فن التدين محاضرة من إلقاء الدكتور أحمد الريسوني في إطار سلسلة درووس سبيل الفلاح

By :

بسم الله الرحمن الرحيم  والصلاة والسلام على رسول لله وعلى آله وصحبه

بداية لا بد أن أذكر أن التدين الذي هو العمل بالدين والالتزام بالدين وممارسة الدين يتخذ عند الناس أشكالا وأنماطا، وللناس في ممارسة الدين وفهمه مذاهب، بعضها سديد وبعضها قريب وبعضها بعيد، بل يمكن أن نقول إن هناك التدين السوي والتدين الشقي، وهناك أناس يشقون بتدينهم وهناك أناس يسعدون بتدينهم ونتمنى أن نكون منهم.

إن التدين الشقي ليس فقط بضاعة نجدها ونحتك بها ونراها ونسمع عنها في التاريخ أو هنا وهناك بل التدين الشقي نصت عليه نصوص الشرع نفسه، نبهت على أن هناك أنماطا من التدين السيئ والرديء والمنحرف في مثل قوله تعالى "ومنهم من يعبد الله على حرف" أي على انحراف، فهذا يعبد الله متدينا هكذا يظن، ولكنه يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمئن وإن أصابته فتنة انقلب على عقبيه خسر الدنيا والآخرة ذلك الخسران المبين، فهذا بدون شك هذا تدين شقي، إذا كان ينتهي بصاحبه إلى الخسران المبين، لأنه عبد الله عبادة منحرفة وأخذ الدين أخذا منحرفا.

وفي الحديث الصحيح كذلك :"هلك المتنطعون" هذا التدين الشقي، المتنطعون يعني المتدينون المتنطعون، الحديث لا يتحدث عن الملحدين المتنطعين في إلحادهم وإنما يقصد المتنطعين في الدين والتدين، وينذرهم ويحذرهم بالهلاك وفي رواية "ألا هلك المتنطعون"، والمتنطعون هم كما يقول المغاربة هل تعرف الدين قال لا بل أزيد فيه، فهؤلاء يزيدون في الدين هذا هلاك، يزيدون فيه بأمزجتهم وبأهوائهم وبأفكارهم، هؤلاء هم المتنطعون أي المغالون الذين يزيدون في الأمور الذين يتجاوزون حدود الشرع، فيما يظنونه اجتهادا وتدينا وتقربا، يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول هلك المتنطعون فالتنطع سبيل الهلاك، وفي القرآن الكريم كذلك ذكر الله قوما ممن سبقونا ويمكن أن يكونوا أيضا منا في أي وقت :" ورهبانية ابتدعوها " الرهبانية والترهبن، هناك أناس يظنون أن من التدين الرهبانية، فالرهبانية الانقطاع عن زينة الحياة الدنيا وملذاتها، الانقطاع عن حلالها وحرامها، ولكن بالخصوص الانقطاع عن حلالها بدعوى التفرغ للعبادة، فهذه الرهبانية ما كتبها الله عليهم ولا هم استطاعوا أن يوفوا بما التزموه منها فهي أيضا نوع من الانحراف ونوع من التدين الشقي، وفي أيام النبي صلى الله عليه وسلم كما تعلمون قضية الرهبانية كما في الحديث جاء ثلاثة نفر إلى بيوت أزواج الرسول صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، وهم صحابة، بمعنى يريدون أن يعرفون ما يفعله النبي صلى الله عليه وسلم لكي يكونوا مثله بالتمام والكمال، جاءوا بهذه العزيمة وبهذه النية، فلما أخبروا عنها أي عن عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم وعن أعماله وقرباته تقالوها، يعني اعتبروها قليلة، فقد كانوا يظنونها أضعاف ما سمعوا، أي لم يعد قانعين بها أمام رغبتهم العارمة والجامحة في أن يفعلوا أشياء أكثر بكثير، فقال أحدهم أنا اقوم الليل فلا أرقد أبدا بمعنى ما سمعوه عن النبي لم يقنعهم فوضعوا دينهم لأنفسهم، إذا تركت ما عليه رسول الله وتصنع لنفسك عبادتك وتكاليفك فهذا دينك، أما أحدهم فقال أنا أقوم الليل فلا أرقد أبدا يعني الليل كله صلاة، وقال الآخر وأنا أصوم فلا أفطر أبدا يعني يصوم الدهر، وقال الثالث وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج آبدا فبلغ ذلك رسول الله صلى عليه وسلم فخرج إليهم وقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا، فقال أما والله إني أتقاكم لله وأخشاكم منه ولكني أصلي وأرقد، وأصوم وأفطر وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي، هذا التدين الشقي، فليس مني، إذن رجعوا فهؤلاء صحابة أمام رسول الله فانتهوا عن غيهم وخيالهم، إذن عندنا أشكال من التدين الشقي والتدين غير السعيد والتدين غير السوي، ومنها ما ورد أيضا في الحديث ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، هذا شكل من التدين الشقي ونوع من الانحراف بالدين عن سكته، وصراطه، وهو أن يشتغل الناس بالجدل فيما لا طائلة تحته، بل فيما تحته فتن ومشاكل، فالمعيار أن العلم السديد والعلم الصحيح هو الذي تحته عمل .يقولون كان إمامنا الإمام مالك رضي الله عنه يكره القول فيما ليس تحته عمل فالدين كله تحته عمل، إما أعمال القلوب تتحسن وتترقى وتتطهر، وإما أعمال الجوارح فما ليس تحته عمل فليس من الشرع، حتى من ابتلي به او استهواه فلا يفعله باسم الشرع وباسم الدين، إذن كل جدل لا ينتج عملا وصلاحا ونفعا هذا أيضا كما في الحديث ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل، يعني يضلون بسبب الجدل، فالجدل فيما لا طائلة تحته هو من التدين الشقي.

فنحن نبحث بعد هذه التنبيهات عن أشكال من التدين التي تدعونا إلى البحث عن فن التدين إلي التدين الصحيح والتدين الراقي، التدين السعيد، بعد هذا نعود إلى هذا التدين لنتلمس بعض معالمه وبعض صوره في ديننا وشريعتنا وأول ذلك أن نعرف كما ذكر الآن الدكتور مولاي عمر، الدين جاء بسعادة الدنيا والآخرة، وهذا معيار، فمن ليس سعيدا في دنياه فتدينه فيه نظر، وسنترك الحديث عن الاخرة وإن كانت الدنيا تشير إلى الآخرة فالذي عرف كيف يكون سعيدا في دنياه هذا مؤشر ومع ذلك نترك الاخرة، فالإنسان الذي ليس سعيدا بدينه في دنياه في تدينه خلل وليس هو التدين الصحيح، استحضر للتعبير عن الفكرة التي أريد وسأذكر بعض الايات المشيرة اليها، عنوان كتاب يلخص هذه القضية وهو للراغب الاصفهاني كل ما تجدونه للراغب الاصفهاني فاقرأوه دائما أوصي به، لأن هذا الرجل لم يأخذ ما يستحقه، من تلامذه الإمام حامد الغزالي وشهرة هذا الأخير أضعاف مضاعفة عن الراغب الاصفهاني بينما فلسفة الغزالي أصولها عند رجلين عند الراغب الاصفهاني وعند إمام الحرمين، له كتاب اسمه تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، هو كتاب صغير ولطيف جدا، ما يهمني في العنوان الشطر الثاني لأن الشطر الاول نظري عقدي يفصل النشأتين النشأة الأولى التي نحن فيها والنشأة الاخرة التي نحن سائرون اليها، الشطر الثاني من العنوان هوتحصيل السعادتين، إذن التدين الصحيح والتدين السوي وفن التدين هو أن تحقق السعادتين، فلا يقولن لنا أحد أننا لا أبالي بهذا الشقاء والهم والغم والحزن فأنا أعول على الآخرة نقول له إذا كنت في هم وغم وتعثر وتخبط وشقاء دنيوي فأنت في خطر أن تكون على نفس المنوال لان الدين جاء بتحصيل السعادتين، إذا لم تحصل سعادة الدنيا فهذه المقدمة والمقدمة تنبئ عما بعدها معناه أنت لا تسير على ما يرام، لدينا آيات كثيرة وأحاديث كثيرة وبعضنا أكيد مر منها بمفهوم يدل على ذلك، ولكن أزيد فأقول : قال الله تبارك وتعالـى :" للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الاخرة خير ولنعم دار المتقين" إذا لم تكن لنا حسنة في هذه الدنيا فأنت لم تكن من المحسنين فللذين أحسنوا جزاء وفاقا في هذه الدنيا حسنة، والحسنة حينما توصف بها الدنيا والاخرة معناها بالمجمل أن حياتهم حسنة ودنياهم حسنة، فإذا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة الله يعطيهم في هذه الدنيا حسنة أي حياتهم حسنة، أحوالهم حسنة نفوسهم حسنة سلوكهم حسن، في مجمل أمورهم أحوال حسنة، ولدار الاخرة خير هذا لا شك فيه فإن قلنا تحصيل سعادتين ليس أنهما يستويان.

قال تعالى : "فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الاخرة"، هناك ثواب الدنيا حينما نرجو الثواب ونتطلع إلى ثواب الله فعند الله ثواب الدنيا وعنده حسن ثواب الاخرة، فالله تعالى دائما يذكر الحسنتين ويذكر الدارين ولكن ينبه إلى ما بينهما من فرق.

ومن الآيات أيضا يقول تعالى : " فمن الناس من يقول ربنا اتنا في الدنيا وما له في الاخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا اتنا في الدنيا حسنة وفي الاخر حسنة وقنا عذاب النار"، هذا دعاء نموذجي يقدم إلينا دعاء الصالحين دعاء الأنبياء المقتدى بهم نقوله في دعائنا وهو من الأدعية المميزة، وله مواطن عديدة يقال فيها هذا الدعاء بالخصوص : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار، أي نطلب سعادة الدنيا.

وفي الآية الأخرى "وإما ياتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى،"أي فلا يضل في دينه ولا يشقى في دنياه، "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا في الدنيا ونحشره يوم القيامة أعمى" أي في الآخرة أعمى، إذن الاية بشطريها تتحدث عن الدنيا والآخرة، فلا يضل ولا يشقى الضلال الديني والشقاء الدنيوي، من اتبع هداي المفروض إذا كان اتباعه صحيحا سليما لا يضل ولا يشقى لا يضل في دينه ولا يشقى في دنياه، والعكس ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة والمعيشة تطلق على الدنيا، معيشة ضنكا معيشة سيئة ورديئة ومنحطة ونحشره يوم القيامة أعمى أي مقابل الضلال الديني، لكن تحصيل السعادتين وتحصيل الحسنة في الدنيا وهذه الهداية وهذه الحياة التي نرجوها ونحصل السعادة فيها ليست فقط مجرد الحصول على المتاع بالتعبير القرآني يعني ممتلكات وأموال وشهوات بدنية هذا يدخل فيها ومعتبر وفي حدوده الكاملة والراقية، لكن سعادة الدنيا التي نسعى إلى تحصيلها ويسعى الدين إلى تحصيلها وهي التي تجسد التدين السوي هي التي ذكرها الله تعالى في قوله:" من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مومن فلنحيينه حياة طيبة" هذه هي السعادة التي نبحث عنها، والتي يهديها لك ويمكنك منها الشرع، آتنا حسنة في هذه الدنيا هي هذه الحياة الطيبة، والحياة الطيبة هي أبعد من المال والجنس والطعام والشراب والنوم واللعب، هي أبعد من هذا وأرقى من هذا وأرحب من هذا، " ولنجزينهم بأحسن ما كانوا يعملون" حتى يتضح بأن الحياة الطيبة المقصود بها الدنيا لأنه عطف عليها فقال ولنجزينهم أجرهم يعني يوم القيامة، بأحسن ما كانوا يعملون، إذن الحياة الطيبة في هذه الدنيا هي الحسنة التي يؤتيها الله للمحسنين في هذه الدنيا أي الحياة الطيبة وبعد ذلك يجزون بأحسن ما كانوا يعملون يوم القيامة. فما هي الحياة الطيبة؟ هذا هو بيت القصيد في هذه الحسنة الدنيوية وفي تحصيل السعادة الدنيوية، الحياة الطيبة هي أرقى وأسمى وأنظف وأتم وأسعد من مجرد الحياة الدنيوية البدنية بشهواتها وممتلكاتها المذكور ة في آيات كثيرة، فقد قال المفسرون أقوالا عديدة فيما هي الحياة الطيبة فهذا جزاؤنا في الدنيا لا بد أن نعرفه، ما هي خصائصه ومضامينه؟ قالوا الرزق الحلال الرزق الواسع قالوا الصحة والعافية قالوا القناعة، فالقناعة كما هو معلوم كنز لا يفنى، ولكن مع ذلك وهذا اختيار الإمام الطبري شيخ المفسرين قال الحياة الطيبة هي القناعة واستدل على ذلك وروى هو نفسه عن ابن عباس قال الحياة الطيبة السعادة، وهذا هو الأصح وهذا هو الأليق لأن كل ما ذكر كله جزء من الحياة الطيبة وليس كل الحياة الطيبة، نحن نعرف أن الإنسان يميل للحلال والرزق الطيب ولكن ليست هذه هي السعادة فقد يشقى بماله وقد لا ينتفع به، وقد يؤتى الصحة والعافية وهي نعمة عظيمة جليلة وكما قيل هي تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى، ولكن هذه كلها أجزاء فالقناعة طبعا شيء مهم جدا وجوهري في الحياة الطيبة لأن القناعة هي أن الإنسان يعيش نوعا من الرضا أو من الاطمئنان سواء كان عنده القليل أو الكثير أو المتوسط وطبعا هو يسعى لتوسيع رزقه وهذا واجب وليس فقط مباحا، بل واجب أن يسعى لتوسيع رزقه فيسير في الأرض يضرب في الأرض لكن في النهاية ما تحصل عليه تبارك الله وما لم يحصل عليه وفات فلا مشكل وهذه هي القناعة، فما تحصل عليه فيه الكفاية، في انتظار أن يأت أو تأت أشياء إضافية فإذن الرزق الحسن والقناعة بهذا الرزق الحسن سواء أكان واسعا أو دون ذلك شيء مهم جدا، ولكن مع ذلك هذه أجزاء من الحياة الطيبة وتبقى أجمع كلمة قالها المفسرون، هي ما قاله ابن عباس :الحياة الطيبة السعادة، أي تحصيل السعادتين. فما هي هذه السعادة؟ السعادة تبدأ أولا من القلوب بل أكثر من تسعين في المئة منها هي من القلوب، فسعادة الإنسان ليس بقامته ولباسه وسيارته وما نراه، يعني قد نقترب من أي شخص بهذه المظاهر والنجومية ولكن قد نجد قلبا شقيا وحياة تعيسة، وأتوقف طويلا عندما أسمع عن نجوم الفن ينتحرون ويدمنون المخدرات وأقول سبحان الله، حين نرى هذه الأضواء الشديدة والألوان الساطعة والملابس والعناية الإعلامية والهدايا تنهال عليهم تقول سعادة ما بعدها سعادة وعندما تقترب تكتشف الخواء والفراغ وسرعان ما تنكشف فتفضح الأمور في بعض الحالات وليس في جميعها إدمان مخدرات وانتحار وطلاق وفرقة وشتات واكتئاب الى آخره، فإذن السعادة في القلوب، السعادة في النفوس، وأكثر ما تنعكس الحياة الطيبة، بعد أن تنعكس في الرزق والصحة وهذا لا ننكره ولا ننتقص منه، إلا أن السعادة الحقيقية هي في الباطن أن يكون الإنسان طاويا في باطنه على طمأنينة واستقرار وهدوء وسكينة هذه هي الحياة الطيبة بالدرجة الأولى الحياة الطيبة هذه أو التدين السوي هذا الذي نبحث عنه وسعادة الدنيا التي نتحدث عنها أولها يبدأ من الإيمان فالسعادة أولا وقبل كل شيء تبدأ بالإيمان وتتجسد بالإيمان بالله والباقي فروع وتوابع وبصفاته وبمقامه، فالإيمان بالله هو مفترق طرق يجعل هذا كائنا وهذا كائنا آخر، نحن نولد بني ادم ونولد إنسانا ونولد بصفات مشتركة ولكن حينما يصبح هذا مؤمن وهذا غير مؤمن نصبح أمام عالمين مختلفين تماما، يقول تعالى على سبيل المثال في الشرك "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" هذا توصيف لحالة المشرك في حالة من حالاته إذا كان مشركا بالله أصبح مثله وتشبيهه وشرح حالته فكأنما خر من السماء وليس من الطابق العاشر أو الرابع كما يحصل للناس بقصد أو غير قصد أو خر من رأس جبل لا كأنما خر من السماء أكثر من هذا قبل أن يصل إلى الأرض يتخطفه الطير فالسماء تناثرته وجزأته واقتسمته الطيور الجارحة أو تهوي به الريح في مكان سحيق حتى السقوط لم يكن كما يريد، وهذا تصوير لنتتبع مراحله لنعرف هذه الحالة الحقيقية للمشرك وهذا هو التمزق كما يعبر في المصطلحات الحديثة أو النفسية وهي حالة التمزق والضياع، فعدد من الفلاسفة يعبرون عن حالة الضياع وهم يعبرون عما في أنفسهم فهو فيلسوف ولكنه يعيش حالة ضياع فليس هناك إيمان. ما معنى الضياع؟ سنعرفه بمثال بسيط جدا نقول هذا يتيم ضائع خصوصا إذا كان يتيم الأب والأم، فكيف بمن جعل من نفسه لا رب له، هذا ضياع كبير، كما قال قائلهم في بيت شعري : من أين جئت لا ادري ..وهي أبيات لإيليا أبو ماضي، وهذا هو التمزق، بالمقابل المؤمن يعرف كيف جاء وإلى أين يسير وماذا بعد الموت... ويعرف أن هذه الحياة لها ابتداء ولها نهاية ولها رسالة ولها مقاصد يعيش مطمئنا ليس لديه فراغ، في عقله وفي نفسيته وفي قلبه، فالمؤمنون ليسوا أيتاما وليسوا أيتاما في مأدبة اللئام لهم ربهم ولهم خالقهم ولهم من يستندون اليه، اللهم لا ملجأ ولا منجى إلا إليك بدون الله تعالى وبدون الايمان به كيف يجد الانسان بديلا عن هذا، سيزيد العبث، عبثية الدنيا، عبثية وجوده، عبثية كل ما يجري حوله، عبثية ما نحن سائرون إليه كل شيء صار عبثا في عبث، وهذالايستقيم، نحن كثيرا نسمع بفلان وفلان وحتى الفلاسفة انتحروا انتهت حياتهم بالانتحار أو بما يشبه الانتحار، أي الانكسار وقد يمن الله على بعضهم فيهديهم في وقت من الأوقات. إذن هذا الإيمان هو أول السعادة، بمعنى إنسان مطمئن يأوي إلى ركن شديد رب يلجأ اليه ويحيمه، رب يضع له إجابة على التساؤلات المصيرية الكبيرة كما ذكرنا، يملأ قلبه، يملأ أفقه، ويملأ مستقبله، ويملأ حاضره هذه سعادة كبيرة جدا، وإذا كانوا قالوا إن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى فهذه كذلك نعمة لا نقدرها حق قدرها إلا لو عرفنا ما فيه الآخرون من معاناة من مثل ما وصفته الآية التي ذكرتها سابقا، واليوم كثر الملحدون وهم أسوأ من المشركين، فالأقرب إلينا اليهود والنصارى وهذا بنص القرآن وهذا هو الواقع والأقرب الينا بعدهم المشركون ويأت الملحدون في آخر المقام، أبعد الناس عنا هم الملحدون الذي لا دين لهم ولا عقيدة لهم هم أبعد الناس عنا في المفارقة والاختلافات وهم أيضا أبعد عنا من حيث ميزان السعادة والشقاء، أشقى من المشرك الذي صورته الآية، فالملحد إذا رجع فباب الله دائما مفتوح، ونحن نقرأ سورة الفاتحة على الدوام سنقرأ كنوز لهذا للمؤمن، الحمد لله رب العالمين واقرأوا تفسيرها من حين لأخر ومن أروع تفسيرها عند الفخر الرازي صاحب التفسير الكبير مفاتيح الغيب، انظر إلى الصفات التي ذكرت واختيرت ووضعت في هذه الآيات وهي اللازمة اليومية التي نرددها في كل وقت وحين، الحمد لله رب العالمين، قال الرب ولم يقل الخالق أو الإله فالرب تشمل كل هذا وأوسع منها فالرب هو الذي يرعى ويعتني ويشفق ويرحم، فليس وحدي الذي خلقني والخلق أمر واحد مما تتضمنه كلمة رب، وللعالمين ونحن نشترك والعالمين كلهم يشتركون، ثم الرحمان الرحيم، لماذا أوتي بهاتين الصفتين؟ نرددها لأن لهما مكان الصدارة والهيمنة في صفات الله فصفات الله عديدة وكثيرة ولكن أبرز الصفات المهيمنة على حياة المسلم وثقافته وعبادته رب العالمين الرحمان الرحيم، فيتدبر هذا ويعرف أنه يعيش ويقف على أرض صلبة ويتمتع بسعادة وطمأنينة ويأوي إلى ركن شديد وركن آمن هو ركن الله تبارك وتعالى، فمن لم يكن عبدا لله والمؤمن عبد لله، من ليس عبدا لله لا يظنن هو وأي أحد منا أنه ليس عبدا لله وكفى، من ليس عبدا لله فهو عبد لغير الله حتما، لمال أو لصنم أو لجاه أو لشهوات فكل من ليس عبدا لله هو عبد لغير الله، يعني هل ينقاد لله او ينقاد لغيره، إذا انقاد لغيره ووقع في فبضة غيره تحت سلطان غيره فهو عبد له، إذن إما أن تقبل عبوديتك لله وتفتخر بها وتعتز بها وتنعم بها وتحس بلذتها، وإما أنك ترتكن في العبودية لغير الله، وهذا جانب من الحياة الطيبة التي جاء بها الشرع ويكفلها الدين والتدين الصحيح، وهذه فقط لقطات ومقاطع فالموضوع يصلح أن يكون سلسلة محاضرات ودروس.

من القضايا التي تسبب إما السعادة أو الشقاء وهي قضايا في الدين إذا أخذت بشكل سليم فهي سبب للسعادة وإذا انحرف فيها الإنسان كانت سببا لشقائه، قضية القضاء والقدر، فكثير من الناس يعانون ويتخبطون مع مشكلة اسمها القضاء والقدر، حتى إن كثيرا من الناس ارتدوا بعد إيمان بسبب قضية القضاء والقدر وكيف تعاملوا معها وكيف نظروا إليها، فكثير من الناس أصلا لم يؤمنوا بهذه القضية، كثير من الناس ليسوا لا من المؤمنين ولا من الملحدين بسبب هذه القضية، كثير من الناس يعانون من اضطرابات فكرية بسبب قضية القضاء والقدر، وهي بسيطة، محجة بيضاء إذا أخذت على ما هي عليه، وعلى ما قصد منها، وأنا اقول للأسف حتى كثير من علمائنا خاضوا في هذه القضية وألفوا فيها المجلدات، الواحد منهم يؤلف مجلدات في هذه القضية وحدها، والامر ليس هكذا، فهي لا تحتاج إلى أكثر من بضعة أسطر، تقرأ بعض الآيات وتفهمها وتستريح وتصبح عقيدة القضاء والقدر نعمة ورحمة وسكينة وطمأنينة، إذا ألفنا المجلدات ولو كنا نرد على الملحدين والقدرية والجبرية حتى في هذه الحالة هو انزلاق وضياع وتضييع لهذه العقيدة وتضييع لأنفسنا بسبب هذا الجدل.

فالقضاء والقدر لماذا يضل الناس فيه؟ يضل الله فيه من بابين: الباب الأول يمكن أن أسميه قياس الخالق على المخلوق، يأتي الإنسان ليتفكر في صنع الله وأقداره ومخلوقاته وتصريفه، يفكر في الله تعالى وأفعاله وأحكامه كما يفكر في نفسه وفي صاحبه ورئيسه وجاره وهذا ضلال كبير جدا، أنت إما أنك تؤمن بالله كما هو وإما لا شيء لديك تحاسب عليه، فكثير من الناس الذين غرقوا في مسألة القضاء والقدر يحاسبون الله كما يحاسبون أنفسهم لماذا فعل كذا لماذا لم يفعل كذا، هذا يجب أن يكون هكذا.. لماذا هذه الحياة؟؟ لماذا فقد الناس أبصارهم ولماذا هؤلاء فقراء ولماذا هؤلاء جوعى ولماذا هذه الحروب ولماذا هذه الشرو؟؟ اذن الله تعالى كذا وكذا ويرتبون على ذلك ما يرتبونه، التعامل مع الله يجب أن يكون هو التعامل مع الله ليس له مثيل يقاس عليه، الله تعالى لا يقاس على عالم ولا نبي ولا ملك، فالله هو الله، فكل شيء يمكن قياسه لأن كل شيء له مثيل، فالأنبياء كثير والملائكة كثير، والملوك كثيرن والفقراء كثيرن والأغنياء كثيرون والعلماء كثيرون والعباد كثيرون، يمكن أن تقيس بعضهم على بعض وتسنتنج أن الله تعالى لا يقاس عليه، اعرف الله كما هو أولا إذا عرفته كما هو وأنه على كل شيء قدير، وأنه عزيز حكيم وأنه لطيف خبير وأنه عدل رحيم، وهو لطيف بعباده، إذا عرفت كل هذا فأي مشكل يبق لديك بعد ذلك؟ فأي مشكل يبق لديك في عقيدتك مع الله بمعنى أن هذه الصفات ليست مسلمة، الله رحمان رحيم، لطيف خبير، وهو عدل، فالذي يظلم لأنه لم يستطع اخذ مال بالعدل فأخذه بالظلم، أو أناس لم يستطع أن يخضهم بالعدل فأخضعهم بالظلم، وهكذا فهي أهواء وشهوات لا يستطيع الإنسان أن يحققها بالعدل والإنصاف فيتجاوز ويحققها بالظلم، فالله تعالى لديه كل شيء كن فيكون، فهو عدل كما في الدعاء النبوي: ماض في حكمك عدل في قضاؤك إذا عرفت هذا وقلته ورددته وسلمت به انتهى الأمر. وقد يقول الإنسان أنا لم أفهم، وأنا أيضا أقولها قد نفهمه الآن وقد نفهمه فيما بعد، وحتى لو نفهمه لا مشكلة، فنحن كثيرا ما لا نستطيع أن نفهم ما يجري في أجسامنا كالتفاعلات الجارية في أجسامنا وأصابعنا وأنوفنا، لا نستطيع رغم التحاليل والصور، فكيف تريد أن تعرف ما يجري في ملك الله، وتخضعه لنفسك وعقلك وميزانك وتقول كذا وكذا، هذا ضلال وغرور كبير، فهذا الضلال الأول وهو أن الناس يظنون بالله الظنونا كما يظنون بأنفسهم وبخصومهم وبالبشر بكل نقائصهم وعيوبهم وآفاتهم وإلى آخره، لا الأمر ليس كذلك، اعرف الله كما هو لا شريك له، ليس كمثله شيء، وليس له مثيل يقاس عليه، لا تقس شيئا يتعلق بالله على شيء يتعلق بخلقه، فهذا أمر يجب أن يحسم، وإذا كان الإنسان يصر أن يقيس فهذا قد اتخذ آلهة ولم يبق إله واحد وحيد، فهذا المنزلق الاول ودواؤه هو أن نعرف صفات الله تعالى وخاصة منها كما قال صلى الله عليه وسلم ما ض في حكمه عدل في قضائك، مع أن لله العدل والإحسان وعدله كاف لنطمئن، ماذا بعد؟ ماذا وراء هذه الحياة ومشاكلها إذا لم ندركه لا مشكل. فنحن أهل القصور والضعف، والإنسان أشياء قليلة جدا ودوائر ضيقة جدا لا يستطيع أن يفهمها فكيف يفرض نفسه رقيبا وحسيبا على أفعال الله في هذه الدنيا من أولها إلى آخرها، فإذن سلم أمرك للحكيم العليم الخبير اللطيف سلم لها، وما ينتج عنها وما يصدر هنا يصبح الأمر راحة كل الراحة، اشتغل بما في مستواك واترك الامر لله تعالى.

المشكل الثاني الذي يسبب ضلالا في قضية القضاء والقدر هو أن كثير من الناس لا يرون إلا البلاء والغلاء والوباء والشقاء وأشياء أخرى لا يرونها، مع العلم أن هذه الحالات التي هي البلاء والغلاء والوباء والشقاء في جميع الحالات هي نسبة ضئيلة في الكون، نسبة ضئيلة في الحياة، نسبة ضئيلة في أجسامنا، نسبة ضئيلة في حياتنا الخاصة، هذه الأمور تجعل بعض الناس لا يرونها إلا هي، فيقولون ان الله ملأ الدنيا شرورا، فالحياة فعلا فيها شيء من هذا فيها الخير وفيها الشر وفيها المعاناة إلا ان هذا قليل وضئيل، علينا أن نرى الامور كما هي، إذا رأينا الأمور كما هي سنرى من النعم أضعاف أضعاف بآلاف وملايين المرات مما فيها من عناء وشقاء وبلاء وغلاء، وهناك أشياء بأي ثمن كانت فهي رخيصة فالإنسان عندما ينظر بعين البحث عن نعم الله قد يقول إن الغلاء لا يوجد مطلقا، فشربة ماء قد يصل بالإنسان في وقت من الأوقات أن يعطي فيها ما لا يتصور من المال وحينها نعرف قيمتها الحقيقية، هناك حديث أصفه بأنه حديث عجيب وأنا أريد به في غير ما يراد به عادة في ذكره وشرحه، سأذكره ثم اعطي المراد منه فيما يتعلق بمن يرى أن الشقاء هو النسبة الكبيرة ولا يرون تسعة وتسعين في المئة من الخير والنعم والراحة والفضل... يقول صلى الله عليه وسلم في حديث متفق عليه، (كل سلامة من الناس على الإنسان أن يتصدق عليها)، أي كل قطعة من جسم الانسان عليه في كل يوم أن يدفع ضريبتها، والمقصود أن الحديث يجعلنا نفكر لا أن الله خلقنا ورزقنا بهذا الجمال وهذا المظهر بل أن تنظر في نفسك قطعة قطعة، فنحن حينما نصبح نقول "اللهم أصبحت منك في نعمة وعافية وستر فأتم علي نعمتك وعافيتك وسترك"، ثم نقول "اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك"، ولكننا في هذا الحديث عادة ننظر إلى أنه الحمد لله أصبحنا بخير وحركنا سيارتنا وخرجنا، ولكن بمقتضى هذا الحديث يجب أن تنظر في كل قطعة قطعة لتعرف بدرجة أكبر النعم الموجودة في هذه الحياة، إذا أصبح هذا الأصبع معطلا أو أصبح جزء منه معطل ستعرف حينها قيمته، قد يكون خلل في سنتمتر من جسمك فهي مصيبة، يقول الحديث: "كل سلامة من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين اثنين صدقة، ويعين الرجل في دابته فيحمل عليها أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة وكل خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة ويميط الاذى من الطريق صدقة،" فاذا فرضنا أن في جسم الإنسان ثلاثمائة وستون سلمة فليقل ثلاثمائة وستين كلمة طيبة كل يوم للناس وفكر أن تجعل هذه الكلمات الطيبة مقابل هذه النعم المنتشرة في جسمك.

وهكذا ننظر إلى هذه الدور وهذه الطرقات وهذه الأشجار وهذا الهواء الذي نتنفسه وهذا الماء الذي نشربه والقرآن مليئ بالتنبيه لهذه الامور: "أرايتم الماء الذي تشربون" أريأيتم... أرأيتم... ليتعلم الانسان النظر ما في الدنيا من نعم، ماذا يتمتع به هو من نعم، ما نسي من النعم، فالإنسان مثلا إذا مرض ملأ الدنيا شكوى، فإذا التقيت بالناس حدثهم عن ثلاثمائة سلامة وأخبرهم أنها بخير ومرتاح وكل شيء يشتغل ولكننا لا نتحدث بهذا للأسف، ولكن على الأقل نستحضره لأنفسنا، فعندما تخرج في كل سنتمر يمكن أن ترى نعمة الله فترى فيه الخير والنور والبهاء والجمال.. ولكن لأن هناك انزلاق لا يرى إلا الأسود ولا يرى إلا البلاء والشقاء والغلاء، ويصبح ناقما عن الحياة وعن الله وعن قضائه وقدره، فيغرق يوما بعد آخر فيزداد سوادا ويزداد شقاء بعقيدة القضاء والقدر. يقول الله تعالى في ما يتعلق بالقضاء والقدر: "ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم"، أي لكي لا تحزن ولا تهتم وتكتئب على ما وقع وما لم يقع، لأننا إذا تعاملنا بهذه الطريقة فأسانا لن ينته، فكل شيء من عند الله.

الدكتور أحمد الريسوني


اترك تعليق