القره داغي يقدم بحثه للمنتدى الإسلامي العالمي بموسكو

By :


قدم فضيلة الأستاذ الدكتور علي القره داغي في الجلسة الختامية للمنتدى الإسلامي العالمي العاشر ، والمنعقد في موسكو ، اليوم الخميس الموافق 11 ديسمبر 2014م بحثاً علمياً بعنوان "الحوار وقيم التسامح في الاسلام للوصول إلى التعايش السلمي ، فتحقيق السعادة والرحمة للعالمين" .


  
  الحوار وقيم التسامح في الاسلام 
للوصول إلى التعايش السلمي ، فتحقيق السعادة والرحمة للعالمين


بقلم 
الأستاذ الدكتورعلي محيى الدين القره داغي
الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسـلمين
نائب رئيس المجلس الأوروبي للافتاد والبحوث

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله الطيّبين وصحبه الغر الميامين ومن تبعهم بإحسان الي يوم الدين ، وبعد

أصحاب السعادة 
أحييكم بتحية الاسلام ، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته 
إخواني وأخواتي 
 تنطلق أسس التسامح والتعايش والحوار في الاسلام من عقيدته ومبادئه ، ولذلك جعله شعاره في تحيته ( السلام) ، حيث إن المسلم حينما يلقى أحداً يعرفه أو لا يعرفه ينبغي أن يحييه بهذه التحية ، ومعناها : أي أنه ألقي إليه سلام الله ورحمته ، وبالتالي فقد التزم بأن يكون الآخر في سلام يَسلَمُ من يده ولسانه ، بل أكثر من ذلك فإن المسلم حينما يدخل في أعظم عبادة وهي الصلاة يختمها بمنح السلام والرحمة والالتزام بهما لكل من كان على يمينه ويساره من الإنسان وحتى بقية المخلوقات إلاّ في حالة العدوان .


 إذن يفتح المسلم باب الحوار مع أخيه الانسان بهذه الكلمات المباركات الممهدات لإظهار نية طيبة نحو الآخر ، بل يعهد بتوفير السلام والرحمة له ، ثم يأمره الاسلام أن لا يكتفي بذلك بل ينطلق إلى التعارف الايجابي مهما اختلفت الشعوب والقبائل والأديان والمذاهب فقال تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )  والتعبير بالتعارف وهو مصدر باب التفاعل الذي هو للمشاركة المتساوية بين الطرفين ، لإشارة الى أن كل واحد يتعرف على الآخر وبالعكس وبنفس الحرص ومقدار المعرفة .


 فهذه الآية الكريمة تبين لنا أن الحوار في الاسلام لا ينبغي أن يكون لأجل الحوار فقط بل لتحقيق مجموعة من الأهداف المعينة من أهمها التعارف أي أن يتعرف كل إنسان على آخر ، وكل قبيلة على خصائص وايجابيات القبيلة الأخرى ، وكل شعب على خصائص الشعب الآخر ، وكل صاحب دين على خصائص أهل الدين الآخر ، لأنه ثبت علمياً وسياسياً أن المشاكل تأتي بسبب جهلنا بالآخر ، وحينما يتحقق التعارف من الطرفين حينئذ يتحقق الهدف الثاني وهو التعامل ، ثم التعاون على البر والتقوى لخير البشرية ، ثم التكامل لصالح الانسانية جمعاء ، حتى تتحقق الرحمة للعالمين وليست للمسلمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ )  ولذلك لم يكتف الاسلام بالأمر بالحوار فحسب بل أمر أن يكون الحوار بالتي هي أحسن فقال تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)   والجدال هو الحوار كما سماه الله تعالى : (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ )  ثم قال : (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)  وفي آية اخرى نهى أن يكون الحوار بغير الأحسن ولا سيما إذا كان مع أهل الكتاب فقال تعالى : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)    ، حيث تدل هاتان الآيتان على أن المسلم يجب عليه أن يبحث عند التحاور والجدال عن أحسن طريقة ممكنة لفظاً وأسلوباً ومحتوى ، ومناسبة مع الظروف ، وأن هذه الوسيلة للحوار يجب أن تتطور وتختلف باختلاف العصور والأعراف ، وذلك لأن لفظ ( أحسن ) نكرة تدل على التغيير والتجديد وهنا يأتي دور وسائل الحوار وأدواته من اللفظ والأسلوب والكتابة والوسائل المتطورة اليوم للتواصل حيث بين الله تعالى في سورة إبراهيم بأن هذه الوسائل لها ثوابت ولكن متغيراتها أكثر ، وأن الحوار يجب أن يكون مثمراً لا عقيماً (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ).


 وقد أشارت الآية الثانية إلى منطلق الحوار حيث يجب أن تنطلق من الثوابت المشتركة ولذلك أمرالله تعالى بعد قوله تعالى : ( وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) أمر : (وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)  فهذه من الثوابت المشتركة بين أهل الأديان


 وحتى يكون الحوار أصلاً ثابتاً مؤصلاً من الثوابت وجزءاً أساسياً في تفكير المسلمين مهد القرآن الكريم لذلك بمجموعة من المشتركات الاساسية بينهم وبين غيرهم من بني البشر لا يختلف فيها اثنان لينطلق إلى واقع ملزِمٍ بالحوار وقيم التسامح ، وهي :

أولاً – أن الاسلام يريد أن يظهر هذه الحقيقة المشتركة وهي أن المسلم يشترك مع أي إنسان آخر في أصل الخلقة ، حيث خلقت جميعاً من التراب ثم من أدم وحواء ، وبالتالي تجمعنا قرابة الأصل حيث أمرنا الله تعالى بأداء هذا الحق حيث قال : ( .. وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)  حيث فسر المفسرون الأرحام هنا بأرحام البشرية ، لأن بداية الآية تبدأ بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ ..)   .  

ثانياً – يؤكد القرآن الكريم على أن كل إنسان أكرمه الله تعالى بروح منه فقال تعالى : (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ )  وقال تعالى : (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ )  .


 وكأن القرآن الكريم يمهد للتعايش السلمي من خلال هذه الروح المشتركة ويعطي للإنسان كرامة لا تضاهي كرامة بسبب وجود روح الله فيه ، حيث أكد ذلك بقوله تعالى (ولقد كرمنا آدم)  .وبناء على ذلك فإن المؤمن بهذه الحقيقة لا يستطيع أن يعتدي على هذا الانسان الذي له هذه القدسية والتكريم من عند الله.  ولذلك جعل الله أزهاق نفس أي نفس بدون حق كقتل الناس جميعاً ( أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ...)  ولذلك يكون قتل هذه النفس بدون حق أشد على الله تعالى من هدم الكعبة حجراً حجراً كما ورد بمثل ذلك الأحاديث .

ثالثاً – اشتراك الانسانية في القيم الانسانية بالنسبة لجميع بني البشر ، وفي القيم الدينية العليا بالنسبة لأهل الأديان ، فالفطرة السليمة والأديان متفقة على مجوعة من القيم العليا مثل قبح الايذاء والكذب ، والفواحش والبغي والظلم ، وذلك يركز الاسلام على هذا الجانب في آياته الجامعة للاسلام فيقول في أجمع آية وأشملها ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)  بل إن الله جمع رسالة الأنبياء والمصلحين في ذلك فقال تعالى (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ ...)  أي ما عرف بالخير بالفطرة والطبع وأكده الوحي ، وينهون عن المنكر فقال تعالى : (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)  .


 فهذه المشتركات التي يركز عليها القرآن الكريم ليس لأجل التعريف بها فحسب ، بل لتحريك المشاعر وتوجيه العواطف نحو الاحساس بالقرب ليتم الحوار في ظل الأجواء الطيبة التي توفر له النجاح .
 ولا يكتفي الاسلام بما ذكر بل يضع المسلمين أمام مجموعة من المبادئ والأسس العامة للتحاور الجاد ولتحقيق قيم التسامح ، ورعاية حقوق الانسان ، ولترسيخ هذه المبادئ  من خلال مجموعة كبيرة من الآيات والأحاديث الشريفة لتحقيق التعايش السلمي ، والقبول بالآخر ، بل لتحقيق التعاون البناء على الخير والعدل ، والإحسان ، ومن أهمها : 
 
مبدأ : الاقرار بالاختلافات القومية ، واللونية ، والفكرية والدينية والعقدية : 
 إن من سنن الله تعالى أن الناس ( مسلمين أو غيرهم ) مختلفون في الأديان والأفكار والأيدلوجيات والتصورات ، فهناك العشرات بل المئات بل الآلاف من الأفكار والأديان والتصورات والمذاهب الفكرية والتوجهات المختلفة في مختلف جوانب الحياة .


  وهذا الاختلاف هو من إرادة الله تعالى ومن سننه الماضية حيث جعلهم مختلفين فيما سبق ، حيث يقول الله تعالى : (ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين ...... )  .  


   وفي نطاق الاختلاف في الأديان والمذاهب والآراء يقول الله تعالى : ( كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم)  وبين الله تعالى أن سننه تقضي وجود هذا الاختلاف حيث يقول  الله تعالى : (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)  ثم كرر ذلك في سورة النحل فقال : ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ولتُسئلّن عمّا كنتم تعملون)  وفي سورة الشورى : (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير)  ويقول تعالى :  (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)  حيث تدل هذه الآيات بوضوح على أن هذا هو شأن الإنسان ، كما يفهم منه قبول هذا الاختلاف مع السعي لتقليله .


 ولكن هذه الاختلافات تقل أو تكثر ، تضعف أو تشتد ، تصغر أو تكبر حسب نسب مختلفة وفئات متنوعة بين المسلم وغيره ، ولكن المشتركات الإنسانية بين جميع بني البشر ، ثم المشتركات في أصول الأديان ، والقيم العليا أكثر ، وأكبر وأعظم من المفرّقات والممزقات وبخاصة في مجال قبول الآخر ، والعيش المشترك ، فقال تعالى (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)  .


مبدأ : سنة التدافع لله تعالى ، وسنة الدفع بالتي هي أحسن لهذه الأمة : 
 ولم يستعمل القرآن الكريم لفظ الصراع ، وإنما استعمل لفظ الدفع والدفاع والمدافعة بدل الصراع  ، فقال تعالى : (إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور)  وقال تعالى : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ..)  وقال تعالى : (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد)  حيث تدل هذه الآيات على سنة التدافع ، وانها من سنن الله تعالى حيث يدفع الظالمين ولكنها لا تدل على تأصيل فكرة الصراع في قلوب المسلمين بأن يتخذوا الصراع منهجاً في تعاملهم ، كما هو الحال بالنسبة لسنة الخلاف والاختلاف فهي سنة ، ومع ذلك لا ينبغي للمسلمين أن يتخذوه منهجاً لهم في التعامل .


 وإنما الذي اكد عليه القرآن لهذه الأمة في كيفية التعامل مع المخالفين في غير حالة الحرب هو منهج الدفع بالتي هي أحسن ما دام ذلك ممكناً فقال تعالى في سورة المؤمنون : (ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون)  وفي سورة فصلت : (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقا الله إلاّ الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم)  .


مقاصد الشريعة في بيان هذه الاختلافات : 
يظهر لي أن من مقاصد الشريعة لبيان هذه الفروقات الدينية والعقدية بين المسلم والآخر هو ما يأتي : 
1- معرفة هذه الحقائق لقبولها والتعامل معها بشكل صحيح .


2- أن يطبق على كل حالة من الحالات السابقة ميزانها الخاص ، فالميزان الخاص بعلاقة المسلم بالكافر الملحد يختلف عن ميزان التعامل مع أهل الكتاب ، كما أن ميزان الحرب هو غير ميزان السلم ، وأن ميزان الأقلية هو غير ميزان الأكثرية .


3- أن الاختلاف سنة من سنن الله تعالى ، ومفهوم في ظل طبيعة الإنسان ، حيث منحه الله تعالى العقل ، والارادة الحرة والاختيار ، وبالتالي يكون من الطبيعي اختلاف إنسان مع آخر في فكره وعقيدته وتصوراته .


4- التكيّف مع الاختلاف ، والقبول به لأجل العيش المشترك ، والتعايش السلمي ، والتعامل ، بل التعاون على البر والخير ومصالح العباد والبلاد .

مبدأ : الاعتراف بكرامة الإنسان مطلقاً وحقوقه : 
اعترف الإسلام بكرامة الإنسان باعتباره إنساناً مع قطع النظر عن فكره وعقيدته ، فقال تعالى : (ولقد كرمنا آدم)  .
 كما جعل الله تعالى الإنسان خليفة في الأرض وزوده بالإرادة والاختيار فقال تعالى : (إني جاعل في الأرض خليفة)  وحينما تدخلت الملائكة لبيان الحكمة من ذلك أثبت لهم بان الإنسان اعلم منهم في مجال الاستخلاف والتعمير .


 وقد أكرم الله تعالى الإنسان بالحرية في مجال العقيدة فقال تعالى : (لا إكراه في الدين)  وحرره من رق العبودية لغير الله ، وسعى بكل ما في وسعه لإعتاق العبد ومنع المثلة والتعذيب وحتى الترويع وأعطى حرمة عظيمة لحرمات الإنسان وخصوصياته وحقوقه ، وممتلكاته ، وساوى بين جميع البشر إلاّ من خلال العمل الصالح فقال تعالى : (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )  .


 وجعل المسؤولية شخصية فقال تعالى : (وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى)  وقال تعالى : (ولا تزر وازرة وزر أخرى)  .

مبدأ : وحدة الأديان السماوية في أصولها ، ومُنْزِِِِِلها الواحد :
 يُرجع الإسلام الأديان السماوية كلها إلى أصل واحد وهو الوحي الإلهي ، وأن شرائع الله تعالى قد انبثقت من مشكاة نور واحد ، ولذلك يدعو الإسلام أتباعه إلى الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين ، والكتب السماوية ، والكتب المنزلة السابقة ، فقال تعالى : (آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير)  وقال تعالى : (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)  .


 ويبين الله تعالى بأنه شرع لهذه الأمة كل الشرائع الأساسية التي شرعها على بقية الأنبياء (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما أوحينا به إلى إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)  .


 وقد ذم الله تعالى الذين فرقوا دينهم فقال تعالى : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) .


 بل إن القرآن الكريم يدعو اتباعه إلى اتباع سنن المرسلين فقال تعالى : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)  .


 وأكثر من ذلك فإن القرآن الكريم جعل لفظ الإسلام اسماً مشتركاً لجميع الأديان السماوية السابقة وعلى ألسنة أكثر الأنبياء فيقول في شأن إبراهيم : (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)  وقال في شان يعقوب : (إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون)  ويقول تعالى : (إن الدين عند الله الإسلام)  .

ونتج عن ذلك : 
1 ـ الاعتراف بالأديان السماوية الحقة ، وبجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم القرآن أو الذين لم يذكرهم ، وفسح المجال لأصحاب الأديان أن يعيشوا في ظل الإسلام .


2 ـ التعامل مع غير المسلمين بالتسامح دون الإكراه والاعتداء فقال تعالى (لا إكراه في الدين)  وقال تعالى : (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر)  وقال تعالى محدداً وظيفة الرسول صلى الله عليه وسلم (ما على الرسول إلاّ البلاغ)  وقال تعالى :(فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما انزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير)  وقال تعالى : (لكم دينكم ولي دين)  وقد أكد الله تعالى هذه المعاني في الآيات التي نزلت بالمدينة مثل قوله تعالى : (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد)  .


 ومن الناحية العملية كانت وثيقة المدينة التي تعتبر بمثابة دستور يحكم أهل المدينة الذين كانوا مختلفين من حيث الدين (الإسلام والشرك واليهودية) ومن حيث الجنس (القحطانيون والعدنانيون واليهود) حيث سوّت بين الجميع في الحقوق العامة والواجبات من حسن الجوار والتناصر وما يسمى في عصرنا الحاضر بحقوق المواطنة .


وقد ظلت الدولة الإسلامية تحافظ على حقوق الذميين والمعاهدين بالكامل ، فكانت لهم مكانتهم ، وبعض المناصب العليا حتى من الوزارات ونحوها  ، يقول (لول ديورانت) : (لقد كان أهل الذمة بدرجة من التسامح لا نجد لها نظيراً في البلاد المسيحية هذه الأيام ، فلقد كانوا أحراراً في ممارسة شعائرهم الدينية ، واحتفلوا بكنائسهم ومعابدهم)  .

مبدأ : احترام النفس الإنسانية حية أو ميتة ولو كانت غير مسلمة :
 فقد دلت النصوص الشرعية على احترام الإنسان من حيث هو إنسان ، كما دلت النصوص على احترام الإنسان وهو ميت أيضاً حتى ولو كان غير مسلم ، فقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال : ( كان سهل بن حنيف ، وقيس بن سعد ، قاعدين بالقادسية ، فمروا عليهما بجنازة ، فقاما ، فقيل لهما : إنها من أهل الأرض ـ أي من أهل الذمة ـ فقالا : إن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام ، فقيل له إنها جنازة يهودي ! فقال : ( أليست نفساً )  .

مبدأ : عدم إكراه أحد على الاسلام ولو كان ولداً لأبيه المسلم : 
  فقد ذكر الطبري والسيوطي بسندهما عن ابن عباس : ( أن أبا الحصين الأنصاري كان له ابنان قد تنصرا قبل الهجرة ولحقا بالشام ، ثم عادا إلى المدينة فلزمهما ، وأراد إجبارهما على الإسلام فأبيا ، ثم احتكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكرهمها على الاسلام وكان حجة والدهما قوله : ( يا رسول الله أيدخل بعضي النار ، وأنا أنظر ؟ ) فأنزل الله تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)  فخلّي سبيلهما) .

مبدأ : أن الأصل في الإسلام هو السلام لا الحرب :
 الحرب في الإسلام لا يلجأ إليها إلاّ في حالة الضرورة ، فهي ليست محبوبة من حيث المبدأ بل هي مكروهة في نفوس المؤمنين فقال تعالى : (كتب عليكم القتال وهو كره لكم ....)  .


 وقد أكد القرآن الكريم ذلك حيث يقول : (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم)  . وقد منّ الله على رسوله محمد وصحبه بأنه منعهم من الوقوع في الحرب فقال تعالى : (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)  وقال تعالى : (  وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا )


 وتدل هذه الآية بوضوح على أن الإسلام دين سلام وعقيدة ، ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله ، وان يقيم فيه منهجه ، وان يجمع الناس تحت لواء الله اخوة متعارفين متحابين ، وهذا الرجاء من الله تعالى معناه القطع بتحققه ، وهذا ما تحقق فعلاً حيث أسلمت قريش ومعظم القبائل المحيطة ، ووقف الجميع تحت لواء واحد ، وطويت الثارات والمواجد.

مبدأ : تقديم الصلح على الحرب حتى ولو كان الصلح فيه بعض الغبْن :
 وقد أطلق الله تعالى الخير على الصلح فقال : (والصلح خير)  وقال تعالى : (...أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس...)  ولم يقل بين المؤمنين فقط ، بل عمم الصلح والإصلاح بين الناس جميعاً ، فذلك الخير والأنفع ، وقال تعالى : (لا خير في كثير من نجواهم إلاّ من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً) .


 وقد بين الإسلام خطورة الإفساد في الأرض وعدم الإصلاح فجعله من الكبائر المحرمات الموبقات ، فقال تعالى : (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد)  وقال تعالى في وصف الكفرة المجرمين : (الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون)  .


 والإصلاح هو رسالة الأنبياء فقال تعالى على  لسان شعيب عليه السلام : (إن أريد إلاّ الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلاّ بالله عليه توكلت وإليه أنيب)   وقد جعل الله التوفيق حليف من يريد الإصلاح دائماً فقال تعالى : (إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)  .


 وربط الله تعالى بين الهلاك والإفساد ، وبين النجاة والإصلاح فقال تعالى : (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون)  .


 وليس الصلح والإصلاح في الإسلام مجرد شعار ، وإنما طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في سيرته العطرة حيث حينما جاء للعمرة ومعه عدد كبير من صحبه الكرام منعهم قريش على الرغم من ان كل الدلائل كانت تشير إلى أن الهدف الأساس هو أداء العمرة ، ولذلك أتوا محرمين ،وساقوا الهدي حتى وصلوا حديبية ، حيث بركت ناقته القصواء ..ثم قال : (والذي نفسي بيده ، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلاّ أعطيتهم إياها)  ثم حاول الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم دخول مكة ، ولكن قريش منعته ، فأرسل رسله تترى لبيان موقفه لهم ، حيث أرسل خراش بن أمية الخزاعي ، فأرادت قريش قتله لولا أن منعهم الأحابيش ثم أرسل عثمان بن عفان فأبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم بأن الهدف هو زيارة الكعبة وتعظيمها ، غيران قريشاً أخرته حتى ظن المسلمون أنها قتلته ، فدعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى البيعة تحت الشجرة  فبايعوه جميعاً على الموت سوى الجد ابن قيس (وكان منافقاً) ثم انتهى الأمر بالصلح الذي في ظاهره تنازل من طرف المسلمين لصالح المشركين ، فمثلاً كتب علي بن أبي طالب عقد الصلح ، وسطر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم  وثيقة الصلح بـ : بسم الله الرحمن الرحيم ، فاعترض ممثل قريش سهيل بن عمرو فقال : أما الرحمن فوالله ما أدري ما هي ، ولكن اكتب : باسمك اللهم ، فقال المسلمون : والله لا نكتبها إلاّ باسم الله الرحمن الرحيم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اكتب باسمك اللهم .


 ثم اعترض سهيل على عبارة : (هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) حيث قال سهيل : (والله لو كنا نعلم انك رسول الله ما صددناك عن البيت ، ولا قاتلناك ، ولكن اكتب : محمد بن عبدالله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (والله إني لرسول الله وإن كذبتموني ، اكتب : محمد بن عبدالله ) فاعتذر علي بن أبي طالب عن مسح كلمة (رسول الله) فأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الكتاب ، فمحاها بيده  .
 ثم اعترض سهيل على بند : (على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به) حيث قال : (والله لا تحدث العرب انا أخذنا ضغطة)  أي فرض علينا ذلك بالقوة .


 ثم اشترط شرطاً تعسفياً غير عادل وهو : (أنه لا يأتيك منا رجل ـ وإن كان على دينك ـ إلاّ رددته إلينا) في حين أن من عاد من المسلمين إلى قريش فإنها لا ترده  .


 ومع ذلك قبل الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الاتفاقية مع تذمر المسلمين منها حيث ضاقوا ذرعاً ببنودها ، وأسلوب الإملاء والصياغة ، حتى قال عمر له : (ألست نبي الله حقاً؟ قال : بلى ، قلت ألسنا على الحق وعدونا على الباطل ؟ قال : بلى ، قلت فلِم نعطي الدنية في ديننا إذاً ؟ قال : ( إني رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)  .


 ومما زاد الطين بلة أنه أثناء الاتفاقية جاء أبو جندل بن سهيل وهو مرسف في قيوده ، وقد خرج من اسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين ، فقال سهيل : هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه ان ترده إليَّ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنا لم نقض الكتاب بعد ، فقال : والله إذاً لم أصالحك على شيء أبداً ) ، ففي صحيح البخاري : (وأبا سهيل أن يقاضي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاّ على ذلك ، فكره المؤمنون ذلك وامَّعضوا ، فتكلموا فيه ، فلما أبى سهيل ...كاتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ...ورد أبا جندل إلى أبيه ...ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد من الرجال إلاّ رده في تلك المدة وإن كان مسلماً ....) .


 وقد غضب المسلمون نفسياً من رد المسلمين الفارين بدينهم حتى قالوا : يا رسول الله تكتب هذا؟ قال :(نعم ، إنه من ذهب إليهم فأبعده الله ، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً)  .


 هذا الصلح الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الشروط وفي ظل حنق المسلمين وغضبهم إن دل على شيء فإنما يدل على مدى أهمية الصلح لدى الرسول صلى الله عليه وسلم بل لدى الإسلام حيث نزلت الآيات من فوق سبع سموات سمته بالفتح (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم : (لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس ) ثم قرأ : (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)  .


 وحقاً كان هذا الصلح فتحاً عظيماً للقلوب حيث دخل في الإسلام من بعد الصلح عام ست من الهجرة إلى عام فتح مكة في ثمان آلاف مؤلفة ، حيث جاء الرسول صلى الله عليه وسلم في صلح حديبية ومعه حوالي 1500 ، في حين جاء في فتح مكة ومعه ثمانية آلاف.


 وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم من أشد المتمسكين بتنفيذ بنود العقود معه ـ كما سبق ـ والمحافظين عليه ، حتى إن بعض شباب قريش الطائشين أرادوا أخذ مسكر المسلمين غرة ، وكان عددهم ثمانين شاباً ، لكنهم أسروا ، فعفا عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأطلق سراحهم  مع أنه كان بالإمكان أن يجعل ذلك سبباً لنقض الاتفاقية ، كما عفا عن سبعين أسيراً أسرهم المسلمون بعد الصلح ، وعن أربعة حاولوا الإيقاع بالرسول فأخذهم سلمة بن الأكوع .


 وروى مسلم في صحيحه بسنده عن انس بن مالك : أن ثمانين رجلاً من أهل مكة هبطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جبل التنعيم متسللين يريدون غرّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، فأخذهم سَلَماً ـ أي أسرهم ـ مسلماً فاستحياهم ، فانزل الله عز وجل : (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم)  .


 وفي هذه الآية دلالة أخرى على أهمية الصلح وعدم الوقوع في الحرب حيث إن الله تعالى امتن بذلك على المؤمنين ، مما يدل على انه من النعم الكبرى ، وان الحرب من حيث هي ليست محببة في الإسلام .
 يقول الشيخ محمد عبدالله دراز : (ومن هنا نرى ان الحرب في نظر الإسلام شرّ لا يلجأ إليه إلا المضطر ، فلأن ينتهي المسلمون بالمفاوضة إلى صلح مجحف بشيء من حقوقهم ، ولكنه في الوقت نفسه يحقن الدماء ، خير من انتصار باهر للحق تزهق فيه الأرواح)  .


مبدأ : العدل والقسط للجميع   : 
 يعتبر هذا المبدأ في الإسلام من اعظم المبادئ التي تقوم عليها الشريعة ، بل تقوم عليه السموات والأرض ، ولذلك تكرر لفظ العدل ومشتقاته في القرآن الكريم ثمان وعشرون مرة ، كما ذكر رديفه (القسط) في القرآن الكريم ....... تناول القرآن الكريم خلالهما أهمية العدل والقسط ، حيث أمر بالعدل والإحسان ، فقال تعالى : (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر )  وقال تعالى : (اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله)  وقال تعالى : (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى )  وقال تعالى : (وأمرت لأعدل بينكم)  وشدد في حرمة عدم العدل مع قوم ولو كانوا أعداء فقال تعالى : (ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألاّ تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ..)  وأمر المسلمين أن يكون حكمهم قائماً على العدل بين الناس جميعاً ،بل جعل العدل أساساً للحكم الإسلامي ، فقال تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)  وشدد الإسلام في اتباع الأهواء والرغبات والمصالح الشخصية ليؤدي ذلك إلى ترك العدل فقال تعالى : (فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا)  وأمر بالعدل حتى مع البغاة الخارجين على الدولة المقاتلين فقال تعالى :(فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين)  .


 بل إن الله تعالى نهى عن التعدد بين النساء إذا أدى إلى الجور وعدم العدل فقال تعالى : (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة)  وجعل العدل شرطاً في قبول الشهادة والحكم ونحوهما ، فقال تعالى : (واشهدوا ذوي عدل منكم)  .


 وتكرر لفظ (القسط) ومشتقاته في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة ، حيث أمر الله تعالى فيها بالقسط مطلقاً أي العدل فقال : (يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط )  وبالقسط في الحكم فقال تعالى : (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين)  ، وبالقسط في النزاعات حتى مع الخارجين عن القانون فقال تعالى : (فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين )  وجعل الله مصير هؤلاء الذين يقتلون العادلين إلى النار والعذاب الأليم فقال تعالى : (..ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم)  وامر ان يكون الوفاء في الكيل والوزن في الماديات والمعنويات بالقسط والعدل فقال تعالى : (وأوفوا الكيل والميزان بالقسط)  وقال تعالى : (وزنوا بالقسطاس المستقيم)  .


 ومن الناحية العملية شهدت السيرة النبوية العطرة وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع الناس جميعاً أروع الأمثلة في العدل والقسط ، وكذلك سيرة خلفائه الراشدين .


فقد حدثت حادثة اتهم فيها يهودي بعض الصحابة بالسرقةـ فدافع عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم حسب ظاهرهم فأنزل الله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا)   .


 فعلى الرغم من أن الإسلام ينشد وحدة الأمة ويريد لهم الخير كله ، لكنه اعترف بالاختلاف في العقائد والأفكار والألوان والأطياف ، حيث يقول القرآن : (كان الناس أمة واحدة) أي بعد ذلك اختلفوا (فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وانزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه...)  وبعد أن ذكر الله تعالى اليهود والنصارى واختلافهم قال : (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات....)  .


 وقد أكد القرآن الكريم أن الاختلاف أحد المقاصد المعتبرة للابتلاء ، فقال تعالى : (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلاّ من رحم ربك ولذلك خلقهم)  .


 وهذه الآيات الكثيرة ومثلها من الأحاديث النبوية تهيئ نفوس المسلمين لقبول الآخرين المختلفين معهم عقدياً وفكرياً وأصولياً وفرعياً ، والتعايش معهم بأمن وأمان ، وهذا ما حدث طوال التأريخ الإسلامي ، حيث عاش غير المسلمين في أكناف الدولة الإسلامية القوية ، وهم يتمتعون بكامل حقوقهم بل تقلدوا مناصب رفيعة في ظلها ، ولم يحدث مثل ذلك في ظل الإمبراطوريات الدينية الأخرى مثل الدولة الرومانية التي كانت تضطهد اليهود ، وغير النصارى ، ثم لا ينسى التأريخ ما فعل الصليبيون بالمسلمين واليهود في الأندلس .

ثناء الإسلام على الأديان السماوية وكتبها وأنبيائها ، ثناءً عاطراً :
 فقد أولى القران الكريم عناية قصوى بالثناء على سيدنا إبراهيم الذي هو جد جميع أنبياء بني اسرائيل ( اليهودية والنصرانية ) وبأولاده وذرياته ، وبسيدنا موسى حيث ذكره القرآن الكريم قصصه في عدة سوره حتى بلغ تكرارها موجزاً ومختصراً أربع عشرة مرة ، كما أثنى القرآن الكريم ثناءً عاطراً على آل عمران وسمى سورة باسمهم ، وعلى مريم التي أيضاً سمى باسمها سورة ، وعلى السيد المسيح ( عليهم السلام جميعاً ) في عدة آيات وسور ، فمساه القرآن : كلمة الله ، ووصفه بأوصاف عظيمة ، بل إن الله تعالى أثنى ثناءً عاطراً على بني اسرائيل عندما كانوا يحملون الدعوة إلى الله تعالى حتى فضلهم على عالمي زمانهم فقال تعالى : (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)  كما أثنى على النصارى بصورة عامة فقال تعالى : (........وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ)  .


  وكذلك ذكر القرآن الكريم التوارة والانجيل بأوصاف جميلة وعظيمة ، فقال تعالى في وصف التوراة : (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)  ، وقال في حق الانجيل : (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ) .


  بل إن الاسلام يشترط لصحة العقيدة واكتمال أركان الإيمان أن تؤمن بجميع الرسل فقال تعالى : (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)  كل ذلك حتى يؤدي إلى كسب اليهود والنصارى ، وإبعادهم عن شبه الصراع ، ولكنهم لم يولوا العناية المطلوبة لكل ما جاء في القرآن العظيم حول ما جاء عن الأديان السابقة ، وكتبها ورسلها ، وحول بني اسرائيل ، والنصارى .. .

مبدأ : عدم تعميم الحكم في الإسلام على الآخرين :
  ومن أعظم الوسائل المقربة لما بين الناس هو أن القرآن الكريم لم يعمم في الحكم على أهل الأديان ، بل ترك مجالاً كثيراً للحوار والتعايش مع الآخرين ، حيث لم يحكم عليهم حكماً عاماً في سوء التعامل أو عدم الصلاح ، وعدم الأمانة ، فمثلاً قال تعالى : (لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ )  وقال تعالى : (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)  وقال تعالى : (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ)  فهذه الآيات تهيئ الأجواء المناسبة للتعايش والتحاور ، والتعاون .

مبدأ : توسيع دائرة المشاركة بين المسلمين وغيرهم لتشمل الجميع حتى الملحدين  :
  فإذا كان الإسلام أعطى هذه المساحة الكبيرة المشتركة للعلاقة بين المسلمين ( نحن ) وأصحاب الديانات السماوية ( اليهود والنصارى ) فإن هذا لا يعني أن الإسلام أعلن الحرب مطلقاً على غيرهم من الملحدين أو المشركين ، والوثنين ، ونحوهم ، بل إنني أستطيع القول : إن سياسة الإسلام هو توسيع دائرة التعايش لتشمل الجميع ـ ما عدا المعتدين ـ .


ومن هذا الباب فإن الله تعالى يدعو جميع المخالفين ـ بمن فيهم الملحدون والوثنيون والدهريون ... ، إلى قاعدة مشتركة بين بني  البشر جميعاً ، وهي البحث عن الحقيقة فقال تعالى : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ قُل لّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ )  .


  فهذه الآية الكريمة دعوة صريحة للجميع بدون استثناء للبحث عن معرفة الحقيقة والهداية ، والباطل ، والضلالة ، ولذلك لم يحكم القرآن عند الجدال بأن الإسلام هو الصحيح ( مع أنه كذلك ) ، ولا على باطل المشركين وشركياتهم بأنه ضلالة ( مع أنه كذلك ) بل ترك الباب للحوار والنقاش .


  ومن بديع هذا الأسلوب المعجز أنه دعا الرسول صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام إلى وصف ما عندهم من الحق بفرضية وصف الإجرام، ووصف ما عند الكفرة بالفعل العادي  حتى لو كان باطلاً وإجراماً لأنهم هم الذين يتحملون مسؤوليتهم ، في حين لم يستعمل هذا الوصف بالمقابل للمقابل للدلالة على أن المحاور يجب عليه أن يحترم ما لدى الآخر ، فلا يحكم عليه في البداية ، وفي اعتقادي أن هذه الآية تعتبر أعظم قاعدة وأوسعها وأرقها وأعذبها ، وأحكمها وأشملها في باب الحوار والتعايش .


والتحقيق ان الإسلام يعترف بمجموعة من دوائر الارتباط والوشائج وإن كان قد جعل وشيجة العقيدة والاخوة الإيمانية هي الأساس ، حيث يريد من خلال التوسع في هذه الدوائر إيجاد أرضيات مشتركة للتقارب والتعايش والتعاون ، والدعوة ، وتلك الدوائر هي:


أ ـ دائرة الإنسانية حيث الجميع من آدم وحواء ولذلك يجيء الخطاب بـ : يا أيها الناس.
ب ـ دائرة القومية ، حيث عبر القرآن عنها بالاخوة أيضاً ـ كما سبق ـ .
ج ـ دائرة من هم أهل الكتاب 
د ـ وأخيراً دائرة الباحثين عن الحق مطلقاً .

مبدأ : أن الجهاد لأجل الحرية الدينية : 
ان إعلان الإسلام الجهاد في أول آية تنزل فيه ؛ لأجل الحرية الدينية ، والمعابد مطلقاً لا بدّ أن يأخذ حيزاً كبيراً في التعامل ، حيث يقول الله تعالى : (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ )  .


مبدأ : أن القتال هو آخر مراحل الجهاد :

 


 ان في تركيز الإسلام ـ  على أن الجهاد في سبيل الله ليس القتال فقط ، بل القتال هو آخر المطاف بشروطه وضوابطه ـ إعطاءً لفرص أخرى من الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة ، ونحوها .

مبدأ: رعاية الحقوق الدينية لغير المسلمين:
حقوق غير المسلمين في ظل الدولة الإسلامية : 
  على ضوء المنهج الذي اخترته ، وهو منهج " فقه الميزان " فإن غير المسلمين في ظل ميزان الحرب تختلف حالهم وحقوقهم فيما لو كان الميزان المطبق هو ميزان السلم ، فعلى ضوء ذلك نقول :

أولاً : إن غير المسلمين اليوم الذين يعيشون في بلاد الإسلام والمسلمين منذ القدم هم مواطنون لهم حقوق المواطنة ، وعليهم الواجبات ، ولا يستثنى من ذلك إلاّ ما نص على استثنائه نص صحيح صريح قطعي الدلالة ، أو ما يتعلق بالحقوق الخاصة الناشئة من دين الأكثرية ، أو الأقلية .
  إن هذا الاستثناء معقول حتى في ظل النظم المعاصرة التي يشترط بعضها ، أو أكثرها في أوروبا والغرب أن يكون رئيس الدولة ممن يدينون بالمسيحية مثلاً ، ولذلك فاشتراط أن يكون الرئيس من دين الأكثرية أمر مقبول ومعقول ومطبق حتى في عالمنا الذي يدعي الديمقراطية ، وذلك لأن مثل هذه الشروط لن تؤثر في جوهر المساواة في الحقوق والواجبات ، ولن تتغير حقوق المواطنة في أركانها وجوهرها .

ويدل على ذلك ما يأتي : 
1) أن الوثيقة ، أو الصحيفة ، ـ أو ما يسمى بدستور المدينة الأول ـ  أعطت حقوق المواطنة والحرية الدينية ، وحق التحالف إلاّ مع الأعداء  كما سبق .

2) إن القاعدة العامة في حقوق أهل الذمة هي : ( أن لهم ما لنا ، وعليهم ما علينا ) حيث قال علي رضي الله عنه : ( إنما قبلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ، ودماؤهم كدمائنا )  .
وهناك نصوص كثيرة في الحفاظ على حقوقهم وحمايتهم ـ كما سيأتي ـ .

3) إن ما فرضه الإسلام على أهل الذمة من الجزية ، والخراج هو من حقوق المواطنة ايضاً ـ كما سبق ـ .
ومن الجدير بالتنبيه عليه أن مصطلح " أهل الذمة " يعني أنهم أهل عهد وذمة الله ورسوله .

ثانيا : إن تفاصيل هذه الحقوق قد ذكرها علماؤنا قديماً وحديثاًَ ، وفصلتها كتب الفقه في المذاهب المعتبرة ، وممن ذكرها بالتفصيل والتأصيل من المعاصرين الأستاذ الدكتور عبدالكريم زيدان ، والعلامة الشيخ يوسف القرضاوي  معتمدين على نصوص كثيرة من الكتاب والسنة نذكرها بإيجاز :

1) وجوب حماية الدولة لهم من الاعتداء الخارجي ، والدفاع عنهم ، ووجوب انقاذ أسراهم ، بل نقل الاجماع على أنه وجب الخروج لقتال من يحاربهم حتى ولو كانوا في بلاد منفردين  ، يقول القرافي : ( إن عقد الذمة يوجب حقوقاً علينا لهم ، لأنهم في جوارنا ، وخفارتنا ، وذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام ، فمن اعتدى عليهم ولو بكلمة سوء أو غيبة في عرض أحدهم ، أو نوع من أنواع الأذية أو أعان على ذلك فقد ضيع ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم وذمة دين الاسلام ، وكذلك حكى ابن حزم في مراتب الاجماع له : أن من كان في الذمة ، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا ان نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم )  .
وقد حدث كثيراً أن الدولة الإسلامية لم تقبل بإطلاق الأسرى المسلمين إلاّ مع إطلاق الأسرى الذميين .

2) حماية ضرورياتهم الست ، وحاجياتهم ، حالهم في ذلك حال المسلمين ، حيث اتفق الفقهاء على ذلك ، وعللوا ذلك بأنهم أصبحوا بعقد الذمة من أهل دار الإسلام ، وعلى ذلك يجب توفير الحماية لنفوسهم ، وأعراضهم ، وأموالهم ، بل أكثر من ذلك ، فإن الدولة يجب عليها حماية ما يعتبرونه مالاً ـ مثل خمورهم ، وخنازيرهم ـ مع أن ذلك لا يعتبر مالاً لو كان لدى المسلم بل يجب اتلافه ، بل لو قام مسلم بإتلاف خمورهم وخنازيرهم وجب عليه التعويض عند الحنفية  .


فعلى الدولة أن تحمي حريتهم الدينية ، وتحافظ على أموالهم ، وأعراضهم وشأنهم في ذلك شأن المسلمين ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل معاهداً لم يَرَحْ رائحة الجنة ، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً )  .


ولذلك ذهب جماعة من الفقهاء منهم الحنفية إلى : أن المسلم يقتل إذا قتل ذمياً ، وهذا رأي : الشعبي ، والنخعي ، وابن أبي ليلى ، وعثمان البتي ، وهو مروي عن الخليفة عليّ ابن أبي  طالب ، وعمربن عبدالعزيز "رضي الله عنهم" ، وهو الذي كان عليه العمل في معظم عصور الخلافة العباسية، وفي الدولة العثمانية ، وذهب المالكية إلى : أنه يقتل به في حالة الغيلة ( أي الخديعة )  . 

3) التعامل معهم بالعدل ، وحمايتهم من الظلم بجميع أنواعه وأشكاله ، حيث يدل على ذلك جميع النصوص العامة الدالة على وجوب الحكم والتعامل على أساس العدل ، وحرمة الظلم ، وبعض النصوص الخاصة بأهل الذمة ، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا من ظلم معاهداً ، أو انتقصه حقه ، أو كلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفس منه ، فأنا حجيجه يوم القيامة ) .


ولذلك اشتدت عناية الخلفاء الراشدين ومن بعدهم بدفع الظلم عنهم ، حتى ان الخليفة عمر رضي الله عنه كان يسأل القادمين من البلاد الإسلامية عن أهل الذمة ، فكان جوابهم : ( ما نعلم إلاّ وفاءً )  وقد روى البخاري في صحيحه عن جويرية بن قدمة التميمي قال : ( سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قلنا : أوصنا يا أمير المؤمنين ، قال : ( أوصيكم بذمة الله ، فإنه ذمة نبيكم ... )  وفي رواية عمرو بن ميمون بلفظ ( وأوصيه بذمة الله ، وذمة رسوله : أن يوفي لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ، وأن لا يكلفوا إلاّ طاقتهم )  .

4) تحقيق التكافل الاجتماعي لهم في حالات الفقر ، والعجز والشيخوخة ، فإذا أصبح المواطن ( غير المسلم ) فقيراً ، أو عاجزاً أو شيخاً مسناً فإن الدولة لا تتركه يتعرض للاهانة والضياع ، بل تنصفه ، وتحميه ، وتقرر له العيش الكريم ، وليس هذا الحكم جديداً ومعاصراً ، بل حدث ذلك في عصر أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، حيث كتب خالد بن الوليد لأهل الحيرة بالعراق وكانوا نصارى ما نصه : ( وجعلت لهم : أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات ، أو كان غنياً فافتقر ، وصار أهل دينه يتصدقون عليه طرحت جزيته ، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام)  .


وروى أبو يوسف وغيره أن عمر رضي الله عنه مرّ بباب قوم وعليه سائل يسأل ، شيخ كبير ضرير البصر ، فضرب عضده من خلفه ، فقال : من أيّ أهل الكتاب أنت ؟ قال : يهودي ، قال : فما ألجأك إلى ما أرى ؟ ، قال : أسأل الجزية ، والحاجة والسن ، فأخذ عمر بيده فذهب به إلى منزله بشيء ، ثم أرسل إلى خازن بيت المال ، فقال : انظر هذا وضرباءه ، فوالله ما أنصفناه ، إذا أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم ... )  .


وقد تكرر ذلك في عصر عمر بن عبدالعزيز ، مما يمكن تسميته بالاجماع على أن الضمان الاجتماعي مبدأ عام يشمل أبناء المجتمع جميعاً : مسلمين ، وغير مسلمين ، فلا يجوز أن يبقى فيه إنسان محروم من ضروريات الحياة وحاجياتها  فقد نص فقهاء الشافعية على أن دفع الضرر عن المسلمين من فروض الكفاية ، وأن ذلك يشمل أهل الذمة ، حيث إن دفع الضرر عنهم واجب ، وأن المراد بدفع الضرر هنا هو : تحقيق الكفاية من المعيشة والمسكن والدواء والغذاء ، وليس ما يسد الرمق على أصح القولين عندهم  .

5) احترام عهودهم وعقودهم مع المسلمين :
فقد ذكر أبو يوسف (ت182هـ) أن أبا عبيدة رضي الله عنه صالحهم بالشام على شروط في مقابل أن يوفر لهم الأمن والحماية من الأعداء ، وحدث أن الروم قد جمعوا جمعاً كبيراً خاف أبو عبيدة أن لا يكون قادراً على حمايتهم ، فكتب إلى ولاته على المدن يأمرهم : أن يردوا على أهل المنطقةما جبي منهم من الجزية والخراج ، وأن يقولوا لهم : إنما رددنا عليكم أموالكم ؛ لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع ، وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم وإنا لا نقدر على ذلك .. ونحن لكم على الشرط ووما كتب بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم ، فلما قالوا لهم ذلك ، وردوا عليهم الأموال التي جبوها منهم ، قالوا : ردكم الله إلينا ، ونصركم عليهم ، قالوا : فلو كانوا هم لم يردوا علينا شيئاً ، وأخذوا كل شيء بقي لنا حتى لا يدعوا لنا شيئاً )  .


يقول أبو يوسف رحمه الله : ( فلما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين لهم ، وحسن السيرة فيهم صاروا أشدّ على عدو المسلمين من المسلمين على أعدائهم ، فبعث أهل كل مدينة ، ممن جرى الصلح بينهم وبين المسلمين رجالاً من قبلهم يتجسسون الأخبار عن الروم وعن ملكهم وما يريد أن يصنع .... )  .

6) حماية حريتهم الدينية : 
فقد أكد القرآن الكريم في آيات كثيرة على الحرية الدينية وعلى عدم إكراه أحد على الدخول في الإسلام فقال تعالى : (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)  ويقول : (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ)   ويقول : (أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ)  .


وقد سبق مزيد من التفصيل حول هذه المسألة ، ولكن الذي نريد بيانه هنا هو : أن العهود والمواثيق التي تمت بين المسلمين وغيرهم عند عقود الصلح والجزية ومافيها من شروط ما هي إلا لأجل أن يراعي غير المسلمين مشاعر المسلمين ، وحرمة دينهم  وعدم إثارتهم ، وعدم إثارة الفتنة .


وقد شهد المنصفون من المستشرقين والمفكرين الغربيين بهذه الحرية الدينية التي لم يشهد لها التأريخ مثلها ، يقول غوستاف لوبون : ( رأينا من آيي القرآن التي ذكرناها آنفاً : أن مسامحة محمد لليهود والنصارى كانت عظيمة إلى الغاية ، وأنه لم يقل بمثلها مؤسسو الأديان التي ظهرت قبله كاليهودية والنصرانية على وجه الخصوص ، وسنرى كيف سار خلفاؤه على سننه ، وقد اعترف بذلك التسامح بعض علماء أوروبا...)  .


 ولكن رعاية الحرية الدينية تختلف عن أن تصل إلى الاعتداء على حقوق الآخرين ومقدساتهم مثل ما حدث من الرسوم المسيئة ، والأفلام الشائنة الهابطة التي تحدثت عن رسول الرحمة للعالمين صلى الله عليه وسلم .


 ومع ذلك فنحن في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بتعاوننا مع وزارة العدل القطرية لم نرفع شعار منع ازدراء الأديان بشان الإسلام فقط بل بشأن جميع الأديان حتى غير السماوية ، ولما سألتنا وزارة العدل حول تعميم ذلك لجميع الأديان في مشروعها العظيم إلى جامعة الدول العربية ، أجبنا بنعم ؛ لأن الازدراء والسبّ ممنوعان فقال تعالى : (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ )  ، وإننا سنعقد قريباً مؤتمراً حلو : احترام الأديان بالتعاون بين الاتحاد ووزارة العدل ، ووزارة الأوقاف وتحت رعاية حضرة صاحب سموّ أمير البلاد حفظه الله .


7) حرية العمل والمعاملات والعقود والأنكحة حسب معتقدهم : 
إن القاعدة العامة أن أهل الذمة في المعاملات ، وحرية العمل والاكتساب مثل المسلمين إلاّ أن لهم التعامل في بعض المحرمات في ديننا، يقول الجصاص الحنفي : (إن الذميين في المعاملات والتجارات كالبيوع وسائر التصرفات كالمسلمين )  وصرح الكاساني بذلك بقوله : ( كلما جاز من بيوع المسلمين جاز منه بيوع أهل الذمة ، وما يبطل ، أو يفسد من بيوع المسلمين يبطل ويفسد من بيوعهم إلاّ الخمر والخنزير )  ، واستثناء الخمر والخنزير عند الحنفية مقيد بما إذا تم التعاقد عليها فيما بينهم ، أما إذا تم التعاقد بينهم وبين المسلمين فإن العقد باطل أو فاسد  وأما جمهور الفقهاء  فلم يستثنوا ذلك ، قال الشافعي : ( تبطل بينهم البيوع التي تبطل بين المسلمين كلها ، فإذا مضت واستهلكت لم تبطلها ، فإن جاء منهم رجلان  تبايعا خمراً ولم يتقابضاها أبطلنا البيع ، وإن تقابضاها لم نرده ، لأنه قد مضى )  .


غير أن الفقهاء ـ حتى غير الحنفية ـ صرحوا بأن الدولة الإسلامية  لا تتعرض إلى عقودهم الواردة على الخمور والخنزير ما دامت فيما بينهم ، لأن مقتضى عقد الجزية لغير المسلمين تركهم وما يعتقدون جوازه  ، وإنما الخلاف بين الجمهور والحنفية في أن الخمر والخنزير مال متقوم في حقهم وبالتالي يجب على متلفهما المسلم التعويض والضمان مستدلين بما كتبه عمر إلى عماله بالشام ، حيث منعهم من أخذ الميتةة والخنزير والخمر ، فقال عمر : ( لا تفعلوا ، ولكن ولّوا أربابها بيعها ، ثم خذوا الثمن منهم )  .


وهم يقرون على أنكحتهم فيما بينهم حسب معتقداتهم ، إضافة إلى جواز أن يتزوج المسلم من كتابية بنص القرآن الكريم : ( .... وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ... )   .

8) تولي وظائف الدولة : 
لأهل الذمة الحق في تولي وظائف الدولة إلاّ ما تغلب عليه الصبغة الدينية ، أو ما يقتضيه دين الأغلبية ـ كما سبق ـ وقد أجاز الفقهاء أن يتقلدوا ( وزاة التنفيذ )  وهو مصطلح في مقابل ( وزارة التفويض) التي تعني أن يفوض الإمام أمر الحكم إلى الوزير ليديره حسب رأيه ، وهذه سلطة شبه مطلقة ، أما وزارة التنفيذ فيعنى بها تنفيذ أوامر الإمام ، فهي على ضوء ذلك تشمل جميع الوزارات السائدة في وقتنا الحاضر ، بل تشمل رئاسة الوزراء ، وذلك لأنها اليوم مقيدة بالقوانين واللوائح المعتمدة من مؤسسات الدولة وان مرجعها إلى رئاسة الدولة .


يقول الماوردي : ( وأما وزارة التنفيذ فحكمها أضعف ، وشروطها أقل ، لأن النظر فيها مقصور على رأي الإمام وتدبيره ، وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعايا والولاة يؤدي عنه ما أمر وينفذ عنه ما ذكر ، ويمضي ما حكم ، ويخبر بتقليد الولاة ، وتجهيز الجيوش ، ويعرض عليه ما ورد من مهم ، وتجدد من حدث ملم .... ) ثم قال : ( ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة )  .


وقد شهد التأريخ الإسلامي أمثلة كثيرة من تولي الوزارة والمناصب العامة لغير المسلمين ، فقد تولى الوزارة في عصر العباسيين عدد غير قليل من النصارى ، مثل نصر بن هارون (ت369هـ) وعيسى بن قسطورس (ت380هـ)  يقول المؤرخ الشهير آدم مينز : ( من الأمور التي تعجب لها كثرة عدد العمال " الولاة وكبار الموظفين والمتصرفين" غير المسلمين في الدولة الإسلامية ، فكان النصارى هم الذين يحكمون المسلمين في بلاد الإسلام ، والشكوى من تحكيم أهل الذمة في أبشار المسلمين شكوى قديمة .... )  .


يقول السيوطي : (وكان أبو سعد التستري اليهودي يدير الدولة ( أي العبيدية ) فقال بعض الشعراء :


يهود هذا الزمان قد بلغـــــوا   غاية آمالهم وقد ملكوا


المجد فيهم والما ل عندهُــــمُ   ومنهم المستشار والملكُ
يا أهل مصر إني نصحت لكم               تهودوا ، قد تهود الفلك


 وقد ذكر السيوطي عدداً من الوزراء وهم باقون على ديانتهم اليهودية ، أو النصرانية  مثل : بهرام الأرمني النصراني ، فتمكن من البلاد ( أي مصر ونحوها في الدولة العبيدية ) وأساء السيرة  .

وسائل مساعدة للتسامح والتراحم : 
‌أ) من أهم الوسائل المساعدة للتسامح والتراحم أن الإسلام أجاز للمسلم أن يتزوج من نساء اهل الكتاب ، وبالتالي تصبح الكتابية زوجته ، وأم أولاده ، وإخوانها نسائبه ، وأخوال أولاده ، وأمها بمثابة والدته وهي جدة لأولاده ، وأبوها جد لهم ، وهكذا ، فيصبح بين المسلمين وأهل الكتاب مصاهرة وقرابة لها حقوق ونفقات وتكافل ، وقد أمر القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين حتى ولو جاهدا على إضلال أولادهما فقال تعالى : (وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) .


‌ب) وكذلك فرض الإسلام حقوقاً حتى للجار غير المسلم ، وبالتالي فإن جميع النصوص الواردة في حقوق الجوار المطلق تشمل الجار غير المسلم  .

 

 

‌ج) الالتزام بالآداب الراقية عند الجدال حيث خصّ الله تعالى الجدال مع أهل الكتاب بأن يكون بالأحسن صورة وشكلاً وأسلوباً ولغة ومنطقاً ، فقال تعالى : (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)  .


‌د) تطبيق الأخلاقيات الراقية في التعامل ، فقد طبق الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك في حواراته معهم ، وفي تعامله معهم ، حيث كان يزورهم ويحسن إليهم ويعود مرضاهم ، بل يسمح لهم أن يصلوا صلاتهم في مسجده عرضاً ، فقد روى علماء السيرة بسندهم : أنه لما قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر ، فحانت صلاتهم ، فقاموا يصلون في مسجده ، فأراد الناس منعهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( دعوهم ) فاستقبلوا المشرق ، فصلوا صلاتهم )  .


وقد علق على ذلك ابن القيم فقال : ( ففيها : جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين ، وفيها تمكينهم من صلاتهم بحضرة المسلمين ، وفي مساجدهم أيضاً إذا كان ذلك عارضاً ...)  .


ثم قال : ( والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل في جدال الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم إلى أن توفي ، وكذلك أصحابه من بعده ، وقد أمر الله سبحانه بجدالهم بالتي هي أحسن في السورة المكية والمدنية ... وبهذا قام الدين ، وإنما جعل السيف ناصراً للحجة ...) .


بل أكثر من ذلك فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قبل هدايا أهل الكتاب واحترمهم حتى كان يقف عندما تمر جنازة أحدهم ، وعندما سئل عن ذلك قال : ( أليست نفساً ) فقد روى البخاري ومسلم بسندهما عن جابر بن عبدالله ، قال : ( مرّ بنا جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وسلم فقمنا به ، فقلنا : يا رسول الله : إنها جنازة يهودي ، قال : (إذا رأيتم الجنازة فقوموا )  ورويا كذلك عن سهل بن حنيف ، وقيس بن سعد : أن النبي صلى الله مرت به جنازة فقال ، فقيل له : إنها جنازة يهودي ، فقال : ( أليست نفساً ؟)   ، قال الحافظ ابن حجر : ( ومقتضى التعليل بقوله " أليست نفساً " أن ذلك يستحب لكل جنازة )  وذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب ذلك ، لورود الأمر بها في عدة أحاديث في الصحيحين  ، والراجح هو الاستحباب لحديث علي رضي الله عنه : ( ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قام ، ثم قعد )  حيث حمل قعوده لبيان الجواز فقط  .


أيها السادة الكرام 
 إن القرآن الكريم لو نظرنا إليه من الناحية الحوارية لوجدناه كتاب حوار في معظم آياته وقصصه ، ولأعطانا قدوة عظيمة في كيفية الحوار في أرقى معانييه ، وأجمل حليه وأعظم مراتبه فقد ذكر لنا نماذج راقية من الحوار بين الله تعالى وبين الملائكة وبينه وبين الشيطان ، بينه وبين آدم ، وبينه وبين الرسل والنبياء ، كما استعرض القرآن مجموعة من الحوارات الراقية ، كما استعرض القرآن مجموعة من الحوارات الراقية بين الرسل والفراعنة والطغاة والجبابرة .


 فعلى سبيل المثال حينما عرض الله تعالى أمر خلق آدم وجعله خليفة في الأرض قال الملائكة : (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)  أجابهم رب العزة بمنتهى اللطف وبالأدلة والبراهين والامتحان بينهم وبين آدم في العلم الذي هو مفتاح الكون ، حيث تبين لهم  أنهم ليس لهم هذا العلم الاستنباطي المناسب لتعمير الأرض في حين أن آدم لديه هذا العلم ، وكُلٌّ خُلِقَ لما يُسِّرَ له فاقتنع الملائكة بذلك فسجدوا له .


 فكأن الله تعالى يضرب لنا المثل حتى يكون قدوة لأهل القوة والسيطرة أن لا يتركوا المشورة والحوار مع من تحت أيديهم ، ويسمعوا لآرائهم ويصبروا عليها ، ويبذلوا كل جهودهم لاقناعهم بالرأي المطلوب دون إجبار وإكراه .


 وفي انموذج الحوار بين الله تعالى وبين الشيطان نجد أبعاداً أخرى وهي السعي للحوار ومحاولة إقناعه بالنصح والبراهين قد امر الله تعالى الشيطان أن يسجد لآدم فقال : ( أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا  قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا  قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا )   فالله تعالى استجاب له فاعطاه المهلة ولكن بأسلوب لطيف ردّ على تهديد ابليس (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا )   وفي سورة الحجر طلب الشيطان النظرة إلى يوم يبعثون حيث قال : (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ )   .


 وفي حوار راق عظيم بين سيدنا موسى عليه السلام وفرعون الذي ادعى الالوهية نرى أن الله تعالى يأمر موسى وأخاه أن ( اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى )    .
فالقرآن الكريم  حقاً مدرسة للحوار وشفاء لأمراض القلوب التي بسببها تشقى الانسانية .

تطبيقات عملية في سيرة رسولنا العظيم وخفائه الراشدين : 
فلننظر إلى حلم الرسول صلى الله عليه وسلم في حواره مع الجاهليين المشركين كم صبر على الأذى ، وعلى حواره مع اليهود والنصارى وكم تحمل بل لم يكتف بذلك بل وضع أول دستور لكيفية العلاقة بين المسلمين وغيرهم في وثيقة المدينة التي يتعلق حوالي 27 بنداً منها بحقوق اليهود وواجباتهم ، أي حقوق المواطنة، وكذلك تَعامَل سيدنا الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج الذين حملواعليه السلاح وكفروه ، وأصحابه وبغوا عليه فقال : إخواننا بغوا علينا ، فأرسل إليهم ابن عباس وحاورهم ورجع بسبب حواره معهم أكثرهم ، وقصدنا أن علياً لم يكفرهم لأنه كفروه ولم يقاتلهم لأنهم قاتلوه ، وإنما بدأ بالحوار إلى آخر احتمال، وتركهم، ولم يبدؤا بالهجوم وهددوا الأمن لتركهم لفترة أطول .

أيها الاخوة والأخوات 
 إن عالمنا اليوم ما أحوجه الى هذه القيم السامية للحوار والتسامح ورعاية الحقوق، وما أحوجه الى هذه الأخلاقيات العظيمة في ظل الأزمان الأخلاقية المدمرة حيث أصبح عالمُ الحروب والمدمرة والصراعات الفتاكة ، والخلافات المفرقة ، والفوضى الهدامة ، والنزاعات حتى داخل الأمة الواحدة ، بل داخل اشعب الواحد ، بل الدولة الواحدة والبلد الواحد ، وقد أدت هذه الصراعات والنزاعات إلى أكثر ن 400 حرب داخلية وخارجية في عالمنا الثالث خلال العقود الخمسة الأخيرة ، فأكلت الأخضر واليابس ، وتركت عالماً غير مستقر تنزف منه الدماء كالأنهار ، ويزداد الفقر والمجاعة والتخلف كل ذلك بسبب انعدام لغة الحوار ، وعليه منطق القوة على وقة المنطق ، وهيمنة السلاح على البيان .


  وأمام هذه المآسي علينا نحن البشرية عموماً ، والمسلمين خصوصاً مسؤولية كبيرة جداً وهي السعي إلى المنهج القرآني في الاعتمدا على الحوار في التعامل ونشر قيم التسامح والتراحم ، بدل التصارع والتزاحم والتكالب والتقاتل وتسريخها والدفاع عنها بكل ما أوتينا من قوة ، كل في موقعه ، وتحضرني قصة رمزية تقول : أنه عندما رمي سيدنا إبراهيم عليه السلام في النار اجتعمت الطيور فقال : لا بدأ أن نعمل شيئاً ، فبدؤوا يأتون بقطرات بسيطة لاطفاء النار المشتعلة فنحن اليوم كذلك علينا أن يسعى كل في موقعه : القادة حسب قدراتهم وسلطاتهم ، والعلماء بدعوتهم وخطبهم ، والأعلاميمون بوسائل إعلامهم ، وهكذا كل في موقعه لأجل أن نحل مشاكلنا بالحوار لا بالحروب ، وأن نتعامل مع الآخر بقيم التسامح للوصول إلى التعاون البناء لصالح الانسانية جمعاء ، للوصول إلى الحفاظ على كرامة الانسان وحقوقه التي تداس عند الحروب والصراعات وفي ظل الاستبداد والدكتاتورية .


 وما نراه اليوم في سورية العراق وبنغلاديش وباكستان وأفغانستان والسودان ومالي وغيرها من العالم الاسلامي إلا بسبب تبني منهج العنف والصراع بدل الحوار والتسامح ، فنحن جميعاً نعلم أن الشعب السوري طالب منذ أكثر من سنتين يتحقيق الحرية لهم فقط من خلال المظاهرات السلمية ، والتي حاولت الابقاء على سلميتها لمدة ستة أشهر ، ولكن النظام قابلها بالقتل والتدمير والقصف المدفعي وبالطائرات ومختلف الأسلحة الفتاكة ، وقد قتل منهم إلى الآن أكثر من مائتي ألف شخص وجرح المئات ودمرت الملايين وشرد أكثر من خمسة ملايين في الداخل والخارج ، فالنظام الى الآن لا يرضى ترك السلطة للشعب وإنما يعامل بالحديد والنار لذلك يجب على العالم نصرة هذا المظلوم .


 وبهذه المناسبة أود أن أذكر من باب بيان الحق أن قطر شعباً وأميراً وحكومة تبذل كل جهدها لسيادة الحوار ونشر ثقافة التسامح وانها لا تكتفي بالقول ، بل كان لها جهود عظيمة ومشكورة في لبنان ، وفي السودان وبخاصة في دارفور وفي أماكن أخرى ، كما أن دولة قطر هي مقر لثلاث مؤسسات في غاية من الأهمية ، وهي مركز الحوار بين الأديان الذي قام بمجموعة من الأنشطة المهمة خلال السنوات السابقة ، ولا زالت ، ومركز الأخلاق والتشريع التابع لجامعة حمد بن خليفة آل ثاني حفظه الله الذي له دور في التأصيل والتنظير والتاطير ، وأما المؤسسة الثالثة فهي الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يضم علماء الأمة من مشرقها إلى مغربها ومن شمالها إلى جنوبها والذي يرأسه الشيخ يوسف القرضاوي ، ومجلس الأمناء الذي يضم ممثلي العلماء في العالم ، والذي أتشرف أنا أن أكون الأمين العام له ، فله دور عظيم في الحوار أيضاً فقد وفقنا الله تعالى لاتمام الصلح بين القرغيز والاوزبك في قرغيزيا وكذلك في الشيشان ، وداغستان ، وكتبنا وثيقة للحوار ، والبعد عن العنف في روسيا ، ولنا جهود طيبة في الصومال وغيرها .


 ولا ننسى أيضاً جهود المنظامت الدولية والاسلامية والعربية الحقوقية والاهلية لنشر ثقافة الحوار في العالم أجمع فلهم شكرنا وتقديرنا ، ولعلنا جميعاً ان نخرج من دائرة التنظير والتأصيل إلى دائرة التفعيل ولذلك أقترح أن تدرس ثقافة الحوار وقيم التسامح بدءاً من الروضة إلى المدرسة والجامعة كما أن علينا التركيز على دور الخطباء في المساجد ودور الاعلاميين بالاضافة إلى دور البيت الأساس .
 وفي إطار دور البيت والأسرة يعلمنا القرآن الكريم كيفية إدارة البيت للحوار الداخلي حيث يطلب القرآن أن يكون التعامل بين المسلمين جميعاً على أساس التشاور والتحاور (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ )   ولكن داخل البيت عبر القرآن الكريم بأسلوب يدل على أن التحاور بين الزوج والزوجة يجب أن يستمر لغاية الوصول إلى التوافق ، وليس فرض رأي على آخر حيث يقول : (... فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا)   حيث عبر بلفظ  (تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ) وهما من باب مشاركة باب التفاعل التي يكون يكون الطرفان متساويين ، ولا يعطي الأولوية هنا للزوج ولا للزوجة ، وحتى ليس للزوج حق الترجح بحكم إدارته للبيت، لأنها ليست رئاسة، وإنما إدارة فقط، وإنما لا بد من التحاور حتى يتم الوصول إلى التراضي منهما .


 فلو انتشرت هذه الثقافة بين الزوج والزوجة أي الوالدين ورأي الأولاد أنهما في تحاور مستمر في كل شيء حتى يتم التوافق بينهما لأنجبنا جيلاً عظيماً ولكن مع الأسف الشديد اصبح التحاور بين الزوج والزوجة مفقوداً لدى كثير من الناس وحتى لو وجد التحاور لطغى الزوج في الغالب وانفرد برأيه أو بالعكس، وأن لغة الفرض والتهديد والاستعلاء هي المهيمنة، وهي في حقيقتها دليل على الافلاس، ولذلك نجد تحملاً لدى جيلنا عند الجدال والتحاور والله المستعان .   

مقاصد الشريعة من كل ما ذكر : 
 إذا تدبرنا في القرآن الكريم ، والسنة النبوية ، وسيرة رسولنا الرحيم صلى الله عليه وسلم لتوصلنا إلى النتائج الآتية :


(1) إن هذا الدين قد أنزله الله تعالى ليكون شفاءً لأمراض القلوب ، وعلاجاً لأدواء النفوس وشهواتها ، وبلسماً شافياً لكل ما يعاني منه الإنسان ، ونوراً وضياءً ، وإخراجاً من ظلمات الكفر والجهل والتخلف إلى نور الهداية والعدل والحرية ، والعلم والتقدم والتحضر.


وأن الله تعالى أرسل رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) .


(2) إن هذه الأمة هي أمة الدعوة ، وان واجبها توصيل الهداية والرحمة إلى العالمين فقال تعالى : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )  ، وهذا يعني وجوب قيام طائفة بواجب الدعوة إلى الخير ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وذهب آخرون إلى أنه للبيان وبالتالي يكون الوجوب شاملاً لجميع أفراد الأمة .


 ولا مانع من حيث اللغة إرادة المعنيين بأن يقوم العلماء بواجب الدعوة الشاملة لجميع أحكام الإسلام ، وأن يقوم كل فرد بواجبه حسب استطاعته كمال النبي صلى الله عليه وسلم : (بلغوا عني ولو آية)  فوجود طائفة من العلماء يتفرغون للدعوة إلى الله تعالى ويقومون بالحفاظ على ثوابت الإسلام ومقوماته فرض كفاية ، في حين أن على كل فرد أن يدعو إلى الخير ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر بقدر استطاعته.


(3) إن القتال في الإسلام ليس إلاّ دفاعاً عن الأمة ودينها ، وردعاً للعدوان ، فلو تدبرنا القرآن الكريم وسيرة نبي الرحمة لوجدنا أن جميع الآيات التي فيها القتال مقيدة بالعدوان ، كما أن جميع غزوات النبي صلى الله عليه وسلم كانت دفاعاً ، وردعاً ، ووقاية ، فقال سبحانه : (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ )  وقال تعالى : (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ )  وقال تعالى : (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ )  .


 بل إن الله تعالى ذكر أهمية العهد حتى في القتال حيث قال : ( وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .


 ثم إن القتال في سبيل الله حتى عندما يكون لردع العدوان له شروطه ، فلا يجوز أن يعلنه إلاّ من خلال الدولة الإسلامية ، أو أهل الحل والعقد الذي يمثلون المسلمين .


 وحتى يكون القتال بشروطه جزءاً مكملاً استعمل القرآن الكريم كلمة جميلة ولكنها ظلمت من أهلها من أعدائها ، وهي كلمة : الجهاد ويراد به بذل الغاية من الجهد البدني والمالي والفكري لحماية الأمة والدفاع عنها والنهوض بها ، حيث إنه مشتق من الجهد الذي الذي اشتق منه الاجتهاد الذي يعني : بذل الغية في جميع العلوم فالجهاد صنوا الاجتهاد ، وبهما يتحقق للأمة السيادة والقوة ، والتقدم والحضارة.


(4) أن الله تعالى خلق الأرض - بل الكون كله - للإنسان فجعله خليفة في الأرض ليعمرها لا ليدمرها ، وليخدمها ويصلحها ؛ لا أن يضرّ بها أو يفسد فيها ، فهي للجميع وليست لفئة معينة فقال تعالى : (وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ)  أي أن الله تعالى خلق الأرض لجميع المخلوقات على الأرض بما فيها الحيوانات والأشجار والنباتات ، فالجميع له حق فيها ، وعلى المسلم أن يعلم ذلك بأن لجميع البشر من غير المسلمين ، بل لجميع الخلق حقوقاً يجب عليه أن يحافظ عليها ، وأن لا يأخذ حق غيره ، بل عليه أن يعطي كل ذي حق حقه كما أمر بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم : ( فأعط كل ذي حقّ حقه)  .


 فهذه الآية الكريمة من أقوى الأدلة على ضرورة التعايش السلمي بين جميع البشر مهما اختلفت الشعوب والأقوام ، أهل الأديان والتصورات ، وأن هذه الاختلافات من سنن الله تعالى لأجل التعارف والتحاور والتعاون لخدمة الجميع .


(5) أن ما ذكرناه في هذا البحث الموجز دليل واضح على أن الحوار بين المختلفين عرقياً ، ودينياً ومذهبياً وفكرياً هو فريضة شرعية ، وضرورة فطرية ، وإنسانية للتعايش السلمي والحفاظ على أمن البشر وسلمه وتقدمه ورخائه ، إذْ بدونه يكون الطريق الوحيد الحرب التي تدمر وتضر ولا تنفع.


 فما دام الحوار متاحاً وحرية التعبير مصانة فلا يجوز شرعاً التفكير في الخصام والعراك والحروب ، ولو لم يخرج المشركون الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه من مكة ، ولم يمكروا بقتله ، أو سجنه صلى الله عليه وسلم لما خرجوا ، فقال صلى الله عليه وسلم لمكة : ( ما أطيبك من بلدة وأحبك إليّ ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك )   .


 فهؤلاء الجاهليون لم يسمحوا بالحوار ولا بحرية الدعوة إلى الله تعالى ، بل وقفوا ضدها بكل الوسائل وقتلوا من المستضعفين وفتنوا المسلمين والمسلمات ولذلك اضطر الرسول والصحابة إلى الهجرة .


(6) إن الإسلام يدعو الجميع دون النظر إلى دينه ولونه وعرقه إلى التعاون البناء لتحقيق الخير والإحسان والتقوى ، ودرء الشرور والبغي والعدوان فقال تعالى : (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )  فلم يذكر القرآن الكريم نوعية المتعاونين ولا دينهم ، وإنما اشترط شرطاً واحداً وهو أن يكون التعاون لأجل البر والإحسان والتقوى ، ولا يكون على الاثم والعدوان ، ولذلك رحب الرسول صلى الله عليه وسلم بحلف الفضول  الذي تمّ بين الجاهليين المشركين.


(7) أن التجارب المريرة التي مرت بها الأمم لتدل بوضوح على أن الحروب - وبخاصة الحروب الداخلية - ترتبت عليها آثار خطيرة على الإنسان ونفسيته ، وأسرته ، وعلى الأطفال والحيوان والبيئة ، من حيث القتلى والجرحى ، والاعاقة ، واللجوء والدمار في الممتلكات ، والمجاعات ، والأمراض والفقر ، والتأخر والتخلف العلمي ، واستنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية .


 ولذك منّ الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بأنه منع عنهم الحرب والقتال في غزوة الأحزاب فقال تعالى : ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً) .


 وفي صلح الحديبية - كما سبق - اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم على الحرب مع قريش على الرغم مما فيه في الظاهر من غبن للمسلمين حتى إن بعضهم وعلى رأسهم عمر أبدوا عدم اترياحهم من هذا الصلح ، ثم تبيّن لهم أنه حقاً فتح من الله وبياناً لأهمية الصلح لسماه الله تعالى في القرآن الكريم بالفتح المبين حيث نزلت فيه سورة الفتح فقال تعالى : (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً)  .


(8) إن الغاية من خلق الإنسان هو العبودية لله تعالى بمعناها الشامل التي تشمل الالتزام بكل ما أمر الله تعالى ، والانتهاء عما نهى الله عنه ، ومما لا شك فيه أن الأوامر والنواهي في مجال تعمير الأرض والمعاملات قد تزيد عن مصلها في الشعائر التعبدية .


 وإذا حصرنا (العبودية) في معناها الخاص بأداء الشعائر التعبدية ، فإن رسالة الإنسان وسبب اختياره ليكون خليفة في الأرض بدل الملائكة هو تعمير الأرض بما يحقق الخير والتنمية والسعادة للجميع فقال تعالى : (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)  ولذلك قال الإمام المحقق الجصاص (وغيره) بان تعمير الأرض واجب شرعي .


(9) إن الإسلام مبني على العلم حتى كلمة التوحيد سبقها الأمر بالعلم بها فقال تعالى :( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)  وذلك جاءت أول سورة من القرآن الكريم هو الأمر بالقراءة المطلقة الشاملة للكتب ، والكون ، والإنسان فقال تعالى : (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ)  حيث بهذه القراءة الشاملة غيّر الإسلام مسارات الحركة التأريخية - التي كانت القراءة فيها إما للكتب الدينية فقط ، أو للكتب الفلسفية والعقلية والدنيوية فقط - للقراءة الشاملة لهذين النوعين ، ثم أضاف إليهما قراءة الكون والإنسان التي يترتب عليها التقدم العلمي والاكتشافات لذلك أدعو إخواني وأخواتي جميعاً إلى تنفيذ هذا الأمر الإلهي الذي به تتحقق للأمة القوة والحضارة والرفاهية والتقدم ، وتتحقق مقاصدها في الدنيا والآخرة .


(10) الحذر الشديد من مؤامرات دولية وصهيونية ومن المتربصين الطامعين في ثرواتنا والذي لهم تأريخ مؤلم في الاحتلال ونهب الثروات ، حيث إن شعارهم ( فرّق تسُدْ) ولذلك يبحثون عن أي شيء يفرقنا ، فمرة باسم القومية ومرة باسم الطائفية ، ومرة باسم الدين ، وهكذا ، وهم يريدون بذلك إشعال نيران الفتن المتنوعة  لنظل مستضعفين ، متفرقين ، لعيتمد الفرقاء المتخاصمون عليهم - كما قيل : ستظل جميع خيوطهم بأيدي هؤلاء.


 ولننظر إلى التأريخ الحاضر والمستقبل ، فما الذي حققته الحروب الداخلية والعنف والإرهاب على جميع المستويات سوى الشرور والخسران..
 لذلك أنصح - بكل إخلاص - أنْ نصبر ، ونعالج مشاكلنا بالحكمة والحوار والصبر والثبات.
 
تلك عشرة كاملة من النصائح تمخضت عن هذا البحث ، نسأل الله تعالى أن يجعلها نافعة لصاحبها ، ولجميع المسلمين .. آمين .

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين ، 
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم 


اترك تعليق