سماحة المفتي أحمد اللدن رحمه الله تعالى الشمس التي غابت

By : سامي الخطيب

بقلم: سامي الخطيب

إنَّه الموتُ يطوي حياةَ رجلٍ عظيم من جيل العمالقة الكبار، ومتعبِّد زاهدٍ من بقيَّة الصالحين الأخيار، فيغيب الجسد ولا يغيب الأثر. إنَّه العالم الفذُّ، الذي اجتمع له من العلوم والمهارات والسِّمات ما  ميـَّزه عن أقرانه ورجالات مجتمعه وزمانه، ولا غرو، فهو العالمُ الربَّاني، والمفسرُ القرآني، والقاضي النزيه، والمفتي الفقيه، والخطيبُ المُصقع، والمثقفُ الموسوعيّ، والشاعرُ الأديب، والفنَّانُ الخطَّاط، الذي جمع إلى العلم التواضعَ، ومع صفاء النفس قوةَ العزيمة، وإلى قوةِ الموقف حبَّ الخير للناس. 

الأصيلُ دون تزمُّت، والمعاصرُ دون تفلُّت، فلقد كان رحمه الله من الربَّانيين الذين تضبطهم ثوابت الشريعة، وتوجِّههم بوصلة النُّصوص، فلا يقفون عند ظواهرها بجمود، ولا يُغرِبون في تأويل دلالاتها بإفراط، بل كان من أولئك القِلَّة الذين يجمعون إلى معرفة النَّص فقهَ الواقع، بقلبٍ تقيٍّ، وعقلٍ ذكيٍّ، وحماسٍ فتيٍّ، ولعل ذلك ما وهبه ما عُرِف عنه من هدوءٍ رصين، وتفكيرٍ حكيم، وعملٍ هادئٍ رزين. ولكأنِّي به في كلِّ فكرِهِ وما يترجمه من مواقفَ وأعمالٍ إنَّما يريد إنقاذ مجتمعِهِ من ذلك الفصام النَّكد بين العقل والقلب، أو بين الدين والدنيا، وإن شئت قلت بين البشرية وما يصلحها..

لم يكن المفتي الراحل أحمد اللدن رحمه الله تعالى مجردَ عالمٍ يَؤمُّ الناسَ، أو خطيبٍ يوجِّههم، أو مفتٍ وقاضٍ، أو كاتب وأديب، لكنَّه كان إلى ذلك كلِّه قلباً من نور، تَشِــعُّ كلماته حكمةً لتجدَ طريقَها إلى القلوب قبل الآذان. إذا أفتى فعن علم، وإذا قضى فبالعدل، وإذا تعامل فبالإحسان، ولقد عرف كلُّ من سمعه يخطُب في مناسبة أو يتحدَّث في لقاءٍ أنَّ الحكمة كانت تجسِّدها كلماتُه، وأنَّ لسانَه يسابقُ أفكارَه فلا يكادُ يسبقُها، ففي كلماته من عمق الفكر ما يجعل المعاني تنساب كشلّال هادرٍ يسقي مَوَاتَ الفكرِ وجدبَ الواقع، وكنَّا نسمعه فنسابقُ الكلمات، ونحاول الغوص في أعماق المعاني، ففي كلِّ كلمة من كلماته فكرة، وفي كلِّ فكرة حكمة، وفي كلِّ حكمة مشروعُ مقالٍ، أو صفحاتُ كتابٍ، أو برنامجُ عملٍ..

 

لم تغيِّره المناصب وقد تبوَّأ أعلاها، ولم تبهره البهارج وقد كان زاهداً بها، بل ظلَّ صدَّاحاً بالحقِّ، عاشقاً لفلسطين، مدافعاً عن المظلومين، متواضعاً لا يعرف قلبه إلا حبَّ الخير لجميع المسلمين وغير المسلمين. إذا دُعِي إلى لقاء لبَّاه، وإذا حضر في مجلس أغناه، وما بخل يوماً بعطاء أو تأخَّر عن أداء، وما زلت أذكر حين زرته قبل ثلاثين سنة لأسألَه عن العالم الخرباوي النحرير برهان الدين البقاعي، فوجدته بحراً لا تنضب روافده، وزادني على ما أعطاني من معارف أن أهداني بعض مجلدات تفسير البقاعي: "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور".

وحين تولَّيت إدارة مدرسة الروافد كنت بحاجة إلى الرأي الحكيم والمِظلَّة الراعية، فلم يبخل بالنصح والتَّوجيه، ولم يتأخر عن رعاية احتفالنا الأول تكريماً لمدير الروافد السابق الأستاذ محمد الورداني وثُلَّة من الطلاب الخريجين، فكان أولُ احتفال برعايته قبل ستِّ سنوات، كما كان آخرُ احتفالٍ بحضوره مع سماحة المفتي الشيخ خليل الميس قبل أشهر..

كنت رفيقَ سفرِهِ رحمه الله تعالى في رحلة إلى البرازيل لحضور مؤتمر علميٍّ دعويٍّ تربويٍّ، فكان نِعْمَ المؤنسُ في الخلوة، النافعُ في الجلوة، الواعظُ بصمته وحديثه، العَلَمُ العالمُ في مداخلاته، والداعيةُ المؤثِّرُ في محاضراته، والإنسانُ المتواضعُ في كلِّ محطَّاتِ حياتِه.. 

وليس غريباً على من كانت هذه حياته أن يكون آخرُ ما خطَّه يراعُه قبل مماته لوحتان فنِّيتان، تتيهان جمالاً، وتنافس إحداهما الأخرى حسناً وبهاءً، هما قول الله تعالى: "وأزلِفَت الجنَّة للمتقين" وقوله سبحانه: "ولمن خاف مقام ربه جنتان". هل هو قدر الله يوحي به إلينا مآلَ هذا الرجل الصالح، يتقلَّب في رضوان الله وجنانه، ما بين جنَّة أُزلِفَت، وجنتين للخائفين المقربين؟!


اترك تعليق