الشيخ راشد الغنوشي يلقي محاضرة في جامعة ييل الأمريكية بعنوان "مقومات النموذج التونسي"

By :


خلال زيارته الى الولايات المتحدة الأمريكية ، ألقى الشيخ راشد الغنوشي - عضو مجلس الأمناء في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - محاضرة حول معالم التجربة التونسية للانتقال الديمقراطي وذلك في جامعة يايل الأمريكية المعروفة.

 

جامعة يايل، (بالإنجليزية: Yale University) هي جامعة خاصة تقع في كنكْتِيكُت. تأسست عام 1701و تعتبر ثالث أقدم مؤسسة للتعليم العالي في الولايات المتحدة الأمريكية ، وهي عضو في رابطة أعرق الجامعات الأمريكية ، ولها ثاني أكبر وقف (22.8 مليار دولار) بين الجامعات في العالم (بعد هارفارد) يتبرع به خريجوها، ويعمل بها 19 حائز على جائزة نوبل وتخرج منها خمس رؤساء سابقون و تتكون من 12 كلية، وتعد هذه الجامعة من أفضل الجامعات في العالم.

 

وفي ما يلي نص المحاضرة التي ألقاها الشيخ راشد الغنوشي:

محاضرة الشيخ راشد الغنوشي في جامعة "يال" الامريكية

 

"مقومات النموذج التونسي"

بسم الله الرحمن الرحيم

السيدات والسادة

 

يشرفني ان ألتقيكم في رحاب هذه الجامعة العريقة، لأقدّم لكم لمحة عن مقومات "النموذج التونسي"، وأبدأ بسؤال منهجي هو هل يمكن ان نتحدث عن "نموذج تونسي"؟ وما هي الإضافة التي حققتها مسيرة تونس منذ إسقاط نظام بن علي، لتكون نموذجا؟ وطبعا السؤال الأكثر بداهة هو ماذا نقصد بالنموذج التونسي؟

 

اليوم أتحدث اليكم كرئيس حزب النهضة الذي قضت حركته في النضال ضد الدكتاتورية أربعين سنة، تجرّعنا فيها مع أبناء شعبنا القمع والتعذيب والسجن، ولم يخل تاريخ دولة الاستقلال من محنة حقوقية، طالت كل العائلات السياسية من اليسار الى القوميين، الى النقابيين ثم الإسلاميين.

 

هذا يعني ان الظلم والقمع كانا اكثر الأشياء عدالة في التقسيم بين التونسيين قبل الثورة.

 

لدولة الاستقلال بالطبع إنجازاتٌ لا يمكن إنكارها، في التربية والتعليم والصحة وحقوق المرأة، ونحن نعترف بها، ولكن سجلها الحقوقي غير المشرف، حوّل تونس من دولة واعدة، الى دولة ينتقدها الجميع بسبب قمع الحريات واستهداف الخصوم السياسيين.

 

تونس عشية الثورة كانت نموذجا لدولة تتباهي بمعجزة تنموية وهمية، نسب الفقر الحقيقية مرتفعة وكذلك بطالة الشباب، ومؤشرات الفساد بلغت مستويات قياسية، حيث هيمنت العائلة الحاكمة والمقربون منها على النسبة الأكبر من الاستثمارات، ولم يعد متاحا لأي رجل اعمال تونسي او اجنبي الاستثمار في تونس، الا عبر بوابة العائلة وهو سبب عزوف كثيرين عن الاستثمار في تونس.

 

بعد الثورة قادت تونس ملحمة الربيع العربي، كأول شعب يُسقِطُ بطريقة سلمية نظاما مستبدا، وتحولت صورة محمد البوعزيزي الذي احرق نفسه احتجاجا على الظلم، أيقونة للحرية، ومصدر الهام لشباب العالم العربي الذي حطم قيود الخوف ونزل الى الساحات والميادين في ليبيا ومصر واليمن وسوريا ... ليسقط أنظمة الفساد والاستبداد.

 

كانت تونس نموذجا حطم للأبد مقولة ، الاستثناء العربي، في مجال الديمقراطية، وأثبت ان الشعوب العربية تعشق الحرية وان آلة القمع بإمكانها ان تطيل عمر الدكتاتورية لبعض الوقت ولكنها تنهار يوما ما في مواجهة إرادة الشعوب المتمردة على الفساد والاستبداد.

 

النموذج التونسي اليوم لم يعد مجرد ثورة أطاحت بنظام دكتاتورية شرس، فقط بل هو مسار ديمقراطي توافقي ذكي أثمر دستورا وحد التونسيين وضمن لهم حقوقهم ، وحكومة مستقلة، وانتخابات بعد أسابيع قليلة، ستطوي صفحة الانتقالي، وترسي نظاما مستقرا، نراه في النهضة كما ذكرت ذلك عديد المرات، تشاركيا لا مجال فيه لهيمنة حزب على الحكم، ولا لاقصاء طرف.

 

الحديث عن نموذج تونسي يرتبط جغرافيا بتأمل خارطة الربيع العربي : تونس اليوم شجرة واقفة في غابة محطمة، وشمعة وحيدة مضيئة في ظلام الارهاب والحكم العسكري.

 

لقد نجح الحوار الوطني في تونس في إخراج المسار الديمقراطي من النفق الذي زجه في أتونه اغتيال زعيمين خلال السنة الماضية العصيبة ، تعزز هذا الأمل بعد نجاح الحوار الوطني المضني في التوافق على حكومة محايدة وعلى دستور عظيم وهيئة انتخابية مستقلة وقانون انتخابي لا يقصي أحدا، بما وضع القطار التونسي على سكة الديمقراطية بعد ان كاد يطيح به الإرهاب والأوضاع الاجتماعية الصعبة والمزايدات السياسية ، ولا سيما مع الانعكاسات السلبية لزلزال الانقلاب المصري .

 

تونس اليوم على أبواب الاحتفاء بولادة اول ديمقراطية عربية ونموذج يحتذى في التحول الديمقراطي المتعثر في الربيع العربي .

 

 

فتحت شعلة الربيع العربي منذ ثلاث سنوات أفقا من الأمل ليس فقط في ان السياسة لم تمت في هذا البلد بل اكثر من ذلك اعادت تلك الشعلة الأمل في إسلام الحضارة إسلام الأندلس وابن رشد وابن خلدون ، اسلام هو النقيض لكل صور التطرف والارهاب ، كما أعادت للعرب الامل انهم لا يزالون هم أيضاً جزءًا من العالم وأن الديمقراطية ممكنة وأن الاستبداد ليس حتمية وليس مغروسا في جيناتهم.

 

 

لقد كانت سنة 2013 ، سنة عصيبة على تونس وعلى امة العرب وآمالهم في التحرر والانعتاق، فقد تعرض فيها المسار الديمقراطي لخطر الانهيار والسقوط اكثر من مرة بأثر تحديات داخلية وخارجية ، منها ضعف المخزون الثقافي والتجربة الديمقراطية لدى الفاعلين السياسيين حكاما ومعارضين، في ديمقراطية ناشئة.

 

 

لقد وهبت الثورة الحرية للجميع ، ثمرة لتضحيات جسام بذلتها أجيال على امتداد نصف قرن وبالخصوص الشباب ، منحدرين من اطياف أيديولوجية متعددة، ولكن الحرية هي بطبيعتها حاملة لإمكانات واسعة : كما هي منفتحة على بركات الأمن والسلم والديمقراطية والرفاه، هي منفتحة بنفس القدر على الفوضى والفتن ، ما لم تمارس بمسؤولية.

 

 

وفي أوج الاستقطاب الأيديولوجي والصراعات المحمومة متعددة الأبعاد تدخلت في بداية السنة الماضية قوى الإرهاب على الخط، موجهة ضربات موجعة للمسار الديمقراطي ، كادت تودي به ، فكان اغتيال أول ، في بداية السنة، أطاح بأول حكومة أفرزتها اول انتخابات تعددية نزيهة في تاريخ البلاد ، ولم يجد الثلاثي الحاكم أمام هذا الزلزال سبيلا لاستعادة قدر من التوازن إلا ان يتخلى عن جزء من سلطاته لصالح مستقلين، فهدأت الأوضاع نسبيا إلى حين، وانطلق حوار وطني في محاولة جادة جمعت معظم الطيف السياسي في مسعى للتوصل إلى توافقات حول اهم المعضلات التي يحتدم حولها الخلاف ، غير انه ما ان انطلق المسار التأسيسي ماضيا قدما نحو استكمال سن الدستور وتكوين الهيئة الانتخابية يحدو الجميع عزم على الفراغ من كل الأعمال التأسيسية لإجراء الانتخابات في أواخر الصيف حتى ضرب المتربصون بالمسار الديمقراطي في القلب، إذ أقدموا على اغتيال زعيم سياسي آخر أواخر شهر 7 زاجين بالبلاد في أتون فتنة كادت تطيح بالمركبة جملة إذ تنادت أصوات معارضة موثرة بشطب المسار كله بإلغاء انتخابات 23 أكتوبر وما انبثق عنها من مؤسسات المجلس والحكومة والرئاسة .

 

ولقد بادرت احزاب المعارضة في خطها العريض بالانسحاب من المجلس مشترطين عودتهم باستقالة الحكومة ، ورغم انهم يمثلون اقل من ثلث النواب ، بما يمكن للمجلس ان يواصل عمله التشريعي وحتى الدستوري من دونهم ، الا ان ذلك كان سيجعلنا امام دستور لا يمثل كل التونسيين بل جزء منهم حتى وإن كان اغلبيا وسيقسم المجتمع تقسيما ايديولوجيا ، النهضة وحلفاوها حريصون على استبعاده ، ولذلك قبلنا ان ندفع ثمنا غاليا لاستئناف المسار الانتقالي سيره هو التخلي عن حكومة منتخبة مدعومة باغلبية برلمانية وبشارع هو الاوسع من اجل ما هو اثمن و أهم : وضع تونس الحبيبة على طريق الديمقراطية .

 

التونسيون ايتها السيدات ايها السادة، يعتزون بأن الدستور التونسي هو اول دستور في بلد عربي مسلم ينص على حرية الضمير.

بانه لا احد يسجن في تونس اليوم من اجل أفكاره.

بان حرية تكوين الجمعيات والأحزاب مكفولة للجميع.

بان البوليس التونسي يقوم بدوره الجمهوري في مقاومة الارهاب والجريمة و لا يطارد المعارضين، ولا يمنع الصحفيين والحقوقيين الأجانب من دخول تونس للاطلاع على الوضع الحقوقي.

ورجل الاعمال لا يخشى ان يتسلط عليه صهر من أصهار بن علي ليغتصب مشروعه او ماله.

وفي تونس ثمة إجماع على انه لا تعارض بين الاسلام والديمقراطية، وانه لا مجال لاحد ان يحتكر الدين او يغير نمط المجتمع، ولذلك يقبع الإرهابيون اليوم في جحورهم معزولين منبوذين، يخوضون معركة يائسة خاسرة، ستؤدي الى هزيمتهم، بعد الضربات الموجعة التي تلقوها وخاصة بعد تصنيف تنظيمهم انصار الشريعة في الصائفة الماضية تنظيما إرهابيا.

 

هذا وغيره يجعل تونس نموذجا في عيون ابنائها وأصدقائها .

 

لماذا نجح النموذج التونسي، الذي اكد ان الديمقراطية ممكنة التحقيق في العالمين العربي والإسلامي.

كان ذلك بسبب العوامل التالية:

 

اولا : بالتعايش بين تيار الاعتدال الإسلامي والاعتدال العلماني فقد برهنت تجربة سنتين من الحكم انه رغم كل الصعوبات والتحديات أوصل البلاد إلى شاطىء السلامة أو على وشك ذلك ، بما جعل توقيع ممثلي رؤساء الترويكا على الدستور أمرا بالغ الدلالة الرمزية وعلامة مضيىة على طريق المستقبل.

 

ان بلادنا والمنطقة كانت ولا تزال في حاجة لهذا النموذج للتعايش ، باعتباره النموذج الوحيد للتحول الديمقراطي في المنطقة الذي استمر وانفتح أمامه طريق النجاح وسط تعثر النماذج الأخرى .

ثانيا : برفض الإقصاء وقد تحملت حركة النهضة مسؤولية تاريخية في إسقاط قانون العزل السياسي رغم المخاطر الكامنة في السماح لرموز العهد السابق في الترشح للانتخابات. الثورة التونسية رفضت الانجرار لمنطق الاجتثاث، الذي خرب تجارب اخرى .

 

ثالثا : تبني منهج الحكم التوافقي ورفض الهيمنة والاستفراد بالسلطة: قناعتنا راسخة بأنه في المراحل الانتقالية لا يمكن الحكم بخمسين في المائة زائد واحد لتوفير استقرار للنظام السياسي ، ولكن يجب تحقيق توافق واسع يمثل أغلب تيارات المجتمع الأغلبية والأقلية. لذا أردنا دستورا لا يمثل النهضة وحدها ولكن يمثل الأغلبية الواسعة للشعب التونسي. وقد تمكن مبدأ الوفاق من إنقاذ تونس وثورتها من الأزمات الكبرى التي واجهتها عن طريق حوار وطني جمع كل الأطياف السياسية ممثلة في 22 حزبا ولم يقصي أحدا. وقد قاد نجاح الحوار الوطني إلى دستور توافقي حديث صوت عليه أكثر من 94% من المجلس التأسيسي. كما قاد الحوار الوطني الى النجاح في التوافق على استكمال المسار الديمقراطي بالاتفاق على هيئة مستقلة للانتخابات وتاريخ للانتخابات.

 

وقد كانت العديد من هذه التوافقات ثمرة تضحيات قدمتها حركة النهضة ذات الأغلبية وذلك للمحافظة على وحدة البلاد وعلى استمرار مسار الانتقال الديمقراطي . في البداية تخلينا على وزارات السيادة، ثم غادرنا الحكومة. ولم يكن قرارا بسيطا، ولكن النهضة اتخذته بأغلبية ساحقة لأنها حزب مسؤول، يقدم مصلحة الوطن على مصلحته، ويدرك ان ضمان الحرية لكل التونسيين اكثر أهمية من التشبث بسلطة تقسم البلاد وتفرقها. وقد أقدمنا في حركة النهضة بصورة تلقائية على تضحية اخرى لضمان نجاح المرحلة القادمة بامتناعنا على الترشح للانتخابات الرئاسية، ودعوتنا لتشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع مختلف الأطراف لان تونس في تقديرنا لا يمكن ان تدار بأغلبية الخمسين زائد واحد، في السنوات القادمة.

 

رابعا : يرتبط هذا العامل بطبيعة المؤسسة العسكرية التونسية وهي مؤسسة جمهورية غير انقلابية، انحازت للشعب خلال الثورة، والتزمت بحماية مسار الانتقال الديمقراطي، وهو ما نلمسه أيضاً في المؤسسة الأمنية التي استعادت عافيتها، ونجاعتها.

هذا النموذج ليس مجرد حاجة محلية وإنما هو أكبر من ذلك حاجة إقليمية ودولية لاستقرار هذه المنطقة الحساسة من العالم .

هذه التجربة رغم نجاحها تواجه عددا من التحديات أهمها الإرهاب والتحدي الاقتصادي.

 

تونس تخوض حربا ضد الارهاب بدأتها حكومة الترويكا برئاسة حركة النهضة، التي صنفت يوم 27 -8- 2013 انصار الشريعة تنظيما إرهابيا، وألقت القبض على العشرات من قياداته، وفككت خلاياه واحبطت الكثير من عملياته رغم الضربات الجبانة التي سددها لقوات جيشنا وامننا وسياسيينا.

نحن نواجه الإرهاب ولكن من المفيد والضروري ان نؤكد ان الحل الأمني العسكري بمفرده لا يكفي بل ربما على المدى القريب والبعيد سيزيد في تعقيد مشكلة الارهاب. يجب ألا تقتصر مواجهة الإرهاب على المستوى الأمني بل يجب أن يشمل ذلك أيضا المستوى السياسي وذلك بدعم الديمقراطية وسلطة الشعوب. كذلك يجب مواجهة الإرهاب على المستوى الفكري والديني بتبيين أن هذا الفهم للدين هو فهم خاطئ وأن الإسلام لا علاقة له بالإرهاب بل هو سلام ورحمة للعالمين. كما يجب ألا نغفل الجانب الاقتصادي والاجتماعي عند مواجهة هذه الآفة.

 

ان تونس الصغيرة بجغرافيتها وسكانها ومواردها المادية مؤهلة بإرثها الثقافي التليد وسوابقها التحررية قدمت للأمة والإنسانية نموذجا في الثورة السلمية الرائعة و تهدي اليوم للمنطقة والعالم نموذجا يجمع بين الإسلام والديمقراطية والحداثة .

 

شكرا على استماعكم وأنا سعيد الآن بتلقي أسئلتكم .


اترك تعليق