أسرار النهضة الماليزية

By : محمد إبراهيم خاطر

تمكنت ماليزيا خلال العقود القليلة الماضية من النهوض وتحقيق معدلات تنمية مرتفعة وتحقيق نجاحات ملموسة في العديد من المجالات، والنهضة الماليزية تحققت على يد قيادات واعية وضعت رؤية وطنية خالصة وخططًا مستقبلية طموحة للنهوض بماليزيا ووضعها في مصاف الدول المتقدمة.

والأسس التي قامت عليها النهضة الماليزية هي: السلم المجتمعي الذي يقوم على الوحدة والتنوع، والاستقرار السياسي، والتنمية الاقتصادية، والاهتمام بالعنصر البشري والسعي من أجل تحقيق الرفاهية لجميع المواطنين الماليزيين.

والدرس الأكبر المستفاد من التجربة الماليزية هو الحفاظ على السلم والوحدة في ظل تعدد الأعراق واختلاف الديانات، فقد وعى الماليزيون الدرس القاسي للأحداث الدامية والتي شهدتها ماليزيا في عام 1969 بين المواطنين الذين ينتمون للملايو والمواطنين من أصول صينية، والماليزيون منذ ذلك التاريخ وحتى الآن يعملون جاهدين من أجل تعزيز قيم المواطنة والشراكة والمحافظة على وحدة النسيج الوطني وعلى ماليزيا الموحدة، والشعار الذي يرفعه الجميع في ماليزيا اليوم هو الحفاظ على الوحدة والتنوع.

وقصة النهوض الماليزي بدأت بتشخيص صادم لعلل وأمراض الفرد والمجتمع الماليزي ونقد للنخبة الحاكمة من قبل الطبيب والسياسي المحنك والمفكر العبقري مهاتير محمد وكان الهدف من ذلك هو إحداث التغيير المنشود في المجتمع الماليزي.

والنتيجة التي خرج بها مهاتير محمد بعد سنوات من نقده للسلبيات الموجودة لدى الماليزيين ودعوته للتغيير والإصلاح الجذري هي شعب يسعى للنهوض والتقدم ويشارك في بناء مشروعات وطنية عملاقة تعود خيراتها على جميع مكونات المجتمع الماليزي.

والهدف الذي سعى مهاتير محمد لتحقيقه من خلال إنشاء مشروعات وطنية عملاقة في ماليزيا هو تعزيز روح الانتماء والوطنية لدى المواطنين الماليزيين وصنع صورة ذهنية لماليزيا في الخارج، وقد تحقق من تلك المشروعات الكبرى إنشاء شركة نفط وطنية عملاقة وهي شركة «بتروناس»، وإنشاء مصانع لإنتاج سيارات محلية استحوذت خلال السنوات الماضية على نحو 60% من سوق السيارات في ماليزيا، وإنشاء شركة طيران وطنية وهي الخطوط الجوية الماليزية، ومنها أيضًا إنشاء عاصمة سياسية لماليزيا وهي مدينة «بوتراجايا» ذات التصميم الرائع والتي تضم معظم الوزارات والهيئات الحكومية.

ومن أسرار نجاح التجربة الماليزية الاستقرار السياسي ووجود قيادة وطنية واعية على اطلاع ومعرفة جيدة بالواقع الداخلي من حيث المشكلات والممكنات، وعلى معرفة بالواقع الخارجي وبالتحديات التي يفرضها على صانع القرار وقد أدى ذلك إلى تحقيق السلم المجتمعي وإلى تجنب الدخول في صراع مع الدول المحيطة ومع القوى الكبرى في العالم.

وما يُحسب للقيادات الماليزية خلال العقود الماضية بصفة عامة وخلال فترة حكم مهاتير محمد والتي امتدت لنحو 22 عامًا بصفة خاصة هو السياسات الوطنية التي انتهجتها تلك القيادات ونجحت في تجنيب ماليزيا الكثير من الأزمات والتي كان أبرزها الأزمة المالية في عام 1998 والتي عصفت باقتصادات النمور الآسيوية.

ومن أسرار النهضة الماليزية التخطيط الجيد وتنفيذ الخطط التي يتم وضعها في الإطار الزمني المحدد لها، والنظرة المستقبلية في عملية التخطيط وضمان تنفيذ البرامج المشروعات وعدم توقفها، والهدف الذي يضعه هو الارتقاء بالمواطن الماليزي ورفع مستوى دخله وتحسين وضعه الاقتصادي وتوفير الحياة الكريمة لجميع المواطنين.

ومن الأمور التي يمكن الاستفادة منها في التجربة الماليزية النجاح في محاربة ومكافحة الفساد فقد أنشأت ماليزيا «أكاديمية مكافحة الفساد» والتي تقوم بتدريب العاملين في هيئة مكافحة الفساد الماليزية، وتقوم بتدريب العاملين في الهيئات الرقابية في غيرها من الدول، وأنشأت كذلك هيئة مستقلة لمكافحة الفساد في الجهاز الحكومي وفي القطاع الخاص، والنتيجة هي أن ماليزيا تحتل المرتبة رقم 53 في مؤشر مدركات الفساد مقارنة بالصين التي تحتل المرتبة رقم 80 ومصر التي تحتل المرتبة رقم 114 وفقا لتقرير عام 2013.

* الشباب في كل أمة سر قوتها وهم صناع النهضة، ومن أسرار النهضة الماليزية الاهتمام بالشباب عقليًا وروحيًا وجسديًا، وتمكينهم من المشاركة في النهوض ببلادهم، والاهتمام بالشباب في ماليزيا ليس مجرد شعارات جوفاء خالية من المضمون لا تظهر إلا في المناسبات كما يحدث في دولنا العربية وإنما برامج وخطط للتدريب والتأهيل والتشغيل.

ومن الأمور التي لمسناها خلال اللقاءات التي جمعتنا بعدد من المسؤولين الماليزيين في الوزارات والهيئات الحكومية الاهتمام بالشباب والحديث عن الدور الذي تقوم به في تدريب وتأهيل الشباب للقيادة، ومرافقونا أثناء تلك القاءات كان معظمهم من الشباب ومن الجنسين.

والقيادة في ماليزيا تنظر للشباب على أنهم صناع المستقبل وفلسفة العمل في الوزارات تقوم على الاهتمام بالجيل الصغير، وتطلع وزارة الشباب والرياضة الماليزية كما يقول مسؤول بارز في الوزارة هو جعل جعل مدينة «بوتراجايا» العاصمة السياسية لماليزيا «مدينة شبابية».

وعندما سألنا عن حجم الميزانية المخصصة لوزارة الشباب والرياضة وعن حجم التمويل المخصص للإنفاق على الأنشطة والمشروعات الشبابية مقارنة بالتمويل المخصص للأنشطة الرياضية كانت الإجابة أن ميزانية الشباب تعتبر ضخمة والجزء الأكبر من ميزانية الوزارة يوجه للأنشطة الشبابية، والسبب في ذلك كما قال ذلك المسؤول هو وجود شركاء من القطاع الخاص يقومون بتمويل ودعم الأنشطة الرياضية التي ترعاها الوزارة، والوزارة خصصت يوم 15 مايو من كل عام لإقامة احتفال سنوي بيوم الشباب الماليزي.

ووزارة الشباب والرياضة لديها شراكة مع المنظمات الشبابية الماليزية مثل «منظمة الشباب الماليزي» وهي هيئة غير حكومية تتعاون معها الوزارة من أجل الوصول للشباب ومعرفة احتياجاتهم، وتقوم الوزارة بالتعاون مع الوزارات الأخرى لتأهيل الشباب وتشغيلهم.

ومن الأمور التي لمسناها أثناء زياراتنا للوزارات والهيئات الحكومية الماليزية تركيز تلك الوزارات والهيئات على فئة الشباب والعمل على تمكينهم والتعاون مع المنظمات المعنية بشؤون الشباب في الداخل والخارج، وهناك معهد خاص يقوم بإجراء استبانات (استطلاعات للرأي – مسوح إحصائية) لاستطلاع آراء الشباب والتعرف على اهتماماتهم وميولهم ومعرفة احتياجات وبناء على نتائج تلك الاستبانات يتم وضع الخطط والبرامج التي يحتاجها الشباب لتطوير أنفسهم وتنمية مواهبهم وتعزيز قدراتهم.

وفي ماليزيا يوجد 20 معهد لتدريب الطلاب على المهن والمهارات المختلفة وبرامج التدريب والتأهيل تستهدف الفئات الفقيرة التي لا تتجه للتعليم العالي، والشباب في ماليزيا يمثلون النسبة الأكبر من حجم العمالة ونسبتهم تزيد عن 60% وهو أمر جدير بالاهتمام.

والهدف من التعليم في ماليزيا وفقًا لاستراتيجية الوزارة هو: «إعداد الفرد إعدادًا شاملًا متوازنًا عقليًا وروحيًا عاطفيًا وجسديًا»، وفلسفة الوزارات والهيئات الحكومية والمنظمات الأهلية في ماليزيا تقوم على الاهتمام بالشباب وتأهيل القيادات الشابة.

وفي ماليزيا يوجد برلمان للشباب والهدف هو تشجيعهم على المشاركة السياسية والقانون الذي ينظم الانتخابات حدد سن الترشح لمجلس النواب في ماليزيا بـ 21 عامًا واشترط ألا يقل سن الترشح لمجلس الشيوخ عن 30 عامًا.

وفي ماليزيا منظمات غير حكومية مثل مؤسسة بردانا للقادة PERDANA» لديها خطط وبرامج لتدريب الشباب على القيادة والمشاركة السياسية.

ومن التجارب الرائدة التي اطلعنا عليها خلال زيارتنا لماليزيا وجود مركز خاصة لرعاية الشباب من سن (13 – 24) سنة ويطلقون عليه نادي المراهقين «KAFE@TEEN»، والهدف من هذا المركز هو الاستماع للمراهقين وتقديم الاستشارات النفسية والصحية والجنسية لهم والمساهمة في حل المشكلات التي يواجهونها وخدمات المركز مجانية واستفاد منها مئات الآلاف من الشباب والفتيات، وهي فكرة جديرة بالتطبيق في عالمنا العربي الذي لا يجد فيه الشباب من يستمع إليهم ويناقش قضاياهم ويشاركهم اهتماماتهم.

* على الرغم من النجاحات التي حققتها ماليزيا خلال العقود القليلة الماضية في الكثير من المجالات فإن هناك الكثير من التحديات التي تواجه الماليزيين شعبًا وحكومة وتتطلب من الجميع العمل من أجل الحفاظ على الوحدة والتنوع واستكمال مسيرة التنمية التي بدأتها ماليزيا والمحافظة على النمو الاقتصادي وتحقيق الرفاهية للمواطنين.

والمسؤولون في ماليزيا يدركون جيدًا حجم التحديات التي يواجهونها ويضعون للتغلب عليها خططًا قصيرة ومتوسطة وطويلة الأجل، والتحدي الأكبر الذي يواجه الماليزيين هو التنوع في التركيبة السكانية وتعدد الأعراق واختلاف الديانات وقد نجح الماليزيون في تجاوز ذلك التحدي عقب الأحداث الدامية التي شهدتها ماليزيا في عام 1969.

وهناك أيضًا التحدي الديموغرافي الذي يواجه ماليزيا ويتطلب وفقا لرؤية مهاتير محمد زيادة عدد السكان من نحو 28 مليون حاليًا إلى 75 مليون نسمة للحفاظ على مكتسبات النهضة الماليزية.

وعلى الصعيد السياسي هناك تحديات تواجه الماليزيين ومنها الحفاظ على الوحدة القائمة الآن بين الولايات المكونة لماليزيا وعددها (13) ولاية يوجد بينها تباعد جغرافي مثل ولايتي صباح وسراواك وهما من أكبر الولايات من حيث المساحة.

والمعارضة في ماليزيا تتهم الحكومة بانتهاج سياسة تقوم على «أسس عرقية» في إشارة إلى سياسة الحكومة التفضيلية للسكان الأصليين (الملاويين) التي تنتهجها منذ عام 1971.

ورئيس الوزراء الماليزي «نجيب عبدالرزاق» قال إن بلاده تواجه أربعة تحديات رئيسية هي: الاحترار العالمي، والأزمة المالية العالمية، والاستقلال الاقتصادي، وارتفاع أسعار السلع.

ومن التحديات التي تواجه ماليزيا في المجال الاقتصادي إيجاد تمويل للمشروعات الكبرى التي تتجه ماليزيا لتنفيذها خلال السنوات المقبلة، وهذا الأمر كان سبب الخلاف الذي حدث بين مهاتير محمد ومن خلفوه في السلطة.

ومن التحديات التي تواجه القيادة الماليزية رفع معدل التنمية من 4 % حاليًا إلى 6 % خلال السنوات المقبلة.

ومن التحديات التي تواجه القيادة الماليزية رفع مستوى دخل المواطنين الماليزيين بشكل عام ورفع مستوى معيشة السكان الأصليين (الملايو) بشكل خاص، والحكومات المتعاقبة في ماليزيا منذ الاستقلال تسعى من أجل رفع نصيب المالاويين من الثروة في البلاد إلى 30 %، والنسبة التي وصلوا إليها حتى الآن هي 23 % فقط من حجم تلك الثروة.

ومن التحديات التي تواجه القيادة الماليزية وضع وتطبيق السياسات المالية لخفض عجز الموازنة من 3.5 % هذا العام إلى 3 % في العام المقبل ومنها تخفيض الدعم على بعض السلع الأساسية مثل الكهرباء والوقود.

وعلى الصعيد الخارجي هناك تحديات تواجه ماليزيا وهي تحديات تتعلق بالموقع الاستراتيجي لماليزيا وحجم تأثيرها في منطقة تقع ضمن دائرة التنازع والصراع الأميركي-الصيني، وتحديات تتعلق بالمنافسة في المجال الاقتصادي فهناك محاولات لضرب القطاع السياحي والتأثير على الاقتصاد الماليزي وحوادث الطائرات الماليزية التي وقعت مؤخرًا تدل على ذلك، وهناك تخوف من استهداف القوى الغربية لماليزيا بسبب توجهها الإسلامي وبخاصة في المجال الاقتصادي، فماليزيا كما يقول المراقبون تسعى لتعزيز دورها باعتبارها واحدة من الوجهات الرائدة في قطاع التمويل الإسلامي، الذي يشمل الخدمات المصرفية الإسلامية والسوق المالية الإسلامية، والتكافل وإعادة التكافل، والخدمات المساعدة المهنية، وتنمية البنى التحتية والصناديق الإسلامية وإدارة الثروات، والصكوك التي تجاوزت حصتها فيها نحو 68 %..

ومهاتير محمد طرح في منتصف عام 2003 فكرة الدينار الإسلامي بهدف توحيد اقتصاد دول العالم الإسلامي في تعاملاتها الخارجية وعدم اعتمادها الكلي على الدولار الأميركي وهذه الفكرة أقلقت الاقتصاديين والمفكرين الغربيين الذين أبدوا تخوفهم من فقدان الدولار الأميركي لسيطرته على التجارة العالمية.


اترك تعليق