نص الكلمة التي القيتها في مؤتمر القدس هوية الأمة بتاريخ 27-28 يناير 2018في ماليزيا

By : الشيخ ونيس المبروك

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ،

بداية أشكر الإخوة في مؤسسة ماي اقصى ، ورئاسة وزراء ماليزيا ، وهيئة علماء فلسطين على هذه الدعوة الكريمة، وأشكر كل الإخوة الذين قاموا على ترتيب هذا اللقاء وإدارة السفر والإقامة لهذا المؤتمر المتميز،..

ومن أرض ليبيا أرض المجدد الإمام محمد بن علي السنوسي، و أرض المختار وأرض العلماء من فقهاء المالكية وغيرهم أحييكم بأفضل تحية فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نظرا لضيق الوقت المُخصص ، فإني أفضل اختصار كلماتي على هيئة مقاطع موجزة ، لأن المقام لا يناسبه الإسهاب ولا التدليل ولا المقدمات ، وبخاصة أني أتكلم في جمع من العلماء والمفكرين ، والفقرات القصيرة تعني لهم شيئا، وقد تغنيهم عن الشرح .

1- من المعلوم أن للعلماء دورا كبيرا في الأمة ، فهُم – كما جاء في الحديث - ؛ورثة الأنبياء ، ولكني لا أتفق مع بعض الإخوة الذين يرون أن العلماء هم ورثة الأنبياء (في كل شيء عدا الوحي) وأرى أن هذا إشكال ينبغي أن يُناقش ! ،فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يحمل مهام ويتصرف باعتبارات متعددة ،فمارس التشريع ، وقيادة الحرب ، والإمامة السياسية ، والإفتاء ، والإرشاد الاجتماعي ، والقضاء ، والتعليم ، ....ونحن اليوم في عصر التخصصات الدقيقة ، ولا ينبغي أن يتطرق لأذهان العلماء أو الدعاة أن بمقدورهم حمل كل التخصصات العامة في آن واحد ، وربما تسرب لنا هذا المفهوم بسبب طرح الحركة الإسلامية المعاصرة لمفهوم الشمولية فأصبح العلماء يريدون التدخل في كل شؤون الحياة ، مما أثر في دورهم المهم ، والخطير الذي أشار إليه نفس الحديث "فإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً إنما ورثوا هذا العلم" فالعلماء ورثة الأنبياء في : بيان تعاليم الإسلام وتعليم الناس وتربيتهم على هذه التعاليم والإرشاد في القضايا الكلية المتعلقة بالشأن العام، وكلمتي هنا عنوانها (دور العلماء) ، فعندما أذكر دور العلماء فإنما أقصد هذا المعنى ، ولا يعني ذلك أن ليس للعلماء دور في السياسة ولا في الجهاد ولا في الاقتصاد ، ولكني أتكلم عن التخصص الذي أصبح اليوم سر نجاح الأعمال ووصولها لغاية الإحسان والإتقان ، كما أن تشتت جهود العلماء في نواحي وأودية السياسة قد يضعف دورهم الأهم والأخطر في الحياة ، ويجعلهم عرضة للعداوات والاستقطابات المترتبة من النزاع السياسي مما يضعف دورهم أو يذهب به .

2- عندما ذكرت سورة الإسراء (وعد الآخرة): (فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤووا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيراً، عسى ربكم ان يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيراً) هنا انتهت آيات الإسراء التي تحدثت عن المسجد الأقصى والصراع، وجاءت الآية التي بعدها: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)، فما هي المناسبة بين الخاتمة وبين التأكيد على أن القرآن يهدي للتي هي أقوم ، وقد واستفدت هذه الملاحظة من أخي الدكتور نواف، السؤال عن العلة أو الحكمة في هذا الترتيب هو ما يسمى في علوم القرآن علم المناسبات وهو معرفة علل ترتيب الآيات والسور، والمناسبة هنا هي التوجيه للعامل الأكبر الذي يحسم الصراع ويرسم المنهاج ويضع الحلول ، وهو القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم في كل شيء .

3- ولكن ماهو الحل الذي وضعه القرآن، وهدانا له ، من أجل مواجهة العدو ؟ لماذا جاءت هذه الآية؟ في تقديري كيف يهدي القرآن أو يشير لدور العلماء في هذا الصراع؟ القرآن أشار إلى أن في خصومتنا مع الأعداد ينبغي أن نركز على إعداد القوة (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) وكما تعلمون أن لفظ القوة هنا جاء نكرة، والنكرة تفيد العموم، فما هي أركان القوة التي نحتاجها لاسترداد الأقصى واسترداد كثير من المقدسات دون ذكر أسمائها لأننا فقدنا كثيرا من المقدسات وليس فقط الأقصى ! ، فالحرية مقدس من المقدسات افتقدناها في أمتنا الإسلامية، الشورى مقدس من المقدسات، الكرامة ؛كرامة الإنسان مقدس من المقدسات، العقل والعلم مقدس من المقدسات،... فكيف نحوز أركان القوة لاسترداد هذه المقدسات ، وماهو دور العلماء لاسترداد المقدسات بحسب تخصصهم ؟

4- من المعلوم أن صياغة الرؤية الشاملة لأي مشروع نهضوي حضاري للأمة هي مهمة الفلاسفة والمفكرين ،والعلماء،... ولعلكم تذكرون كيف قام نظام الملك وقد كان فقيهاً شافعياً وسياسياً ووزيراً عند السلاجقة، عندما حدث فراغ في الدولة السلجوقية في قضية المشروع النهضوي الشامل ، ..فقد كان لديهم انتصارات عسكرية واسعة ولكن كان عندهم فراغ وفقر في مشروع يتصدى للبويهيين ويوقف مد الدولة الشيعية ، كيف استطاع أن يؤسس نظام الملك المدرسة النظامية ويضم إليه كبار العلماء كالجويني والغزالي، وكيف تفرغ الإمام الغزالي لمناهضة التيار الفكري السائد آنذاك والذي يعتبره الناس معيار العلم والثقافة ؛وهي الفلسفة، وكيف قام الشيخ الإمام الرباني عبدالقادر الجيلاني بنقل مفاهيم الإسلام من النُخب والفلاسفة وتيسيرها لجمهور الناس عبر المسلك الصوفي السني الرشيد ، والذي أعتبره أهم دور للعلماء في هذه المرحلة .

5- أعتقد أن هناك ثلاثة أركان للقوة، وأتمنى على العلماء أن تتركز جهودهم في مهمتهم الأولى ، لأن التشتت وعدم التركيز تسبب في ضعف دور العلماء ، إن سبب ضعف كثير من العلماء وضعف دورهم في الأمة ليس بسبب عدم وجود الفرص للقيام بهذه المهمة ،بل بسبب أنهم لا يركزون على دورهم ويحاولوا أن يأخذوا أدواراً أُ...خر، الدور العظيم للعلماء فيما يتعلق بركن القوة الأولى : هو تأسيس القوة العقدية، القوة العقدية والرؤية المتكاملة لمشروع النهوض بالأمة ،.. وأنا كل ماتذكرت كلمة العقيدة تبادر إلى ذهني – كون أني ابن المدارس الدينية – مباحث العقيدة كما صنفها العلماء ، والتوسع في مسائل الأسماء والصفات ، وما تأثرنا به من مدرسة بعض الوهابيين في صياغة العقيدة في موضوع الصفات الخبرية، ثم الدخول والغرق في موضوع الأسماء والصفات على النمط الذي بعض الأحبة الوهابية يطرحونه، نحن بالحقيقة تأثرنا بهذا، أنا أتكلم عن القوة العقدية التي ترسم تصورا عقديا واضحا للكون والحياة يرتبط بأركان الإيمان الكبرى ، وبما يواجه القضايا الفلسفية والعقدية المعاصرة، أيها الإخوة هناك اليوم قضايا عقدية مطروحة على الساحة تشكل عقائد المسلمين من حيث لا يدرون ، هناك العولمة ، وهناك الحداثة وما بعد الحداثة، هناك ما طرحه دريدا في الفلسفة التفكيكية، ما طرحه نيتشه في موت الإله،.... هناك فلسفة عميقة تقوم عليها الحضارة الغربية المهيمنة اليوم، لذلك ما تحتاجه الأمة من العلماء هو طرح عقدي جديد، وجديد ليس بمعنى ابتداع مباحث عقدية أساسية جديدة ، فالعقيدة الإسلامية سهلة والنبي صلى الله عليه وسلم شرحها في حديث جبريل عليه السلام في دقائق ، ولكن بمعنى مواجهة فلسفة الإلحاد والوجودية والمادية المعاصرة وفق منظور عقدي توحيدي صحيح .

6- القوة الثانية: قوة الوسائل والأسباب، وهي التي على أساسها قامت الحضارة الغربية الناهضة اليوم، نحن كمسلمين فرطنا في الأسباب، صحيح أننا نؤمن بها نظريا، لكن فرطنا في قوة الوسائل والأسباب، وهذا سر نهضة المسلمين سابقاً، وسر فشلنا لاحقا ، لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم قدوة في أخذه بالأسباب ، رأينا هذا في تخطيطه الدقيق لهجرته ، وتخطيطه الدقيق في غزوة بدر ، وفي كل شأنه ، ومن أهم عناصر القوة السببية ، قوة المنهج ، ومنهجية العلم والتعلم ، قوة العقل السليم، ..فاليوم نحن نفخر بالعقل الحافظ والمستجمع لكثرة المعلومات دون ترتيبها في نسق ، وربط جزئياتها بكلياتها ، وتصنيفها بحسب أصولها وفروعها ، فالعالم والفقيه والمثقف هو من يستظهر الكثير من المعلومات دون النظر إلى المنهجية، وبالتالي أصيب العقل المسلم بشيء من الضعف، ضعف في الإنتاج، وضعف في الاجتهاد والابتكار، وحدث اضطراب في منهجية الإرشاد والإفتاء، .. ومن أهم عناصر القوة السببية ، قوة الإعلام، قوة القانون والمحاماة، وقوة المادة .وهذه الثلاثة هي سر تفوق اليهود أو الصهيونية اليوم ، لأنهم حازوا العناصر الثلاثة وركزوا جهدهم عليها ، وهي الإعلام ، والقانون ، والاقتصاد .

7- أخيراً قوة الإخاء والتوحد على كلمة سواء وتجميع الجهود على مشروع جامع ، وأنا لا أقصد بالإخاء المعنى الوعظي العاطفي وإن كان مهما ، فالأخوة ركن ركين في منظومة الإسلام الاجتماعية والسياسية ، وضعفها أو انحراف مفهومها يؤدي لنقص حاد في بناء المجتمع ، وضياع للمشاريع الكبرى ، أيها الإخوة أصارحكم أننا نكفر بسايكس بيكو سياسياً، ولكن نعيش سايكس بيكو اجتماعياً وعاطفياً حتى بين بعض الدعاة والعلماء، فلازلنا نتجمع على أساس القطرية ، بل حتى في القطر الواحد تجد بعض الناس يقسمون انفسهم إلى يمني شمالي وآخر جنوبي ، وحلبي وشامي ، وقبلي وبحري ، وشرقاوي وغرباوي ن فسايكس بيكون تسللت لعقولنا وقلوبنا وبدأنا في توريثها لأولادنا كذلك

نحن نكفر بوحدانية المذهب والحزب ، ونكفر بأحادية الرأي ، ونحذر من ذلك ونرفضه ، ولكننا نعيشه صباح مساء ،

أستطيع تلخيص كلمتي للعلماء بأن " دورهم في استرداد المقدسات " هو التركيز على مهمتهم الكبرى وهي تربية الناس وتذكيرهم بعناصر القوة ، وأن يتقدموا لأمتهم بتصور واضح لأهم عنصر من عناصرها وهو " القوة العقدية " ثم يضربوا مثالا في قيمة الإخاء والتعاون ، ويرشدوا الناس بأهمية السببية في النهوض بالأمم والمجتمعات وطرح البطالة والتواكل .

 

وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم .


اترك تعليق