الاجتماع العالمي الثالث لوحدة الأمة بدولة ماليزيا

By :

 

ألقى الشيخ ونيس المبروك - عضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - الكلمة الرئيسية باسم أمين عام الاتحاد في الاجتماع العالمي الثالث لوحدة الأمة الذي عقد مؤخراً بدولة ماليزيا تحت شعار "وا قدساه" ، وذلك في مسجد "روسيلا" بولاية "ترنجانو" ، بتنظيم من فرع الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بماليزيا وبمشاركة العديد من الهيئات الماليزية الفاعلة .

ومن الجدير بالذكر أن الشيخ المبروك قد التقى على هامش الملتقى مع رئيس الوزراء السابق " مهاتير محمد " والحديث معه حول قضايا الأمة وسبل النهوض ، كما التقى مع رئيس التجمع الأسيوي لاتحاد علماء المسلمين وعضو مجلس أمناء الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ عبد الغني شمس الدين ، وكذلك زيارة كلا من : مقر الإتحاد العالمي بماليزيا ومقر جمعية علماء ماليزيا ، والحديث حول سبل تفعيل الإتحاد في المنطقة بشكل عام . كما ألقى الشيخ المبروك محاضرة عامة عن أهمية الدعوة إلى الله وواجب الشباب المسلم ، ومحاضرة عامة عن ركائز تربية النفس ، وكلمة عن أولويات الدعوة في هذه المرحلة ممثلا فيها لفضيلة الدكتور على القره داغي الأمين العام للإتحاد ، وحضور اللقاء التشاوري مع قادة ورؤوساء بعض الجماعات والحركات الإسلامية والضيوف ، والاجتماع بعدد من طلاب وطالبات المعاهد الشرعية والقاء كلمة توجيهية وإجابة على بعض التساؤلات .

وجاءت كلمة الشيخ ونيس المبروك بالاجتماع العالمي على النحو التالي :

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ، وتتنزل الرحمات ، والصلاة والسلام على معلم الناس الخير وهادي البشرية إلى الرشد سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أيها الإخوة أيتها الأخوات ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أتقدم في البداية بجزيل الشكر والعرفان لفضيلة الشيخ الأستاذ عبد الهادي خليل أوانج رئيس الحزب الإسلامي في ماليزيا ونائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على دعوته الكريمة لحضور هذا الملتقى المبارك ، والتي أتاحت لي فرصة الحضور لهذا الجمع الطيب من أبناء ماليزيا ، ثم شرف الحديث بين يدي نخبة من أفاضل العلماء والدعاة وقادة الحركة الإسلامية الذين وفدوا من كل أقطار العالم ، ليشهدوا اللقاء العالمي الثالث لوحدة الأمة ، تحت شعار " وا قدساه "


كما أشكر لكل أعضاء الحزب وأنصارهم الذين بجهودهم التطوعية الذاتية استطاعوا أن يحققوا هذا الإنجاز ويحسنوا تنظيم هذا الملتقى الكبير الذي يستوعب عشرات الألوف من غير انتظار لأجرٍ أو شكر .


ولابد لنا في هذا المقام ونحن ضيوف على أرض ماليزيا المباركة التي دخلها الإسلام في القرن السابع من الهجرة ، أن لا ننسى الترحم على أرواح كل السادة المؤسسين والعلماء المصلحين الذين تركوا فينا أثرا ، ثم جاء مَن بعدهم لينسج على منوالهم ؛وأذكر منهم فضيلة الشيخ يوسف بن عبد الله الكنائي ، والشيخ ياسين بادا ، والشيخ المجاهد عبد الرحمن اليمبوما ، والأستاذ فضل محمد نور رحمه الله ، والشيخ هارون طيب ، فرحم الله هؤلاء العلماء الفضلاء والقادة الإجلاء وسائر موتى المسلمين .


ثم أبلغكم السلام العاطر ، والتحيات الصادقة ، من فضيلة شيخنا الأستاذ الدكتور على القره داغي حفظه الله الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ، والذين كان حريصا على تجديد اللقاء بكم ومشاركتكم في هذا الملتقى ولكن حالت بعض الظروف القاهرة من تحقيق هذا الأمر ، فأبى ألا أن يبعثني ممثلا له في هذا اللقاء الكريم ، متمنيا لكم بلوغ مرادكم والنجاح والتوفيق ، مؤيدا وداعما لكم في كل ما تصلون إليه من أهداف وغايات سامية لهذا اللقاء


أيها الإخوة أيتها الأخوات
لقد طلب مني منظمي الملتقى الحديث حول أولوية الدعوة الإسلامية في دقائق معدودة ، وسأحاول طرح بعض هذه الأولويات من أجل التذكير بها في هذا الجمع المبارك .

يقول الحق سبحانه وتعالى : ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا ۖ فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
هكذا قسم القرآن جمهور هذه الأمة، – كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما – بين ظالم لنفسه ، ومقتصد ، وسابق بالخيرات


فإن كانت هذه الآيات الكريمة تتكلم عن وراثة تعاليم الكتاب ، فلابد أن يكون للعلماء النصيب الأوفر ، والمقام الأسمى بين أصحاب هذه الطائفة السابقة بالخيرات ،والمعلمة له ،والداعية إليه ، فالعلماء هم ورثة الأنبياء ، وهم الذين يحملون هذا العلم الرباني ، فينفون عنه (تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)


ولكن هذه الآية تحملنا جميعا مسؤولية كبيرة جدا ، وأمانة عظيمة ، ينبغي علينا جميعا أن نعيها ونؤدي حقها، ونسعى أن نكون من أهلها ، وقد أخبرنا الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن في الجسد مضغة إن صلحت صلح سائر الجسد ، وإن فسدت فسد سائر الجسد ، وهي القلب ، فإن كان هذا هو محل القلب من الجسد ، فإن تاريخ المسلمين وواقعهم المعاصر يؤكد على أن مقام العلماء الربانيين وأثرهم في المجتمع ، كمقام القلب في سائر الجسد . لأن الناظر في تاريخ المجتمعات المسلمة ، يجد أن أشواق المسلمين وقلوبهم وحركتهم بالإسلام عادة ما ترتبط بالعلما ء الربانيين في عصرهم ،والناس تنظر إليهم نظر الإبن لوالده ، والتلميذ لمعلمه ، والجندي لقائده ، والمريد لشيخه فإن كان هؤلاء العلماء في منزلة أدنى من هذه الآمال والأماني لدى شعوبهم ،ضعفت الرابطة الروحية ، وتخلفت الأمة ، وساد بينها الجهل في الدين والفساد في الدنيا.

إن علاقة الناس بالدين واعتمادهم عليه تعود لسيرة وأخلاق شارحيه وحامليه والداعين إليه ، ومن الطبيعي أن تتفاعل المجتمعات مع انتاج العلماء ، وتتأثر بسيرتهم ومسيرتهم ، وتتناقل أخبارهم وآثارهم ، وتتفاخر بمناقبهم وأفعالهم ، فإن أقبل العلماء والدعاة على التحقق بمعاني الإسلام العظيم ، وحققوا مقاصده وتعاليمه في خاصة أنفسهم ، وتسامت أخلاقهم ، وأحوالهم القلبية ، وسمت أهدافهم وغاياتهم ، فإن الناس تتأثر بسيرتهم ، وتسمع لقولهم ، وتجتمع على كلمتهم ، وتنتفع بعلمهم ، وإن اقبلوا على الدنيا والتنافس عليها ، وانتشر فيهم حب المال والجاه والسلطان ، والنزوع للتفرق والخصومة والشحناء ، والبطالة وضعف الوعي بالواقع ، فإن ذلك يعود دون شك على من حولهم من الناس .


وقد ضرب المصطفى صلى الله عليه وسلم مثلا لأصناف من آتاهم الله علم الكتاب والسنة ، ولمن تعلم وعلم في الحديث الذي رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (مثل ما بعثني اله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً ، فكان منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها أجادب أمسكت الماء ، فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت الكلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به) . ( رواه البخاري ، كتاب العلم ، باب فضل من علم وعلم .


فالأرض المباركة " النقية " هم أولئك العلماء الربانيين الصادقين الزهاد ، الذين تشربت قلوبهم أنوار الإيمان ، ووعت عقولهم تعاليم الإسلام ، فانتفعوا به ونفعوا الناس من حولهم


والأجادب : هو ذلك الصنف الذي رضي بحفظ النصوص ومدارسة الأحكام ، ولكن لم يكلف نفسه العمل بتلك التعاليم ، وكان حظه منها هو حملها ونقلها وتعليمها ...


والقيعان : هم الذين قست قلوبهم ، وعميت أبصارهم ، وحرمهم الله تعالى بركة هذه النبوة ،


ولهذا فإن الأولوية هي أن تكون هذه الشريحة على أرقى مراتب السمو ، فإن رقت قلوبهم ، وتوسعت معارفهم ، وزهدوا فيما عند الخلق ، فسهروا إذا نام الناس ، وجاعوا إذا شبع الناس ، وجاهدوا إذا تكاسل الناس ، وتوحدت قلوبهم وجهودهم على التقوى ، وعزائمهم على عمل الخير ؛ تبعهم في ذلك عامة الناس وخاصتهم ، وانتشر سمتهم في المجتمع وتشوف الناس للإقتداء بسيرتهم .


أما إذا تنافسوا الدنيا ، وتزاحموا على المناصب ، وركنوا للظالمين ، ورضوا بالمعارف القاصرة ولم يواكبوا العصر ، وجهلوا واقعهم السياسي والإقتصادي والإجتماعي ،ولم يأخذوا بحسن المشورة والتدبير ... وغير ذلك من الآفات ، فإن الفساد سيسري في المجتمعات وسيفتقد الناس الطبيب الناصح والمعلم الناجح ، ويعم الأرض الفساد الكبير .


****
ثانيا : ترتيب البيت الداخلي للمسلمين ، وذلك بالنظر للغايات الكبرى والمصالح العامة ،وتقديمها على الفرعيات والمصالح الخاصة ، ورعاية الأهداف البعيدة المثمرة وتقديمها على الأهداف الآنية قليلة النفع ، وتغليب مفهوم الأمة الواحدة وجماعة المسلمين وتقديمها على مفهوم الحزب والطائفة ، والحذر من خسارة أي رافد من روافد الخير في هذه الأمة ، وجمع المسلمين على قضايا المسلمين الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين والأقصى والتصدي للإستعمار والغزو الفكري والإستلاب الحضاري ، ومعالجة مشاكل العنف غير المشروع الذي بدأ يصنع وينتشر على نحو جديد .


أيها الإخوة والأخوات ، من الفقه اليوم أن نحدث الناس بالأمل والتفاؤل ، ونحذرهم من جلد الذات والمبالغة في ذلك ولكن أرجو المعذرة في هذه المكاشفة والمصارحة ، فقد شجعني على ذلك خصوصية المجتمعين هنا ، ولهذا أقول : لا ينبغي أن نذم التفرق والنزاع ، ثم يتخاصم القادة لأدنى سبب ، وتنشق الصفوف لأيسر مخالفة ، وتتفاقم البغضاء لأول إساءة وذنب ، ... و لا ينبغي أن نتباكى على الأقصى ثم لا نقدم له شيئا إلا المواعظ ، أو نتمنى الصلاة فيه ونحن نهجر المساجد في جوارنا ، .... ولا ينبغي أن نذم الدنيا للناس ، ثم نتسابق إليها ، فإننا إن فعلنا ذلك صدق فينا قول الشاعر :


إذا نصبوا للقول قالوا فأحسنوا ** ولكن حسن القول كذبه العمل
وذموا لنا الدنيا وهم يرضعونها ** أفاويق فما يدر لنا ثعل .


****
ثالثا : ضرورة توحيد الصفوف ، ونبذ الفرقة ، ونقل هذه المهمة العظيمة من دائرة الشعارات والخطب والمواعظ ، إلى واقع الخطط ،والمشاريع ،والبرامج المحددة ،..


ولا يخفى عليكم أن بعض من ينادي بهذا الأمر ويصنف فيه المصنفات ،ويدعى حرصا عليه ، يسارع لشق الصفوف واستبطان العداوات لأدنى خلاف شخصي أو فكري مع الآخرين ، مما زهد الناس في هذه القيم والمعاني العظيمة ، وانقلبت مع الوقت لمجرد دعاوى وشعارات لا تدفع القلوب للخشية ، ولاتحرك الجوارح للعمل ، ولا تبعث على البذل والتضحية ، ولا ترسخ قيم اسقاط الحقوق لأجل الصالح العام .


أنظروا للواقع من حولكم ستجدون أننا كمسلمين نُحمِّل العدو الخارجي كلَ أسباب تخلفنا ، ونعزو ذلك للمؤامرات التي تحاك ، ونسينا أن الداء منا وفينا ، وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، بل إن تجارب الربيع العربي بينت أن المسلمين لم يخسروا بسبب ضعف الإرادة إنما من ضعف الإدارة ، فعدونا أخذ بأسباب حسن التدبير والتخطيط وإدارة الصراع واستثمار الأوقات ، وتوظيف القدرات ، وتوحيد الجهود ، ... بينما فرط أكثرنا في هذه الأسباب التي جعلها الله تعالى سنن ونواميس وقوانين ثابتة لا تحابي أحدا .


لاشك أن المستقبل لهذا الدين ، وإن مع العسر يسرا ، وأن هذه الامة مرحومة ، والخير فيها إلى يوم القيامة ، ولكن يجب علينا أن نأخذ بأسباب النصر ، ونرص الصفوف ، ونشخص الداء ، ونضع الدواء ، ونصبر على لأواء الطريق ، ونحكم العقل في مشاريع نهضتنا بهذه الأمة الراشدة .


أكرر شكري الصادق على هذه الدعوة الكريمة ، وسعادتي بهذا اللقاء المبارك ، متمنيا لجمعكم هذا التوفيق ، ولعملكم المبارك القبول ، ولمساعيكم الظفر والنجاح .


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .


اترك تعليق