بين الصدام والمهادنة: "العلاقة الشائكة" بين الإسلاميين والسلطة في موريتانيا

By : د.محمد سيد أحمد فال الوداني

جاء قرار السلطات الموريتانية بحل جمعية المستقبل ذات التوجهات الإسلامية مؤخرًا، ليُثير تساؤلات عديدة عن طبيعة العلاقة الشائكة والممتدة بين الأنظمة السياسية وجماعات الإسلام السياسي التي تحولت من فاعلٍ سياسي سري إلى فاعل حزبي يلعب دورًا في التوازنات السياسية. فهل سيشكل حل جمعية المستقبل بداية للمواجهة والصدام، أم لامتصاص الصدمة والانسجام؟ وهل سيكون حلها بداية لفتح ملف العلاقة بين الإسلاميين والسلطة، أم مرحلة متقدمة من تبادل للرسائل المشفرة بين طرفين يعرفان بعضهما جيدًا, فتدرك السلطة خطورة المواجهة المباشرة، ويعرف الإسلاميون مخاطر ومزالق ميادين الصراع؟.

فلقد شهدت المنطقة العربية ظهور تيارات وحركات إصلاحية إسلامية عديدة في القرن العشرين أصبح لها حضور سياسي مؤثر، ولم تكن موريتانيا مستثناة من بروز هذه الحركات، على اختلاف رؤاها وبرامجها؛ حيث برزت فيها جماعات وتيارات إسلامية من أبرزها جماعة الإخوان المسلمين العابرة للحدود أيديولوجيًّا وحركيًّا.

ولما كانت حركة الإخوان أكثر الحركات الإسلامية ديناميكية؛ فقد حاولت كل التيارات الإسلامية التقرب منها في استحياء، سعيًا إلى خلق الخصوصية الفكرية السياسية لكل من هذه التيارات، فسلك التيار الإسلامي الموريتاني ذات المنحى، مما جعل البعض يصف العلاقة بين التنظيمين بـ"الزواج السري". وقد بدا ذلك جليًّا في أول نتاج حزبي سياسي مشرعن للإسلاميين في موريتانيا، وهو "حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية" (تواصل.(

روافد النشأة

نشأ التيار الإسلامي بموريتانيا في حقبة السبعينيات من القرن الماضي في أوساط خريجي الجامعات القادمين من المشرق العربي، وما حملوه معهم من كتابات إسلامية، تحوي أفكار حركة الإخوان المسلمين، كأحد العوامل الخارجية التي ساهمت بالإضافة إلى عوامل داخلية كالثقافة الإسلامية "المحظرية" )أي الثقافة المتاتية من ينابيع الثقافة التقليدية التي يتعلمها الأجيال الناشئة قبل الدخول في المدارس النظامية ويقابلها في المشرق الكتاتيب(؛ في ظهور تيار إسلامي موريتاني تطلع فيما بعد للحركية، والسعي للحزبية، فكان نتاج ذلك التلاقح ما عرف فيما بعد بحزب تواصل.

ومهدت لهذا الظهور الإسلامي إرهاصات، عبرت عنها محاولات الصحوة المقامة من طرف بعض شباب المحاظر )الكتاتيب(، ممن أتيحت أمامهم فرصة الانفتاح على الفكر الإسلامي المعاصر من خلال كتابات جماعة الإخوان المسلمين، وقد عزز الشعور الديني في السبعينيات ما كان يحدث من تغيرات إقليمية ودولية، مثل الثورة الإسلامية في إيران، والجهاد في أفغانستان، فقد شاركت في هذا الصراع مجموعة من الشباب تلقت تعليمها المحظري في المدن، وبخاصة أولئك الذين درسوا في محظرة الإمام بداه ولد البصيري، المفتي العام للديار الموريتانية، وإمام مسجدها الجامع، رحمه الله.

وقد كان التبلور الفعلي للتيار الإسلامي مع نشاطات حركية بادرت بها بعض الشخصيات الإسلامية بإصدار عريضة مطلبية في 25 يوليو 1975 من طرف جماعة المساجد، وهو اسم اتخذه بعض الإسلاميين حينها ليدشنوا به حضورهم في الساحة السياسية، وقد تضمنت هذه العريضة مقدمة عبرت فيها الجماعة عن تأييد آخر التطورات على الساحة الوطنية؛ مراجعة الاتفاقيات مع فرنسا، إصدار العملة الوطنية، تأميم شركة معادن موريتانيا (ميفرما).

وأدى تطور هذه الجماعات إلى تأسيس أول كيان تنظيمي عام 1978 أُطلق عليه حينها الجماعة الإسلامية. فقد انتظمت بعض الروابط المهنية والطلابية وغيرها من شرائح المجتمع، ضمن إطار أُطلق عليه اسم "الإسلاميين"، معلنًا عن قيام مستوى تنظيمي وسيط بين الجماعة الإسلامية والساحة العامة، وتزامن مع ذلك ظهور تيارات جديدة في الساحة الإسلامية الموريتانية، كالاتجاه السلفي وجماعة الدعوة والتبليغ، فضلا عن مرجعيات صوفية متأصلة في المجتمع الموريتاني كالقادرية والتجانية.. إلخ, لم تنسجم مع خط الجماعة الإسلامية العام مثل "جماعة الوحدة الإسلامية" المتأثرة بالفكر الإيراني، و"جماعة اليسار الإسلامي. بيد أن تلك التيارات انصهرت أو انصهر بعضها فيما بعد بفعل حوارات عديدة ضمن الخط العام للجماعة الإسلامية ليسهم ذلك لاحقًا في تأسيس الحركة الإسلامية الموريتانية (حاسم) مايو 1990.

وإثر الضربة الأمنية والإعلامية التي تعرضت لها الحركة الإسلامية الموريتانية في عام 1994، والتي أدت إلى إغلاق الجمعية الثقافية الإسلامية ونوادٍ عدة، فضلا عن اعتقال شخصيات من الحركة؛ تولد الوعي في صفوف الإسلاميين بصعوبة وخطورة العمل التنظيمي السري، فوقع الاختيار تكتيكيًّا على تبني العمل العلني في المجالات الثقافية والاجتماعية. وفي هذا السياق، ظهرت جمعية الحكمة للأصالة وإحياء التراث، بديلا للجمعية الثقافية الإسلامية.

غير أن فترة تأسيس التيار الإسلامي في موريتانيا، انطوت على محاولة التوسع اجتماعيًّا، وخاصة عبر النقابات؛ حيث حصل الإسلاميون على قيادة نقابة التعليم في اتحاد العمال الموريتانيين، كما كانت لهم مشاركة معتبرة في هيئات الاتحاد الوطني لطلاب موريتانيا. وانعكس هذا الحضور في معارضة الإسلاميين في عام 1980 لما سمي بدستور ولد أبنيجارة -وزيرٌ أولٌ سابق (رئيس وزراء سابق)- الذي وُصف أيامها بالدستور العلماني، محتجين عليه عبر المنابر والخطب في المساجد، ليأتي الرد من قبل النظام بالاعتقالات في صفوف الإسلاميين, فقدموا رسالة إلى المقدم محمد خونة ولد هيدالة، رئيس الدولة آنذاك، سردوا فيها أهم مآخذهم على الدستور المذكور، ثم أعلنوا بعد ذلك مساندتهم لقراره تطبيق الشريعة الإسلامية في فترة خلت فيها أجهزة الدولة ودوائر السلطة من أصحاب التوجه السياسي الإسلامي, كما عارض بعضهم بعد ذلك دستور 20 يوليو 1991.

ومع اكتساب الإسلاميين خبرةَ المشاركة السياسية، خاصة في الانتخابات البلدية في عام 1986، وتصدر لائحة الشورى المعومة من طرفهم لبلديات 1990، سعوا إلى الحصول على الشرعية الحزبية، خاصة مع صدور قانون التعددية الحزبية في عام 1991، بيد أن الصدام مع السلطة حال دون قيامهم بذلك.

فلقد أقدم إسلاميون على تقديم طلب ترخيص رسمي بتأسيس حزب الأمة، وهو ما رفضته السلطات حينئذ، وهو الأمر الذي دفع التيار الإسلامي إلى مرشح المعارضة في الانتخابات الرئاسية عام 1992 أحمد ولد داداه -زعيم المعارضة الحالي- في إطار تحالفهم مع حزب اتحاد القوى الديمقراطية عهد جديد؛ إلا أن هذا التحالف لم يدم طويلا، حيث قرر الإسلاميون دعم مرشح آخر هو محمد خونة ولد هيدالة في استحقاق 2003، وهي نفس السنة التي شهدت محاولتهم الثانية لتأسيس حزب جديد هو حزب "حمد" الملتقى الديمقراطي، غير أن تلك المحاولة فشلت هي الأخرى، بل وأعقبتها اعتقالات في صفوف التيار الإسلامي.

 الانتقال إلى مرحلة الشرعية الحزبية   

جاء ميلاد حزب التجمع الوطني للإصلاح والتنمية (تواصل) في 3 أغسطس عام 2007، بعد فشل التيار الإسلامي في العقود الماضية في اكتساب الشرعية الحزبية، ليصبح حزبًا معترفًا به من طرف الدولة. وشكَّل الاعتراف بحزب تواصل نقلة نوعية في العمل السياسي بموريتانيا عمومًا، وللتيار الإسلامي خصوصًا؛ حيث إن من مقتضيات ذلك ضرورة التحول من الحركية إلى الحزبية، ومن التنظيم السري إلى العمل العلني المرخص، وهو ما يعبر عنه أحدهم بالقول "الحل في الحل" بمعنى أنه ينبغي حل الحركة السرية لتتحول إلى إطار شرعي علني، غير أن ثمة أثمانًا بدا أن التيار الإسلامي سيدفعها نتيجة انتقاله للعمل السياسي العلني.

على أن العلاقة بين الإسلاميين، والنظام في مرحلة ما بعد الحزبية تراوحت ما بين الشد والجذب، وخاصة منذ تولي الرئيس محمد ولد عبد العزيز زمام السلطة، حيث مرت العلاقة بين الطرفين بمحطات مختلفة تدرجت بين المعارضة الناصحة تارة، والناطحة تارة أخرى كما يقال في قاموس بعض الإصلاحيين الموريتانيين.

دروس الماضي وإكراهات الحاضر   

لقد عمل الإسلاميون بقوة على معارضة انقلاب 2008، في إطار الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وما أن توصلت الأطراف السياسية إلى اتفاق دكار وهو الاتفاق الذي بموجبه شارك كل الطيف السياسي في الانتخابات الرئاسية وكان برعاية دولية، وأجريت الانتخابات الرئاسية في عام 2009؛ حتى عمدوا إلى الاعتراف بنتائج الانتخابات، وكانت تلك بمثابة رسالة منهم للنظام رغم رفض بعض أحزاب المعارضة لذلك، وتوج ذلك الاعتراف بالتحالف مع النظام في ترشيحات مجلس الشيوخ 2011 ضمن ما عُرف حينها بـ"المعارضة الناصحة" التي استمرت أكثر من عام، قبل أن يتخلوا عن مهادنة النظام وصولا إلى "المعارضة الناطحة" مع بزوغ ثورات الربيع العربي، حيث نسقوا جهودهم مع المعارضة لرفع سقف مطالبهم، ودفعها نحو مطلب رحيل النظام الحالي، وهو المطلب الذي وضع المعارضة أمام رهان صعب بين المطلب والقدرة على تنفيذه، خاصة مع وجود تشققات داخل جدار المعارضة, جعلها سهلة الاختراق، وضعيفة المقاومة, أمام إغراءات النظام, فاستمال بعضها وبقي البعض مُمانعًا.

ورغم الخطوات التصعيدية للإسلاميين ضد النظام؛ فإنهم قرروا بخلاف أحزاب المعارضة الأخرى المشاركة في الانتخابات البلدية والبرلمانية في عام 2013، ليحروزا 16 مقعدًا برلمانيًّا، مستغلين غياب باقي القوى المعارضة من تكتل القوى الديمقراطية، وحزب اتحاد قوى التقدم .وما أن انتهت الانتخابات، حتى عاد الإسلاميون، وخاصة حزب تواصل، إلى التنسيق مع المعارضة، عبر منتدى الوحدة الديمقراطية الذي يضم الإسلاميين، وتنسيقية المعارضة، وشخصيات سياسية بارزة، وهيئات نقابية لمناقشة مستقبل البلد، والتحضير للانتخابات الرئاسية القادمة, المقررة في 21 يونيو 2014.

 نهاية الود

ورغم أن العلاقة بين نظام ولد عبد العزيز والإسلاميين بدت في حالة مهادنة باستثناء بعض فترات المواجهة؛ فإن إقدام النظام الحالي على حل جمعية المستقبل الإسلامية التي يتراسها الشيخ محمد الحسن ولد الددو أثارت استفهامات حول اتجاه الصراع بين الطرفين، خاصة أن قرار الحل جاء على خلفية اتهامات من السلطة باستغلال الإسلاميين للجمعيات الخيرية لتجذير سياسة التمكين، وهو ما يرد عليه التيار الإسلامي بأن العمل الخيري والدعوي من صلب اهتماماته, وليس تكتيكًا مؤقتًا.

ويبدو أن "نهاية الود" بين النظام وإسلاميي موريتانيا جاء في سياق يواجه فيه التيار الإسلامي بشكل عام حالة من التراجع الإقليمي، خاصة بعد سقوط إخوان مصر، واهتزاز نظرائهم في تونس، واتخاذ إجراءات ضدهم في السعودية والإمارات. إن هذا السياق الإقليمي قد يدفع إسلاميي موريتانيا إلى مراجعة مواقفهم، وإعادة ترتيب أوراقهم, ولعل أحد مؤشرات المراجعة هي أن ثمة احتمالا لعدم التقدم بمرشح في الانتخابات الرئاسية القادمة، والاكتفاء بدعم مرشح معارض حال إجماع تنسيقية المعارضة، أو دعم مرشح مستقل حال تشتت خيارات المعارضة أو تعددها، فيستفيد المرشح المستقل من أصواتهم، ويستفيدون هم من سياسات محتملة تدعمهم في المستقبل.

إن العلاقة بين النظام الموريتاني والتيار الإسلامي رغم التصعيدات المتبادلة من الجانبين، فإنها حملت محاولة كل طرف الاستفادة من الآخر، فبينما استفاد الإسلاميون من النظام في تجذير وجودهم سياسيًّا واجتماعيًّا، فإن النظام استعان بهم للتعامل مع الاستحقاقات السياسية التي رفضت المعارضة المشاركة فيها كما في الانتخابات البرلمانية والبلدية الأخيرة، وكذا التجديد الجزئي لمجلس الشيوخ .

فهل سيكون من مصلحة الطرفين الاستمرار في سياسة القطيعة، وإنهاء الود التي لاحت مع حل جمعية المستقبل الإسلامية، أم أن تغيرات قواعد اللعبة الإقليمية ستدفع الإسلاميين إلى العودة لسياسة المهادنة خوفًا على مكتسباتهم.. ذلك ما ستكشفه الانتخابات الرئاسية القادمة.


اترك تعليق