سيد قطب ينتصر في تركيا

By : د.زبير خلف الله - خاص ترك برس

خلال يومين كاملين كنت في إسطنبول أقوم بالترجمة الفورية من اللغة التركية الى اللغة العربية في الندوة العالمية للذكرى الخمسين لاستشهاد سيد قطب في 29 آب/ أغسطس 1966 التي نظمتها جامعة ماردين وقد تحدث عدد كبير من المحاضرين الأتراك حول سيد قطب وتجربته الفكرية وحاولوا أن يقدموا وجهات نظرهم حول هذه الشخصية المتميزة في فكرها.

الشيء الذي جلب انتباهي خلال عملية الترجمة الفوربة لهذه المحاضرة هو اعتراف هؤلاء المحاضرين بقوة تاثير فكر سيد قطب في الحركة الإسلامية التركية وكذلك تأثيره في النخبة الفكرية التركية على اختلاف مشاربها.

لقد كنت أتابع وأنا اترجم محاضرات المتدخلين حول سيد قطب الذي استشهد في سبيل افكاره ومبادئه ولم ينحن أمام المستبد عبد الناصر كيف نجح هذا الرجل أن يشكل الأسس الفكرية والبنيوية لأبناء المشروع الإسلامي التركي وكيف أن أفكاره لم تمت بل ساهمت في صناعة مشاريع سباسية من بينها المشروع السياسي المعاصر في تركيا.

كانت محاضرة تحدث فيها ياسين أقطاي مستشار رئيس الدولة التركية رجب طيب أردوغان بعنوان فكر سيد قطب بين المحلية والعالمية وبين أن فكر سيد قطب ليس ملكا للمصريين وحدهم إنه ميراث عالمي بجب الاستفادة منه فكر سيد قطب وكتبه التي كانت ممنوعة قبل 50 عاما في تركيا مثلما هو في العديد من الدول العربية ها هو اليوم يتم القيام بندوة عالمية حوله بإشراف من الدولة التركية نفسها من خلال جامعة ماردين خلال الندوة جاءت رسائل من رئيس الوزراء بن علي يلدرم ووزير العدل وعدة شخصيات في الدولة تهنئ الجامعة على هذه الندوة حول سيد قطب وتثني على شخصية سيد قطب وتقدره على دوره الكبير الذي قام به مواجهة دعاة الانقلاب والاستبداد.

من ناحية أخرى رأيت الإقبال الكبير للأتراك على ندوة سيد قطب واهتمام الشبان والشابات من الأتراك وحبهم الكبير لسيد قطب واستيعاب فكره وكتبه مما جعلني أعقد مقارنة بين شبابنا في بلداننا العربية الذين يجهلون فكر سيد بسبب عملية التشويه التي تعرض لها وبين شباب الأتراك الذين يفتخرون بفكر سيد قطب ويحرصون على فهم فكره واستيعابه.

مفارقة عجيبة حقا أن ترعى الدولة والمجتمع في تركيا الذكرى السنوية الخميس لاستشهاد سيد قطب وبين التجاهل والتشويه الممنهج الذي تقوم به الدول العربية ونخبهم وتقديمه على أنه ابو التشدد والإرهاب ندوة استشهاد سيد قطب رحمه الله رسخت في قناعة مهمة جدا وهي كلما كان المفكر أو المصلح مؤمنا فعلا بأفكاره ومقتنعا بمبادئه باطنا وظاهرا إلا وتكتب لأفكاره الحياة والاستمرارية والانتشار في أماكن ربما لم يكن يسمع بها سيد قطب تفسه الندوة كشفت احترام الأتراك لسيد قطب وعمق حبهم له ولفكره ولثباته.

على الرغم من التعب الشديد للترجمة الفورية على مدار يومين كاملين من الصباح إلى المساء إلا أني والله لقد كنت استمتع بمشاهد الحب والوفاء لسيد قطب من قبل المحاضرين ومن قبل المشاركين في هذه الندوة والأكثر كنت مستمتعا أكثر بتبني الدولة التركية لندوة الذكرى الخمسين لاستشهاد سيد قطب وعلى أعلى مستوى من أردوغان إلى مستشاريه وكذلك حتى ممن لا يتفقون مع سيد في المرجعية الفكرية.

فعلا تركيا تشهد نضجا ووعيا كبيرا سواء كان في صناع القرار في الدولة وسواء في المجتمع التركي على اختلاف شرائحه الاجتماعية والسياسية. سيد قطب ازداد حبي له أكثر لأنه كان مفكرا وفيا لمبادئه وأفكاره ومات من أجلها ومن أجل أن يحي الإسلام من جديد. سيد قطب رمز للحرية التي وقفت في وجه الاستبداد ولم تنحن له.

سيد قطب انتصر بفكره على عبد الناصر وجلاديه. سيد قطب يساهم في صناعة وعي جديد وتجربة سياسية رائدة تدافع عن الحرية والقيم في تركيا في حين أن عبد الناصركان يساهم في تدمير مصر بعسكره الذي انقلب على حرية الشعب المصري وخياراته وأدخل مصر في ظلمات الاستبداد والتخلف. سيد قطب يساهم في بناء تركيا الحديثة وعبد الناصر يدمر مصر في العصر الراهن. مفارقة عجيبة فعلا أن ترى انتصار سيد قطب وفكره خارج وطنه الذي استشهد من أجله...


اترك تعليق