فلنحرّر مصر قبل تحرير القدس

By : وائل قنديل - رئيس تحرير العربي الجديد


أين مصر من القدس والأقصى؟ وأين مصر من سورية؟

تبدو هذه النوعية من الأسئلة أقرب إلى الكوميديا الزاعقة هذه الأيام، ذلك أنه عندما تكون مصر غائبة، أو مغيّبة، عن مصر، فمن العبث أن ينتظرها أحد عند المواعيد الكبرى، على المستوى القومي.

مصر الغارقة في مستنقعات "حرب القفا" لا يمكن أن تكون حاضرة في حروب التتار والمغول والفرس والروم على أمتها. مصر التي يختطفها من لا يحفظ لها تاريخاً، ولا يعرف لها جغرافيا، لا يمكن أن تكون إلا ما تراه الآن: مجرد صبي يتفرج على معركة، عارضاً خدماته وانحيازاته على من يدفع، ومن يكسب. لا موقف مبدئياً هنا، بل هي تلك الأخلاق الفريدة التي تبدت على أداء خاطفيها وقاتلي ثورتها.

مصر "الجديدة" التي باعت عمرو بن العاص وصلاح الدين، وعادت عز الدين القسام وشامل باسييف، وأنجبت أكبر هدية لإسرائيل، لا تنتظروا منها دوراً ولا تتحرّوا لها هلالاً في مطالع الأزمات والحروب.

 في عام 2011، وبعد أربعة أشهر من نجاح ثورة يناير/ كانون الثاني في خلع حسني مبارك، أثيرت قضية الزحف إلى الحدود الشرقية، دفاعاً عن غزة، فكتبت في ذلك الوقت سطوراً أستعيدها الآن، في هذه اللحظة الحالكة:

يستطيع المصريون أن يحرّروا القدس، عندما يتمكنون من استكمال ثورتهم، وإتمام مطالبها وأهدافها بشكل كامل، وقبل أن يتحقق ذلك، تصبح الدعوة للزحف المليوني إلى غزة قفزاً في المجهول، غير مأمون العواقب.

ذلك أنه لكي تقفز قفزة سليمة وقوية، لا بد أن تكون واقفاً على أرض صلبة، وأظن أننا، حتى الآن، لا نزال نغوص في تربة رخوةٍ، لم تتهيأ بعد للوقوف والقفز، انطلاقاً منها أو البناء فوقها.
وعليه، إذا كنا جادين فعلاً في العمل من أجل نصرة الفلسطينيين وتحرير القدس، يصبح لزاماً علينا أن نكمل تحرير مصر أولاً، فالثابت أننا لم نتحرّر بعد من بقايا وطحالب النظام السابق، كما لم نتحرّر بشكل كامل، حتى الآن، من الأورام الطائفية التي تتهيّج وتثور من وقت إلى آخر، فضلاً عن أننا لا نزال محاطين بقوى مضادة للثورة، تواصل هجماتها الخسيسة لإنهاك المصريين وتخريب ثورتهم.

أما الأخطر من كل ذلك فهو أننا لا نزال دولة بلا دستور أو برلمان أو رئيس، ومن ثم يصبح التفكير في الذهاب خارج الحدود لدعم هذا الشقيق أو ذاك، في مثل هذه الظروف، نوعاً من الرومانسية الثورية المفرطة، مع شديد التقدير والاحترام للثورة وللرومانسية معاً.

إن الجهاد الأكبر الآن يجب أن يكون موضوعه بناء الشخصية المصرية التي تصدّعت بفعل عقود طويلة من القمع والفساد والجهل والمرض، وهذا لن يتحقق إلا عندما يمارس المصريون حقهم في المشاركة في صياغة دستور كامل، غير مرقّع ينظم حياتهم، ومن خلاله، يستطيعون انتخاب من يمثلهم في البرلمان، ويختارون من يرأسهم عبر انتخابات نظيفة وشفافة.

إننا سنخدم القدس أكثر، عندما ننجز مهمة بناء مصر من الداخل، ونقوّي جبهتنا الداخلية بما يسمح لنا بالانتقال إلى خارج الحدود، ونحن مطمئنون إلى صلابة المجتمع، كما يمكن أن ندعم القضية الفلسطينية على نحو جاد وحقيقي، عندما نواصل النضال من أجل إيقاف تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، ومنع استقبال قطعان السائحين الإسرائيليين على الأرض المصرية، وتشييع التطبيع الإجباري الذي فرضه علينا النظام الساقط إلى مثواه الأخير.

ومن يرد استعادة القدس المغتصبة حقاً فليعمّر متراً واحداً من صحراء مصر الصفراء كل يوم، ليزرع قمحاً ويعلم طفلاً أن لنا عدواً واحداً اسمه "إسرائيل" فالطريق إلى القدس يبدأ بأن تلتقط مصر أنفاسها، وتؤمن خبزها لنفسها بنفسها، ولا تمد يدها لأحد، أو تخضع لابتزاز من أحد. ساعتها فقط يمكن أن نقول إن تحرير القدس على مرمى حجر.


اترك تعليق