أموال العراق المنهوبة.. مأساة شعب مع سلطة فاسدة

By :

"أكثر من ترليون و14 مليون دولار من أموال العراق، هربت إلى الخارج، خلال الفترة من عام 2002 حتى 2013 " .. كهذا يؤكد  أستاذ الاقتصاد في جامعة بغداد، فالح الشمري، مشيرا إلى إن هناك معوقات تضعها الدول التي هربت إليها الأموال، تمنع استردادها من قبل الحكومة العراقية، وأن هناك نحو 750 أمرا، بالقبض على وزراء ووكلاء وزراء ومديرين، بتهم منها 331 قضية تتعلق بقضايا اختلاس، و225 بتهم التزوير، و215 قضية تتعلق بتلقي رشى، أعلنت عنها هيئة النزاهة العراقية، تكشف عن كارثة الفساد الكبرى، التي تواجه العراق وأموال الشعب المنهوبة والمهربة إلى الخارج، لينعم بها اللصوص والخونة، بينما يعاني العراقيون الفقر المدقع.

فحجم الفساد الكبير المستشري في أجهزة ومؤسسات الدولة العراقية، والضارب بقوة في جذور العملية السياسية، سهل كثيرا من مهام كبار الساسة الفاسدين وناهبي الأموال العامة، من الاستيلاء على موارد وممتلكات الشعب العراقي، وسرقتها وتهريبها إلى الخارج أو استثمارها سياسيا واقتصاديا في الداخل.

ورغم أن الحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي، الذي يخوض حربا ضروس ضد العرب السنة، بدعوى حرب الإرهاب الزائفة، تزعم أنها تكافح الفساد، وتسعى إلى استرداد الأموال العراقية المنهوبة، إلا إن المعارضة تتهم تلك الحكومة بالتورط في الفساد، والتستر على الفاسدين وحمايتهم، والتواطؤ من أجل تهريب ثروات الشعب العراقي إلى الخارج.

الهروب بالأموال

روايات كثيرة متضاربة عن قصص الفساد، ونهب أموال وموارد الشعب العراقي، والهروب بتلك السرقات إلى الخارج، فوزيرا التجارة والكهرباء السابقان، فلاح السودان وأيهم السامرائي، نجحا في مغادرة العراق، بالقول إن الجنسيات الأجنبية أو الولاءات السياسية، هي التي مكنتهم من الهروب بما يملكونه من أموال.

ولدى الصحفي المخضرم إياد التميمي، شهادة حول مغادرة الوزيرين السابقين، يرويها قائلا: إن "أيهم السامرائي يحمل الجنسية الأمريكية، وإن القوات الأمريكية هي التي وفرت له سبل الهروب، عن طريق إحدى القواعد الأمريكية، وعلى متن طائرة عسكرية، بعد أن نجح في تحويل الأموال التي اختلسها إلى الخارج".

ووفق التميمي، فإن فلاح السودان، وهو قيادي في حزب الدعوة الحاكم، "فر من بغداد نحو المحافظات الجنوبية، بعيد صدور أمر القبض عليه، وبعد أن مكث هناك بضعة أيام يسروا له السفر إلى أوروبا، وبعد ذلك بعامين أقام لأحد أولاده عرسا، كلفه ملايين الدولارات، ويتم تبادل صور وأفلام ذلك العرس في بغداد حاليا".

هيئة النزاهة

كانت هيئة النزاهة في العراق - التي عقدت مؤتمرا الأسبوع الماضي، حول استرداد الأموال - أعلنت على لسان مدير عام دائرة استرداد الأموال، محمد علي، أن هناك أموالا مهربة إلى لبنان والأردن والإمارات، وقد تم الحجز عليها لغرض إعادتها إلى العراق ثانية، وأن دائرته استردت نحو 116 مليونا من أموال العراق.

وكانت هيئة النزاهة، (المسؤولة عن تتبع قضايا الفساد، ومطاردة الأموال المهربة إلى الخارج)، قد أعلنت في تقرير صدر مؤخرا، أنها أصدرت نحو 750 أمرا، بالقبض على وزراء ووكلاء وزراء ومديرين، بتهم منها 331 قضية تتعلق بقضايا اختلاس، و225 بتهم التزوير، و215 قضية تتعلق بتلقي رشى.

وجاء في تقرير الهيئة، أن من بين الوزراء المطلوبين أيضا، وزيري الدفاع السابق حازم الشعلان والاتصالات محمد توفيق، وأن هناك مشاكل تواجه العراق، في تعقب هؤلاء المطلوبين، من بينها ازدواج الجنسية، واختلاف النظم الداخلية، الخاصة بتعقب المطلوبين في مثل هذه القضايا بالدول التي هرب إليها هؤلاء المطلوبون.

ووفق مصدر بتلك الهيئة، طلب عدم الكشف عن اسمه، فإن دولا مثل سويسرا والأردن، "عرقلت مساعينا لاسترداد الملايين من الأموال العراقية، لكونها تقوم بتوظيف هذه الأموال في داخل بلدانها"، إلا إن دولا أخرى مثل فرنسا، "ساعدتنا في استرداد 116 مليون دولار، مسجلة باسم أحد أتباع النظام السابق، كما ساعدتنا في استعادة الزورق الرئاسي العراقي، الذي كان يرسو في المياه الفرنسية".

رواية مضادة

في المقابل، نفى فاضل محمد جواد، مستشار المالكي للشؤون القانونية، استرداد تلك الأموال، وقال: ما ذكرته هيئة النزاهة بشأن استردادها لمبلغ 116 مليون دولار، من الأموال العراقية المهربة للخارج، والمحجوزة في المصارف الفرنسية، لا صحة له على الإطلاق".

وأوضح أن لجنة استرداد الأموال العراقية بالخارج - التي تضمه كمستشار قانوني للمالكي، مع وزيري الخارجية والمالية - تمكنت يوم 25 مايو الماضي، من استعادة قرابة المائة مليون دولار، كانت محجوزة في بعض المصارف الفرنسية، ورفضت حكومة باريس إعادتها لصندوق تنمية العراق، وفق قرار الأمم المتحدة رقم 1482 لسنة 2003، رغم أنها تعود لمصرفي الرافدين والرشيد والبنك المركزي العراقي والخطوط الجوية العراقية، وأموال عراقية أخرى مسجلة بأسماء بعض رموز النظام السابق.

ضعف الرقابة

وكان الأمين العام لمجلس الوزراء العراقي، علي العلاق، قد اتهم البنك المركزي العراقي، بالمسؤولية عن تهريب 180 مليار دينار عراقي (138.5 مليون دولار)، خلال السنوات الماضية، بسبب ضعف الإجراءات الرقابية على حركة الأموال، وذلك في وقت هبط فيه سعر صرف العملة العراقية، بصورة كبيرة مقابل الدولار الأمريكي.

ونقلت صحيفة الصباح الحكومية عن العلاق قوله، إن تقريرا سابقا أصدره ديوان الرقابة المالية، أكد أن عمليات التحويل الخارجي، لا تتم وفق القانون أو التعليمات، وإن أقل من 5% فقط من التحويلات تتم بطريقة قانونية.

مبادرة استرداد الأموال

وقد أطلقت الحكومة العراقية، وبالشراكة مع الهيئة الوطنية للنزاهة، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مؤخراً، مبادرة جديدة لاسترداد الأموال المنهوبة، وزيادة التعاون مع السلطات المكلفة بإنفاذ القانون في دول أخرى، وذلك لكشف وتعقب ومصادرة واسترداد الأموال المنهوبة.

ومن الجدير بالذكر، أن العراق يحتل الآن المرتبة 171 من مجموع 177 دولة، على سلم الفساد حسب تصنيف منظمة الشفافية الدولية.

ودعا العراق خلال مؤتمر دولي في بغداد، إلى "استراتيجية دولية تكافح الإرهاب والفساد ونهب الثروات"، وشدد رئيس الحكومة نوري المالكي، على ضرورة "تعاون أممي"، يستعيد الأموال المنهوبة، فيما تسعى بغداد لاستعادة أموالها المهربة إلى الخارج، والتي تبلغ ترليونًا و14 مليون دولار.

الانتخابات والفساد

وفيما تشعل الدعاية الانتخابية في العراق، للانتخابات التشريعية المقبلة، فإنه قد تضافر غياب الشفافية وتفشي الفساد، على تقويض ثقة المواطن العراقي بالعملية الديمقراطية، في وقت يواجه العراق تحديات أمنية جسيمة، تتبدى في عودة تنظيم القاعدة ومشتقاته، بقوة أكبر من ذي قبل. وحذر خبراء من أن السياسة في العراق، ما زالت مكشوفة لمصادر إفساد بأموال خفية في الداخل، تتدفق على شبكات المحاسيب والأتباع، ومن قوى خارجية تريد الحفاظ على نفوذها.

وفي هذا الشأن، نقلت صحيفة فايننشيال تايمز، عن زيد العلي، مستشار الأمم المتحدة السابق في بغداد، قوله: "إن الأحزاب السياسية الموجودة عملت طوال أحد عشر عامًا، منذ الغزو الأمريكي، على مدّ جذورها العميقة في الدولة، فهي تسيطر على وزارات ومؤسسات مختلفة، وتغترف الكثير من مال الدولة، لشراء الأصوات وتمويل شبكات المحسوبية".

وكانت عالية نصيف، عضو لجنة النزاهة في مجلس النواب العراقي، حذرت في وقت سابق من هذا الشهر، قائلة إن المال يجد طريقه إلى الحملات الانتخابية للأحزاب من الخارج، ومن الفساد الحكومي المتفشي في هذا البلد.

وحذرت مصادر مطلعة، من أن الأحزاب الكبيرة تتلقى تمويلًا من شركات، أُنشئت برعاية هذه الأحزاب وحمايتها. وبحسب هذه المصادر، فإن الوزارات التي تسيطر عليها أحزاب معينة، تطالب بعمولات مقابل منح هذه الشركات عقودًا ومقاولات مربحة.

ويتذكر العراقيون، ظهور نائب رئيس الوزراء، صالح المطلك، على التلفزيون قبل عامين، متهمًا أحد الأحزاب بدفع ملايين الدولارات، من رجلي أعمال إلى الحكومة مقابل "تسهيل صفقات مع وزارة الدفاع". وأثارت الواقعة حينها سخط العراقيين، لكنهم لم يُفاجأوا بالفضيحة، بل عدّوها حلقة في مسلسل الفساد، الذي يتابعونه كل يوم.


اترك تعليق