كلمة الشيخ علي القره داغي في مؤتمر نصرة الشعب السوري

By :

بسم الله الرحمن الرحيم


       الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد صلى الله عليه وسلم..

أصحاب الفضيلة والسماحة.. أيها الإخوة والأخوات الكرام.. أحييكم بتحية طيبة مباركة من عند الله، تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، واحمل اليكم تحيات ودعاء العلامة شيخنا الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وتحيات مجلس الامناء والامانة العامة داعين الله تعالى ان تكون نتائج هذا المؤتمر طيبة نافعة مفيدة مؤثرة.

نجتمع اليوم في ظل احداث جسيمة تشهدها امتنا الإسلامية، نلتقي اليوم في ظلال حراك قوى وثورات شعبية داخل الامة العربية، وتحولات وتغييرات لم يشهدها العالم العربي منذ سقوط الخلافة العثمانية، انها تغييرات تبشر بالخير لهذه الامة الخيرية الوسط التي كتب الله لها الخلود ولأن الله تعالى جعل رسالتها خالدة، وخاتمة، وديانتها كاملة، ونعمتها عليها تامة ومستمرة، وشهادتها دائمة، ورحمتها شاملة (وما ارسلناك الا رحمة للعالمين) ومن هنا فإن قافلة الدعوة والحهاد تسير بإذن الله تعالى، ومن ساهم فيها فله شرف المشاركة والفوز في الدنيا والاخرة.

سيداتي وسادتي الكرام

إن هذه الثورات الشعبية لم تأت من فراغ، ولا يمكن أن يصل الامر الى ان يحرق البعض نفسه أو أن تواجه الصدور العارية الرصاص والقذائف، او ان تواجه الجموع المدنية قوات الجيش بدباباته واسلحته التي اشتريت بأموال الشعب للدفاع عن الوطن فاذا توجه نحو صدور ابناء الوطن، او ان يتصدى المدنيون العزل لملايين من قوات الامن، والشرطة، التي أنشئت لأمن المواطن فإذا بها هي التي تفزع المواطن وتسعى لقتله.

لا يمكن ان تفسر هذه الثورات الشعبية الا انها صحوة مباركة فجرها الظلم والطغيان الذي بلغ اقصى حالاته على مر التاريخ وتجاوز ظلم الفراعنة والاباطرة الذين وصفهم الله تعالى بأنهم (طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد) ففراعنة العصر فاقوا فراعنة الاصل من حيث الاسلحة واستعمال التقنيات الحديثة في التعذيب والإذلال، ولذلك نقول نحن في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين: إن هذه الثورات شرعية، وهي داخلة في باب النصح والتغيير بل نقول: انها بعد ما سدت جميع الطرق والوسائل لتغيير الطلم والفساد والاستهتار بمقدرات امتنا، والوقوف مع اعداء الامة الصهاينة كما كان الامر في عهد حسني مبارك نقول: إن هذه الثورات فريضة شرعية، لأن تغيير المنكر مطلوب فهذه الثورات اسلم الطرق واحسنها، كما انها ضرورة يفرضها واقعنا المؤلم للتغيير نحو واقع مزدهر وامة قوية متماسكة لها مكانتها من بين الامم، فبعد كل هذه المظالم التي وقعت على شعوبنا العربية وغير العربية لم يعد امام الامة الا ان تنتفض مهما كان الثمن والتضحيات.

فللحرية المحراب باب       بكل  يد مفرجة يدق

وهكذا بدأ الاسلام بالتحمل والصبر، تكونت الأمة بالتضحيات الجسام، وهكذا كانت اوروبا لم تخرج الا بثورات ضحت فيها بكل غال ونفيس، ثم انتفضت وقامت على سوقها بعد اصلاح النظام السياسي وتكونت لها حضارتها وابداعاتها في ظل الحرية والديمقراطية.

ايها الاخوة الكرام.. ان هذا الدين دين العزة والكرامة (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) اي لا يعلمون هذه الحقيفة بل يظنون انهم يمكن تخويفهم واذلالهم وتطويعهم لصالح اهوائهم، ومن هنا يثور المسلم مهما كان الثمن، اذا ازدادت الظلم وقد قال الشاعر العربي:

لا يقيم على ضيم يراد به الا        الاذلان عير الحي والوتد

هذا على الخسف مربوط برمته       وذا يشج فلا يرثى له احد

ولذلك لا يجوز التشكيك في هذه الثورات الشعبية، ولا وصفها بالخيانة، او انها يقوم بها المخربون، او الحشاشون ونحو ذلك، فكل ذلك تهريج لا يصدقه احد، ولا يقبل به عاقل، وقد كذبته الثورة في مصر، وتونس.

ايها السادة العلماء..

وشاء الله لهذا الدين الخاتم الكامل ان لا يكون بعد نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نبي آخر، ولكن جعل العلماء ورثة الانبياء ورثتهم في القدوة والقيادة، ورثتهم في الصدع بالحق، ورثتهم في القدوة بالتضحيات، ورثتهم  في انهم لا يخافون في الله  لومة لائم، ولذلك نحن اخترنا للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين شعاره هذه الآية الكريمة: (الذين يبلغون رسالات الله  ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله وكفى بالله حسيبا) بل ان الله تعالى جعل من يركن الى الظالم ظالما فقال تعالى (ولا تركنوا الى الذين ظلموا فتمسكم النار..) وهكذا كان سلفنا الصالح من العلماء البررة في وقوفهم في وجه الظلم والطغيان فقد تصدوا لظلم حجاج حتى استشهد منهم على يديه عشرات على رأسهم سعيد بن جبير، وهكذا كان الامام ابو حنيفة الذي كان يعارض مظالم الخليفة ابي جعفر المنصور الذي حاول ان يكسب وده وولاءه بالمال فرفض كل عطاياه التي ترسل اليه ثم استعمل العنف والضرب والجلد معه فلم ينفعه كذلك، بل وقف الامام الاعظم ابو حنيفة رحمه الله شامخا عزيزا صدع بالحق وجهر به، ووقف امام الظلم وايد الثورات العادلة على الظالم، وهكذا كان الامام مالك رضي الله عنه فقد وقف ضد اخذ البيعة بالاكراه وباليمين، وان تلك اليمين والبيعة لا تنعقد، وحينما عوقب على ذلك واركب على الحمار معكوسا يطاف به في المدينة كان يجهر فيقول: انا مالك بن انس حدثني الزهري عن نافع عن عبدالله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: انه لا يمين في اكراه.

وهكذا الامام الشافعي والامام احمد الذي نال ايضا قسطا كبيرا من المحنة والابتلاء.. وهكذا الذين ورثوا العلم والعمل والقدوة على مرّ تاريخنا الاسلامي.

واليوم هو يوم الابتلاء والامتحان للعلماء ايضا.. من يقف مع الحق  ويتصدى للظلم وان كان له ثمن فعليه ان يكون مستعداً، وحينئذ يكون مداد كلماته مثل دماء الشهداء فنحن في الاتحاد تلقينا اتهامات لا تعد ولا تحصى، وتهديدات يدان كثيره بالقتل والاغتيال وقلنا حسبنا الله ونعم والوكيل.

يكفينا شرفا ان نكون ورثة الانبياء في مهمة الحق والوقوف مع المظلوم ضد الطغاة ، وتكفينا شهادة هؤلاء الظلمة ان الاتحاد هو الذي اعطى الشرعية لهذه الثورات.. ولولا وقوف الاتحاد بقوة مع هذه الثورات وبخاصة ثورة الشعب السوري لكان باستطاعة الحكام الظلمة ان يسكتوا اصوات المستضعفين في الداخل.

ايها الاخوة والاخوات

ونحن اليوم امام ثورة شعبية في سوريا العزيزة علينا بأهلها، المباركة بارضها العظيمة، بهؤلاء الابطال الذين يتصدون بصدور عارية لأفتك الاسلحة، وباصواتهم العالية لأخطر الشبيحة وهم يصارعون قوى الظلم بالحناجر الباكية والقلوب المتضرعة الى الله تعالى.

ونحن في الاتحاد عايشنا ونتعايش مع هذه الثورة الشعبية وطالبنا بالاصلاح الحقيقي والتغيير قبل ان يحدث مزيد من التصعيد ايمانا منا باهمية سوريا المواجهة للعدو الصهيوني، ولكن النظام لم يستجب الى الآن للأصلاحات التي يطالب بها الشعب، فالشعب يريد الحرية الحقيقية، والشعب يريد التعددية الحقيقية، والشعب يريد ان ينتهي ما يسمى بالحزب الواحد القائد، والزعيم الاوحد، وهو يريد ان يختار ممثليه بحرية. ان ما واجه به النظام السوري شعبه الاعزل من خلال استعمال العنف المفرط، والقتل المتعمد لأكثر من الف وخمسمائة قتيل وجرح الالاف خارجا عن كل تصور معقول لرئيس يريد شعبه بل هي جرائم حرب ضد شعب اعزل، فالولاية والرئاسة لأجل حماية الشعب، وتحقيق امنه واستقراره، ولذلك فاذا تحولت الولاية من الحماية الى القتل واثارة الفزع، والى الصراع مع الشعب فكلمة الشعب هي الاساس فهو صاحب القرار، وهم اهل الحل والعقد.

ونحن كم نتألم لآلام شعبنا السوري وبمقدار هذا الالم نتألم وتتأثر اكثر لصمت جامعة الدول العربية، منظمة المؤتمر الاسلامي والدول العربية والاسلامية الا بعض الدول الاسلامية، فهذا الصمت غير جائز شرعا ولا اخوة ولا عروبة ولا اسلاما، وننتهز هذه الفرصة ونحن في هذا البلد الحبيب اسلامبول مدينة الجلال والبهاء والجمال ان نوجه نداءنا الى العالم العربي والاسلامي ليخرج من صمته ليقول الحق، ونداءَ خاصا للرئيس التركي الاستاذ عبدالله كول حفظه الله، والرئيس طيب رجب اردوغان حفظه الله الذي حذّر النظام السوري في السابق من مغبة تكرار احداث (حماه وحلبجة)، وقد رأينا في هذا الاسبوع ما حدث لحماة فنطالبه بمنع هذا العنف.

ونحيي في هذه المناسبة احرار العالم وكل من رفع صوته بالحق، والاعلام الحر وبخاصة الجزيرة التي لم تمنعها ايضا التهديدات والتخويفات وانما ظلت كشجرة ثابتة وجبل شامخ شموخ العزة.

واختم كلمتي بالدعاء للشهداء الذين سقطوا في هذه الثورات بأن يحشرهم مع النبيين والمرسلين وللجرحى بالشفاء العاجل، وللمسجونين بالصبر والثبات، وللمتظاهرين بالقوة والنصر المبين فقال تعالى (الم تر كيف فعل ربك بعاد ..... بالمرصاد) وكيف فعل الله بطاغوت مصر حسني مبارك وطاغوت تونس.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

علي محي الدين القره داغي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


اترك تعليق