عمارة يشرح معنى (الوسطية الجامعة) في ندوة بالأعلى للشئون الإسلامية

By :

شن د. محمد عمارة - عضو مجلس الأمناء في الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين - هجوما على الأنظمة الوضعية التي غزت بلاد المسلمين منذ قرنين من الزمان، مشيرا إلى أنها قامت في الأساس على جناحي الحرية الاقتصادية والحرية الشخصية، واعتبرت أن الإنسان هو سيد الكون وأن حريته الاقتصادية مطلقة بلا سقف ، وكذلك حريته الشخصية مطلقة بلا سقف وهو ما يتعارض مع الشريعة الإسلامية .

 

وأشار عمارة في ندوة نظمها المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للداعيات بعنوان " سمات وخصائص الإسلام " إلى أن الوسطية الجامعة أهم سمات وخصائص الإسلام بشرط أن يفهمها المسلمون فهما صحيحا، وأن ينقلوها للآخر كما أرادها الله عز وجل .


وأوضح أن الإسلام تميز بأنه حدد حدود لدور الفرد في الكون في إطار واسع وشامل هو الاستخلاف، لذا لابد أن نفهم الإسلام في حدود فهمنا إلى أن الفلسفات المادية أحد أقطابها لغت وجود الفرد وهي الشيوعية، والقطب الأخر جعل الإنسان سيد الكون وبالتالي ألغت المجموع وهي الماركسية، أما الإسلام تميز بأنه جعل الإنسان سيد في الكون وكل ما في الكون مسخر لخدمته، وهو مستخلف ووكيل، وحريته محدودة بالاستخلاف، واستشهد بمقولة الإمام محمد عبده الذي قال : الإنسان عبد لله وحده وسيد لكل شئ بعده " ومن هنا يأتي تميز الإسلام .


وبحضور كل من د. أكرم كساب مسئول التدريب بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ود. وصفي عاشور عضو المجلس الأعلي للشئون الإسلامية ورئيس مركز بناء للبحوث والدراسات الإسلامية، عدد د. محمد عمارة تعريفات الوسطية ومنها التعريف اليوناني الذي اعتبر الفضيلة وسط بين شيئين، أو تعريفات بعض المحدثين بأنها وسط بين نقيضين كلاهما مرفوض، وغيرها من التعريفات.


ثم استطرد في تحديد ملامح الوسطية الجامعة التي يفضلها عن مصطلح الوسطية فقط، والتي تجمع بين عناصر الحق والعدل من الأقطاب المتقابلة فتكون موقفا جديدا مغايرا للقطبين المختلفين ولكن المغايرة ليست تامة ، فالعقلانية الإسلامية تجمع بين العقل والنقل والإيمان الإسلامي يجمع بين الايمان بعالم الغيب والإيمان بعالم الشهادة والوسطية الإسلامية تعني ضرورة وضوح الرؤية باعتبار ذلك خصيصة مهمة من خصائص الأمة الإسلامية والفكر الإسلامي.


وتتحدد ملامح الوسطية الجامعة، بأنها تعتمد على كتابين هما كتاب الكون "الطبيعة" وكتاب الوحي وهي بذلك تجعل المسلم يبني حضارة لا تقوم على المادية فقط ، أو تقوم على التصوف الصرف، بل حضارة لا تنفصل عن الله وعن السماء بل تجمع بين عناصر العدل والحق من كتاب الله المسطور والمتطور.


كما أن مكانة الإنسان في المفهوم الإسلامي والرؤيا الإسلامية للوسطية لا تقوم على تمجيد الإنسان أو تحقيره بل تقوم في الأساس على أنه سيد في الكون وليس سيد الكون.


أما الملمح الثالث من ملامح الوسطية الجامعة فهو أن مصدر المعرفة الإسلامية هو الكتاب الكون والوحي، وأدواتها هي الحواس والعقل وعالم الغيب، كما أن الوسطية الجامعة تجمع بين العقل والنقل، وأن العقلانية في الإسلام ما هي إلا عقلانية مؤمنة ، بينما العقلانية في الغرب ما هي إلا عقلانية ملحدة، لذلك فليس هناك في الإسلام فصل بين الدين والدولة، فالدين ثابت لا يتغير، وهذا يجعلنا أحوج ما نكون إلى علم السياسة الشرعية باعتبارها علم المستجدات الذي يتناول المتغيرات في إطار الثوابت.


وعاب على من يرفضون مفهوم "الخلافة الإسلامية"، مؤكداً أن الخلافة الإسلامية في القرن الـ21 مختلفة عنها في صدر الإسلام، لأن الهدف من أي نظام في العالم أن يحقق 3 أمور وهي: تطبيق الشريعة، ووحدة الأمة، وتكامل دار الإسلام، وإذا تحققت هذه الأمور فإنها بمثابة قيام للخلافة الإسلامية، التي يقابلها اليوم بالفعل مفهوم "الاتحاد الاوربي" كخلافة للدول الأوربية، فلماذا نحارب إذا ما طالبنا بقيام أو تأسيس "اتحاد إسلامي" كخلافة إسلامية بالمفهوم المعاصر؟!


وأشار عمارة إلى أن الإسلام جعل السياسة الشرعية من الفروع لا من الأصول، لذلك لم نجد حروبا إسلامية على مر العصور من بداية الإسلام حتى اليوم بين المسلمين وبعضهم البعض، مؤكداً أن ما حدث بين سيدنا علي بن أبي طالب وبين معاوية كانت حربا سياسية ولم تكن حربا دينية، فبعضهم اجتهد فأصاب والبعض الأخر اجتهد فأخطأ، وهذا على عكس ما حدث في الغرب من قيام حروب دينية.


وساق كثيرا من الأدلة على الوسطية الجامعة للإسلام، بما جاء في تفسير قوله تعالى "وكذلك جعلناكمْ أمّة وَسَطًا"، من أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال "والوسط العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ وأشهد عليكم" رواه الإمام أحمد ، وإلى قول ابن القيم الجوزية "مَا أمر اللهُ بأمر إلا وللشيطان فيه نزعتان، إما إلى تفريطٍ وإضاعةٍ، وإما إلى إفراطٍ وغُلوٍ، ودينُ الله وسطٌ بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين جبلين، والهدى بين ضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، كما أن الجافي عن الأمر مضيع له، فالغالي فيه مضيع له، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد .


فالوسطية إذن هي حقٌ بين باطلين أو اعتدالٌ بين تطرّفين أو عدلٌ بين ظلمين، وكتاب الله وسنة رسول الله كلّها أمثلةٌ في تطبيق هذه الوسطيّة فكراً وقولاً وعملاً في كل ميادين الحياة: في الاعتقاد والتصور، وفي التعبد والتنسك، وفي التشريع والنظام، وفي الأخلاق والآداب.


وبهذا يعتبر دكتور عمارة أهم علماء المسلمين في وقتنا الحاضر طرحا لمفهوم ومصطلح "الوسطية الجامعة" كما قال د. وصفي عاشور .


لكن عمارة رد عليه قائلا: إن الانحراف الذي أصاب الأمة في فهمها لروح هذا الدين الوسط أخرجها عن تيار الوسطية، لكن هذا لا ينفي وجود اجتهادات للعلماء من قبل في دعوتهم الإصلاحية الواحدة تلو الأخرى لإعادة الأمة إلى الوسطية والعدل، ومنها دعوة الإمام محمد عبده في بدايات القرن الرابع عشر الهجري التي جاءت لتعالج الغلو من جهتين: غلو الإفراط المتمثّل في جمود طلاب الدين ، وغلو التفريط من قبل جحود طلاب العلوم الغربية فتراه يقول "ولقد خالفت في الدعوة إليه رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة : طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم .


كما أشار إلى دور عبد الله النديم في مواجهه التيار الليبرالي في بداية غزوة للعالم الإسلامي واصفا الحرية التي يريدها الليبراليون بأنها "الحرية البهيمية، وأن الحرية الحقيقية هي معرفة الحقوق والوقوف عند الحدود"، وهو نفس المعنى الذي أراده الإمام محمد عبده المجدد وابن تيمية.


وبهذا المعنى تكون الوسطية الجامعة هي طوق النجاة من التناقضات التي عجزت القوانين الوضعية البشرية أن تجد لها حلولاً، ووجدها الإسلام بوسطيّته الجامعة، مثل الروح والجسد، والدنيا والآخرة، والمجموع والفرد، والثابت والمتغير، والنقل والعقل، والتقليد والاجتهاد، والدين والعلم.


وأشار إلى أن حياة النبي صلى الله عليه وسلّم كانت تجسيداً لمنهاج الوسطية في الإسلام وكيف ربى أصحابه في هذه المدرسة النبوية التي تعلموا فيها معنى الوسطية، ضاربا المثل بحاطب بن أبي بلتعه الذي أرسله رسول الله إلى المقوقس حيث قال له: "نحن ندعوك إلى الإسلام الكافي به الله فقد ما سواه" رداً على كلام المقوقس من أنه يدعوه إلى ترك النصرانية .


اترك تعليق