عاجزاً ومعتذراً إليها: "يا أمي دخيلك لا تؤاخذيني يا أمي، أنا عم أنقذ العالم وما قادر أنقذك يا أمي".

هل سمعت عن الطفل الذي  أسعف للمستشفى ووقف الطبيب واجما ينظر له وأمعاؤه تتدلى، فقال للطبيب: هل أنت من سيجري لي العملية، قال الطبيب نعم، قال الطفل: أمي حبيبتي تنتظرني في الخارج..أنا وحيدها الذي بقيت..هي أسرتي ونبض قلبي، ستموتُ قهرا إن لم تنجح العملية.

الطبيب/  أين أبوك..؟

الطفل/ استشهد هو وجميع إخوتي..

أكمَل الطبيب العملية وخرج ليزف البشرى لأمه بنجاح العملية فوجد جلبابها يعلوه غبار القصف..

هذه الطبيبة وسام وهي آخر طبيبة أورام في الغوطة تتحدث أن لديها من المرضى 1288 مات منهم 37 بسبب نقص الأدوية تقول: إن جميع مرضاي في خطر محدق، إنهم يموتون الواحد تلو الآخر..

هل سمعت عن المصور الذي يوثق بعدسته فتفاجأ بأسرته وهم تحت الأنقاض؟

وعن الأم التي تتمنى الموت هي وأولادها بعد أن يأكلوا وجبة طعام؟

*هنا الغوطة* جحيم فوق الأرض، نار تلتهم الأبرياء، أمة بأكملها تباد بأعتى سلاح بشري.

 غاز النابالم السام يحصد معه الأرواح حصدا في انتهاك واضح لكل القوانين الدولية والأعراف البشرية

هل سمعت الجنرال الروسي الذي يقول بكل وقاحة وجرأة: اختبرنا أكثر من 200 نوع من أسلحتنا في سوريا؟.

وعن وصول أحدث جيل من قاتلات "سو" الروسية مطار حميميم العسكري؟.

هل شاهدت سماء الغوطة وهي تمطر القنابل؟. والصواريخ وهي تدك الأرض؟.

يا عالم..

يا بشر..

يا بني الإنسان

*هنا الغوطة*

تصدعي يا جبال، وميدي يا صخور، وانقضي يا رجوم لقد أضاع حكامنا رجولتهم.

وذهبوا يقيمون الأصنام..

ويتفسخون من رجولتهم..

ونسوا مجد الآباء الكرام

والأسود العظام.

كيف ينام بشر وقد رأى أطفالا في عمر الزهور يغطيهم الركام..؟

ونساءً ينامون على جمر الآلام؟

ومرضى ينتظرون الموت يتجرعون الأسقام؟

أما في الأرض مسلم؟

أما على الوجود عربي؟

أما في الحياة بشر؟

أما في الكون إنسان؟

*أعندكم نبأ عن أهل " غوطتنا" ...فقد سرى بحديث القوم ركبانُ...كم يستغيث بنا المستضعفون وهم... " جوعى" " وجرحى" فما يهتز إنسانُ ولو رأيت بكاهم عند " قصفهمُ" لهالك الأمر واستهوتك أحزانُ..حتى المحاريب تبكي وهي جامدة.. حتى المنابر ترثي وهي عيدانُ... يا رُبّ أم وطفل حيل بينهما... كما تُفرّق أرواح وأبدانُ...لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ.. إن كان بالقلب إسلام وإيمانُ*

 

*هنا الغوطة*

إبادة للحياة من الوريد إلى الوريد..دمار شامل بقوة النار والحديد..

أما في فيكم قلب يخفق أم ماتت الحياة؟

هل عجزتم حتى عن الدعاء والدعم وحرقان المشاعر والتفاعل ؟..

ماذا ستقول عنا الأجيال وعن حكامنا المهازيل؟.

إنها لعنة التاريخ التي ستلاحق كل فاعلٍ وراضٍ وصامت..

والسؤال الذي لا مفر منه بين يدي ملك الملوك؟.

اللهم هل بلغت.

اللهم فاشهد..


اترك تعليق