السودان يغلق مستشارية إيران الثقافية.. ويطلب مغادرة الدبلوماسيين خلال 72 ساعة

By :

تفاجأت الأوساط السياسية السودانية بقرار إغلاق المركز الثقافي الإيراني وفروعه في البلاد، وإمهال المستشار الثقافي الإيراني والعاملين في المراكز 72 ساعة لمغادرة البلاد، استنادا إلى العلاقات والتعاون العسكري والدعم السياسي المعلن بين البلدين، على الرغم من نظر دول الإقليم لتلك العلاقة، لا سيما دول الخليج، بكثير من الشك الذي يبلغ حد الاتهامات.


ووصفت الخارجية السودانية، في نشرة اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، المركز الثقافي الإيراني بـ«المهدد للأمن الفكري والاجتماعي في البلاد»، واتهمته بتجاوز التفويض الممنوح له، والاختصاصات التي تحدد الأنشطة المخولة له. وذكرت النشرة أن «الخرطوم ظلت تتابع نشاط المركز الثقافي الإيراني وفروعه في ولايات السودان، وتأكدت أخيرا أنه تجاوز التفويض الممنوح له، والاختصاصات التي تحدد الأنشطة المخول له القيام بها. واستدعت الخارجية بناء على تلك المعلومات القائم بأعمال السفارة الإيرانية في الخرطوم، وأبلغته بقرارها إغلاق المركز الثقافي بالخرطوم وفروعه المختلفة، وإمهال المستشار الثقافي الإيراني والعاملين في هذه المراكز 72 ساعة لمغادرة البلاد».

وأكد وزير الخارجية السوداني علي كرتي، في اتصال هاتفي جرى من الرياض، رفض الرئاسة السودانية طلبا إيرانيا لإثناء السودان عن قراره بإغلاق المركز الثقافي الإيراني، مشيرا إلى أن القرار نهائي ولا مساومة سياسية فيه. وقال الوزير السوداني «كنا نتابع نشاط المركز الثقافي الإيراني في الخرطوم عن كثب للتحقق من التزامه بالأنشطة الثقافية، بعيدا عن تحقيق مكاسب طائفية شيعية دخيلة على المجتمع السوداني»، مشيرا إلى أنه مسعى يهدد الأمن الفكري في البلاد. وأضاف كرتي «ضبطنا حالات عدة مارسها المركز الثقافي الإيراني في عدد من الأحياء الشعبية، وفي بعض الجامعات، حيث تأكد لنا بما لا يدع مجالا للشك انحراف المركز عن الدور الثقافي المتفق عليه».

وأكد أن القيادة في إيران فوجئت بالقرار السوداني القاضي بإغلاق المركز الثقافي، مبينا أنها حاولت الاتصال فورا بالخرطوم، غير أن الأخيرة أبلغت نظيرتها طهران بقطعية القرار، وأنه لا رجعة فيه البتة. وزاد بأن الخارجية استدعت القائم بالأعمال الإيراني في الخرطوم، وأخبرته بقرار الرئاسة السودانية القاضي بإغلاق المركز الثقافي الإيراني بشكل نهائي لا رجعة فيه، مشيرا إلى «إبلاغ الجانب الإيراني أكثر من مرة بإيقاف هذا النشاط التبشيري الشيعي، وقد وعدوا بذلك إلا أنهم لم يلتزموا بما وعدوا به». وقال «للأسف حاولت الجهات الإيرانية التي تقف وراء هذا العمل الاستغلالي ابتزاز ونشر المذهب الشيعي بالمال، بالإضافة إلى وسائل أخرى بصورة غير مقبولة».

وأوضح كرتي أن المركز الإيراني كان يعتقد أن الحكومة السودانية راضية عما يقوم به من نشر المذهب الشيعي، الأمر الذي جعل ممارساتهم مكشوفة ومرصودة بشكل جلي، مشيرا إلى أنهم أعطوا مسؤولي المركز مهلة لمغادرة البلاد خلال 72 ساعة. وزاد «قبل ذلك كانت الخارجية تستدعي مسؤولي المركز الإيراني لتطلب منهم وقف أي نشاط تُشتم فيه رائحة الترويج للمذهب الشيعي الذي يعتنقونه، وكان هذا الاستدعاء مستمرا»، مشيرا إلى أن هناك العديد من البيانات التي أصدرتها وزارته في هذا الصدد ومخاطره على العلاقات بين البلدين.

وقال كرتي «كل ما نما إلى علم الخارجية هو خبر عن فعالية يستهدف من خلالها المركز نشر المذهب الشيعي، وقد وعدونا أكثر من مرة، ولكن وجدنا أنهم غير ملتزمين بما وعدوا به، فكان لا بد من هذا القرار الرئاسي الذي كان بمثابة المفاجأة الصادمة بالنسبة للمسؤولين في طهران».

وأكد المسؤول السوداني أن صبر الخرطوم على طهران في هذا الصدد قد نفد، مبينا أن رغبة بلاده كانت تركز على تعزيز المصالح المشتركة، بعيدا عن إيذاء الآخرين، سواء في الخليج، أو في المحيطين العربي والأفريقي، منوها بأن السودان لن يسمح باستغلال إيران حاجته، سواء على الصعيد الاقتصادي، أو السياسي، أو العسكري، لتحقيق مآربها على حساب المجتمع، والدين، والجوار، والصداقة، عربية كانت أو أفريقية، مشيرا إلى أن الجانب الإيراني أخطر الخرطوم بإرسال وفد للتفاوض في هذه المسألة، غير أن الرئاسة رفضت هذا المسعى بشكل نهائي، ودون أي تردد.

يشار إلى أن أول مركز ثقافي إيراني قد افتتح في السودان عام 1988 في عهد حكومة الصادق المهدي، وقد أثيرت شكوك حول نشاطه لنشر المذهب الشيعي بشكل علني لأول مرة في احتفال بعيد ميلاد الإمام المهدي جنوب الخرطوم عام 2009 حضره عدد من الشيعة. وعدّ خبراء ومحللون القرار انعطافة كبيرة في سياسة الخرطوم الخارجية، وأرجع قيادي إسلامي بارز طلب إبقاء اسمه سريا قرار الخرطوم المفاجئ إلى صراع داخلي بين وزارتي الدفاع والخارجية حول العلاقة مع إيران. وقال القيادي هاتفيا لـ«الشرق الأوسط» إن وزارة الدفاع ووزيرها عبد الرحيم محمد حسين تعد من أشد أنصار استمرار العلاقة مع إيران، وإنها وراء السماح للسفن الحربية بالرسو في واستخدام الموانئ السودانية على البحر الأحمر. وأضاف «على الدوام كانت وزارة الخارجية ضد العلاقة مع إيران، وترى أنها غير مفيدة وضارة بعلاقات البلاد الخارجية، لا سيما أن الدبلوماسية تسعى للوصول لمصالحات مع دول الخليج والدول الكبرى، وترى أن استمرار العلاقة مع إيران يفسد هذه الجهود».

وأرجع القيادي البارز التطور الأخير إلى «خفوت صوت» وزارة الدفاع وعلو كعب الدبلوماسية، وقال «في الأوقات السابقة كان صوت وزارة الدفاع هو الأعلى، وكان الرئيس يسمح لها بفتح ميناء بورتسودان أمام البحرية الإيرانية، لكن يبدو أن الخارجية كسبت الجولة الأخيرة، فسارعت بإغلاق المحلقية الثقافية الإيرانية». وقال رئيس البرلمان السوداني الفاتح عز الدين إن للخارجية أسبابها الموضوعية، معلنا تأييد برلمانه للقرار، على الرغم من اجتماعه الاثنين مع وفد إيران المشارك في اجتماعات اللجنة الدائمة لشؤون فلسطين، للوقوف على المطلوبات من الدول العربية والإسلامية لمقابلة الاحتياجات الإنسانية للمتأثرين في غزة.

وطالبت لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان بمراجعة العلاقات مع الدول العربية والإسلامية، وحذر رئيس اللجنة محمد يوسف عبد الله من أخطاء في هذه العلاقات، وقال إن النظر للعلاقة السودانية الإيرانية لا يجب حصره في إطار التأثير على علاقة السودان مع الخليج، بل ضمن الإطار الكلي لعلاقات الدول العربية والإسلامية.

من جهته، وصف القيادي في حزب المؤتمر الشعبي، بشير آدم رحمة، القرار بأنه مفاجئ، لكنه غير مستبعد تبعا لمتغيرات داخلية في نظام الحكم، ولمتغيرات إقليمية. وأشار رحمة إلى ما سماه «حادثة مدينة الجنينة» - غرب البلاد - التي قتل فيها أحد الشيعة إثر إساءته للصحابة الأجلاء، وهو الأمر الذي جعل أحد غلاة الشيعة في لندن يصدر تعليمات للشيعة السودانيين بحمل السلاح من أجل إسقاط الحكومة السودانية.

وأوضح أن المتصوفة والمرتبطين بملف العلاقات الخارجية في السلك الدبلوماسي والحزب الحاكم، ظلوا يمارسون ضغوطا على الحكومة لتقطع العلاقة مع إيران، استنادا إلى أن الملحقية الثقافية الإيرانية تمول التشيع في البلاد، ويضاف إلى ذلك الضغط الإقليمي خصوصا من دول الخليج والسعودية غير الراضية عن علاقة الخرطوم بطهران. وأرجع تغير الكفة لصالح الدبلوماسية إلى ما سماه «تراجع الضغط العسكري» على الحكومة من قبل الحركات المسلحة، وقال «أتوقع أن تكون الحكومة قد امتلكت زمام المبادرة في مناطق العمليات، وبالتالي لم تعد بحاجة ملحة للتسليح مثلما كانت في الماضي». واستطرد «ربما أرادت الخرطوم تقديم السبت لدول الخليج، لأنها مهمة لها في مواجهة الأزمة الاقتصادية الحالية، فدول الخليج تاريخيا تدعم السودان اقتصاديا، فيما لا تقدم إيران أي دعم اقتصادي، وكانت تقدم له دعما عسكريا فقط».

واعتبر رحمة العامل الاقتصادي حاسما في تغير اتجاه بوصلة العلاقات الخارجية السودانية من إيران إلى تبني مواقف سياسية قريبة من مواقف دول الإقليم، خصوصا دول الخليج. كما رجح رحمة أن يكون انتقال معظم الملفات الحكومية إلى النائب الأول للرئيس بكري حسن صالح الحريص على العلاقة بدول الجوار أكثر من حرصه على العلاقة بإيران، سببا أساسيا في إتاحة الفرصة للخارجية لاتخاذ القرار، والذي يعد فضلا عن كونه تصحيحا للعلاقة مع دول الجوار، «عربونا» لعلاقة مع أميركا والغرب عموما بعد أن أعلنوا عن دعمهم للحوار والسلام.

وجرى تداول العلاقات السودانية الإيرانية علنا، مباشرة عقب تدمير مصنع «اليرموك» للتصنيع الحربي في الخرطوم في سبتمبر (أيلول) 2012، الذي اتهمت الحكومة السودانية الطيران الحربي الإسرائيلي بتدميره، وعلى الرغم من الحكومة الإسرائيلية لم تنف أو تؤكد الضربة، فإن تل أبيب ظلت تتهم الخرطوم مرارا بتصنيع أسلحة إيرانية لصالح حركة المقاومة الإسلامية حماس، بل ونفذت عمليات ضد أشخاص شرق البلاد تحت زعم أنهم مهربو سلاح، وهو ما نفته الخارجية السودانية.

ورست بعيد تدمير اليرموك بأسبوع حاملة طائرات ومدمرة من سلاح البحرية الإيراني في ميناء بورتسودان على البحر الأحمر، وعد الأمر وقتها رسالة لإسرائيل. وفي سبتمبر 2013 أعلن الجيش السوداني عن رسو سفينتين حربيتين إيرانيتين أخريين في ميناء بورتسودان، وتواصل رسو السفن الحربية في الميناء السوداني برسو سفينتين أخريين في مايو (أيار) من العام الحالي.



اترك تعليق