كلمة الشيخ عبد الرحمن آل محمود في مؤتمر سانت بطرسبورج

By :


ألقى فضيلة الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله آل محمود - عضو مجلس الأمناء بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس المحاكم الشرعية سابقاً بدولة قطر - كلمة في مؤتمر "الفكر الإسلامي في القرن الـ 21 : الوحدة بين التقليد والتجديد" والمنعقد في مدينة سانت بطرسبورج التاريخية بروسيا الاتحادية في الفترة من 17 :20 مايو 2015م ، حيث جاءت الكلمة على النحو التالي :

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
سماحة الأخ الشيخ راوي عين الدين رئيس الإدارة الدينية لمسلمي روسيا الاتحادية ، الإخوة الحضور من مفتين وأساتذة جامعيين ،
أحييكم جميعاً بالسلام ، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أبدأ كلمتي بالقول : إن مشيئة الله أن يخلقنا في عالمٍ متنوع من الأديان والأقوام والشعوب ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )، وخلال قرون متطاولة أرسل الله الرسل إلى أقوامهم ليبلغوهم رسالته والتي تقوم على عبادته سبحانه واجتناب ما حرمه من أمور مؤذية للإنسان والمجتمع . ومع ذلك فقد كانت الناس مع مرور الزمن تحرف رسالة السماء وتبدلها ( فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) .

وبما أننا كمسلمين نعتقد أن رسالة الإسلام عالمية لجميع الخلق وأنها خاتمة الرسالات فقد أصبح علينا واجب تبليغ هذه الرسالة كما أنزلها الله صافية نقية وخالية من التحريف والتبديل .

وخلال تاريخنا الطويل عندما كانت الدولة الإسلامية في قوتها عاش المسلمون وغيرهم من أهل الديانات الأخرى في وئام وتوافق ، وكانت تعاليم الرسول صلى الله عليه وسلم حاضرة في أذهانهم حيث يقول : " (ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس: فأنا حجيجه يوم القيامة)

رواه أبوداوود . ومعاهدته صلى الله عليه وسلم لنصارى نجران توضح بجلاء معاملة الإسلام السمحة لأهل الكتاب وحفظها لحقوقهم .

لذلك فإن تاريخ الإسلام لم يعرف إجبار أحد من أتباع الديانات الأخرى على اعتناق الإسلام . ولو أخذنا الأندلس كمثال فإن اليهود والنصارى بقوا فيها خلال الحكم الإسلامي الذي امتد لثمانية قرون آمنين على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم لم يتعرض لهم أحد وبرز منهم علماء وأدباء ورجال دولة . ولكن عندما انتصر ملوك أوروبا وتغلبوا على الأندلس ، لم يتحملوا بقاء المسلمين وأجبروهم على اعتناق المسيحية تحت التهديد بالقتل أو التعذيب الشديد ، وفي النهاية لم يبق في إسبانيا والبرتغال مسلم أو يهودي واحد .

وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية حينما تغلب التتار على الشام ، فذهب ليكلم زعيمهم في إطلاق الأسارى ، فسمح له بإطلاق أسرى المسلمين فقط ، فرفض شيخ الإسلام ذلك وقال : لا نرضى إلا بافتكاك جميع الأسارى من اليهود والنصارى فهم أهل ذمتنا . فتعجب القائد وألح الشيخ بإصرار وفي النهاية قبل القائد بإطلاق الجميع .

لذا فإننا ندعو غير المسلمين أن لا يحمّلوا المسلمين أوزار بعض المتعصبين الذين تعرضت قياداتهم لظلم شديد من اعتداءات الدول الكبرى التي خلفت الآلاف من القتلى والمهجرين والمعذبين في السجون السوداء ، مما سبب خروج أعداد كبيرة من الشباب المتحمس والساعي للانتقام بدون مراعاة لتعاليم الإسلام الصريحة في حسن التعامل مع المخالفين ، بل إنهم يقتلون من المسلمين أكثر بكثير من غيرهم . وهذا التدخل السلبي من القوى الدولية هو الذي أبقى منطقة الشرق الأوسط مشتعلة حتى الآن وزاد من معاناة شعوبها .

شكر الله لكم حسن استماعكم والسلام عليكم ورحمة الله .



اترك تعليق