هنا كانت حلب... خارطة الكارثة الكبيرة بمجازرها ودمارها وتهجيرها

By :

غيّرت الحرب المستمرة في سورية منذ أربع سنوات، شكل مدينة حلب، فبعدما قسّمتها الحرب إلى مدينتين منذ سيطرة قوات المعارضة على أحياء المدينة الشمالية والشرقية والجنوبية، في مقابل احتفاظ قوات النظام بالسيطرة على أجزاء من وسط المدينة وأحيائها الغربية، تسببت المواجهات المسلحة بين الطرفين وقصف طيران النظام لمناطق سيطرة المعارضة، بنزوح مئات الآلاف عن المدينة، بعد أن دُمّرت البنية التحتية ومُسح الكثير من الشوارع عن الخريطة لتتحوّل جنباتها إلى أكوام من الركام.

خسرت حلب أيضاً معظم معالمها السياحية والأثرية، كما خسرت ثلاث مدن صناعية كانت تقع شمالها وتشغّل مئات الآلاف من أبنائها، لتتحوّل المدينة من عاصمة التجارة والصناعة في سورية، إلى عاصمة الموت والنزوح السوري.

موجات نزوح مستمرة

أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، أن نحو 120 ألف سوري، اضطروا للنزوح من منازلهم، خلال الشهر الحالي، بسبب اشتداد الاشتباكات بين قوات النظام والمعارضة في مناطق الشمال السوري، وأشار المكتب إلى أن هناك ما لا يقل عن 44 ألفاً و568 شخصاً فروا من مناطق جنوب حلب خلال الفترة من الخامس عشر من أكتوبر/تشرين الأول حتى الخامس والعشرين منه، ذلك نتيجة القصف الذي شّنته قوات النظام والطائرات الروسية على قراهم وبلداتهم جنوب حلب.

ولفت المكتب إلى أن تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) تمكّن من قطع الطريق الوحيد الذي يصل مناطق سيطرة النظام السوري في حلب، بمناطق سيطرته بحماة في الثالث والعشرين من الشهر الحالي، ما جعل 700 ألف نسمة هم من تبقى من سكان مناطق سيطرة النظام في حلب، عرضة لمخاطر كبيرة أهمها نقص الغذاء والدواء والمحروقات.

ويضيء تحذير المكتب الأممي على حقيقة أن مجموع كل من تبقى من سكان في مناطق سيطرة النظام في حلب وريفها الشرقي لا يتعدى 700 ألف نسمة يضافون إلى أقل من مئة ألف نسمة فقط يسكنون مناطق سيطرة المعارضة في مدينة حلب بحسب مصادر المنظمات والمؤسسات الخيرية والإغاثية العاملة في المدينة.

وكان عدد سكان مدينة حلب قد بلغ مليونين و301570 نسمة، فيما بلغ عدد سكان حلب مع ريفها خمسة ملايين و181061 نسمة، وذلك بحسب الإحصاء السكاني الشامل الذي أُجري في سورية عام 2004. وهذا يعني أن عدد سكان محافظة حلب إبان اندلاع الثورة السورية عام 2011 قد بلغ أكثر من ستة ملايين و217269 نسمة بحساب أن معدل الزيادة السكانية الطبيعية في سورية هو 2,45 في المائة سنوياً، فُوصفت حلب وريفها مع هذا العدد الكبير من السكان بأكبر حواضر المشرق العربي على الإطلاق وليس فقط أكبر محافظات سورية لجهة عدد السكان.

وانخفض عدد سكان حلب وريفها إلى أقل من الثلث بعد أربع سنوات من الحرب، إذ بدأت موجات النزوح عن مدينة حلب فجر 19 يوليو/تموز عام 2012 مع دخول قوات الجيش الحر إلى المدينة واشتباكها مع قوات النظام التي كانت تنصب عشرات الحواجز العسكرية في شوارع المدينة، لتتمكّن قوات الجيش الحر من السيطرة على مساحات واسعة من أحياء صلاح الدين والعامرية وسيف الدولة والمشهد جنوب غرب حلب، وتبدأ قوات النظام حينها بقصف هذه الأحياء بقذائف الهاون والمدفعية، الأمر الذي دفع عشرات الآلاف من السكان إلى مغادرة منازلهم خلال ساعات.

تصاعد النزوح عن أحياء مدينة حلب التي باتت تتعرض للقصف فيما بعد حتى استقرت الأمور بشكل نسبي نهاية عام 2012 مع سيطرة المعارضة على نحو سبعين في المائة من مساحة المدينة، في مقابل سيطرة قوات النظام على الثلاثين في المائة الباقية، في الوقت الذي كانت فيه مناطق ريف حلب قد خرجت بشكل شبه كامل عن سيطرة النظام.

المجازر سبب للنزوح

النزوح الأكبر الذي شهدته حلب كان نتيجة حملة القصف اليومي بالبراميل المتفجرة والتي شنتها قوات النظام على أحياء مدينة حلب منذ شهر أكتوبر/تشرين الأول عام 2013، إذ تسبب القصف اليومي بالبراميل المتفجرة على أحياء المدينة منذ ذلك التاريخ بإفراغ أحياء مساكن هنانو والصاخور والشعار والهلك وبعيدين والفردوس والصالحين وطريق الباب والأنصاري والحيدرية وغيرها، وهي كلها أحياء شديدة الاكتظاظ بالسكان وتتميز بأبنيتها المتلاصقة ذات الكثافة السكانية العالية. لكن ساكني هذه الأحياء فضّلوا النزوح على الوقوع ضحية المجازر التي تسبّبت بها البراميل المتفجرة التي ألقتها الطائرات المروحية التابعة للنظام على أحياء المدينة، إذ وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حتى نهاية شهر فبراير/شباط من العام الحالي، مقتل 4105 من سكان مدينة حلب نتيجة القصف بالبراميل المتفجرة، بينهم 1208 أطفال و1123 امرأة.

أحياء أخرى في مدينة حلب نزح أهلها عنها بحكم تحوّلها إلى خطوط مواجهة بين قوات النظام والمعارضة لسنوات أربع حتى الآن، فالكثير من الأحياء ككرم الجبل وصلاح الدين وسيف الدولة والعامرية والشيخ سعيد والميسر وكرم الطراب والمرجة والشيخ خضر والشيخ فارس وبستان الباشا والأشرفية وبستان القصر وغيرها خلت بشكل شبه كامل من سكانها نتيجة تحوّل شوارعها إلى خطوط نار بين قوات النظام والمعارضة لشهور طويلة.

وكانت وتيرة النزوح تتصاعد في مدن وبلدات ريف حلب بالتزامن مع ما يجري في المدينة، إذ إن القصف بالبراميل المتفجرة طاول مدن وبلدات ريفي حلب الشمالي والغربي ولكن بوتيرة أقل من الوتيرة التي اتبعها النظام السوري في قصف مدينة حلب، ما تسبب بنزوح أعداد كبيرة من سكان هذه المدن والبلدات عنها.

لكن وتيرة النزوح في ريف حلب الجنوبي كانت الأعلى خلال عامي 2013 و2014، إذ تسبّبت سبع مجازر كبرى ارتكبتها مليشيات موالية للنظام، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، بنزوح سكان الكثير من مناطق ريف حلب الجنوبي. وقالت الشبكة السورية في تقرير أصدرته العام الماضي، إن قوات طائفية سورية ولبنانية وعراقية وإيرانية، ارتكبت بين 27 فبراير/شباط 2013 و22 فبراير/شباط 2014، مجازر في قرى ريف حلب الجنوبي، وهي مجزرة قرية المالكية (69 ضحية بينهم 5 أطفال و3 نساء) ومجزرة قرية تل شغيب (6 ضحايا قُتلوا حرقاً) ومجزرة قرية العدنانية (5 ضحايا تم إعدامهم ميدانياً) ومجزرة قرية أم عامود (15 ضحية وُجدت جثثهم في بئر القرية) ومجزرة قرية رسم النفل (192 ضحية بينهم 21 سيدة و27 طفلاً) ومجزرة قرية المزرعة (55 ضحية بينهم 21 طفلاً و5 سيدات) ومجزرة خناصر (26 ضحية تم إعدامهم ميدانياً).

كما أدت المواجهات بين "داعش" وقوات المعارضة، مطلع العام الماضي، إلى موجات نزوح متعددة عن مدن وبلدات ريف حلب التي شهدت المواجهات. وتسبّب هجوم التنظيم على مدينة عين العرب في ريف حلب الشرقي، بنزوح نحو 180 ألفاً من سكان المدينة وريفها نحو الأراضي التركية، قبل أن يؤدي هجوم قوات "حماية الشعب" الكردية المعاكس المترافق مع غارات التحالف الدولي إلى نزوح عشرات الآلاف من سكان القرى والبلدات التي كان يسيطر عليها تنظيم "داعش" في ريف عين العرب الجنوبي وريف منبج الشرقي شرق حلب.

بنية تحتية مدمرة

تسببت سنوات الحرب التي شهدت قصفاً عنيفاً من قوات النظام لمناطق سيطرة المعارضة في حلب وريفها، بدمار البنية التحتية في هذه المناطق، حتى غابت شبكة الاتصالات الأرضية بشكل شبه كامل عن مناطق سيطرة المعارضة وغابت شبكات الهواتف النقالة والإنترنت بشكل جزئي، لتحل محلها خطوط الاتصال الفضائية التي استوردتها الهيئات الخدمية والإدارية الناشطة في مناطق سيطرة المعارضة من خارج سورية.

كما أدى قصف النظام إلى تدمير آلاف المدارس في حلب وريفها، وتوقفت المعاهد الفنية والمهنية الموجودة في مناطق سيطرة المعارضة في حلب عن العمل، وأصبحت الكهرباء تصل إلى منازل السكان بمعدل ساعة إلى ساعتين في اليوم فقط، مع مرور أسابيع طويلة على كثير من أحياء مدينة حلب من دون أي كهرباء نتيجة الأضرار المتزايدة في شبكة الكهرباء، خصوصاً بعد سيطرة "داعش" على محطة حلب الحرارية الأكبر في سورية بطاقة توليد 1100 ميغاواط، والتي توقفت عن العمل بالكامل لفترة طويلة، قبل أن يتفق التنظيم مع النظام على تشغيل قسم منها، ليتقاسم الطرفان الكهرباء التي تنتجها المحطة.

أما المياه فهي تصل حالياً إلى بيوت السكان في مدينة حلب بمعدل مرة واحدة كل أسبوعين، بعد أن يتم ضخها من محطات الجر (الخفسة والبابيري) المتواجدة على نهر الفرات في ريف حلب الشرقي في مناطق سيطرة "داعش" عبر قنوات الجر التي تعبر مناطق سيطرة التنظيم، وصولاً إلى محطة الضخ الرئيسية في حلب الموجودة في منطقة سليمان الحلبي شمال حلب والتي تسيطر عليها المعارضة، ليتم ضخها من هناك إلى الخزانات الأرضية التي تتواجد بمناطق سيطرة النظام والمعارضة قبل أن تصل إلى منازل السكان.

نهب وقصف يطاولان المدن الصناعية

تقع مدينة الشيخ نجار الصناعية عند مدخل مدينة حلب الشمالي الشرقي، وتبلغ مساحتها 4412 هكتاراً وكانت تحوي أكثر من 6100 منشأة صناعية تنوّعت نشاطاتها الصناعية بين الهندسية والنسيجية والغذائية والكيماوية والبرمجية. سيطرت قوات المعارضة على المدينة الصناعية في صيف عام 2012 قبل أن تستعيد قوات النظام السيطرة عليها في شهر مايو/أيار من العام الماضي. وتعرّضت مئات المنشآت الصناعية فيها لعمليات نهب، كما قام أصحاب عدد كبير من المنشآت الصناعية فيها خلال فترة سيطرة المعارضة بنقل معاملهم إلى تركيا وإلى إقليم كردستان العراق ومصر والمغرب. ثم أدى قصف النظام العنيف لمنشآتها إلى تدمير ما تبقى منها، قبل أن يستعيد السيطرة عليها بعد انسحاب قوات المعارضة منها. وتعمل حالياً في المدينة الصناعية أقل من 100 منشأة أغلبها معامل لمنتجات غذائية ونسيجية.

كما يوجد شمال حلب تجمّعان صناعيان آخران، هما المنطقة الصناعية في الشقيف والمنطقة الصناعية في الليرمون، كما توجد منطقة صناعية صغيرة أخرى وسط مدينة حلب في حي الكلاسة. وقد توقفت منطقتا الشقيف والليرمون عن العمل بشكل كامل نتيجة عمليات النهب والقصف، فيما تستمر بعض منشآت منطقة الكلاسة الصناعية الصغيرة الواقعة ضمن مناطق سيطرة قوات المعارضة بالعمل.

المعالم الأثرية أبرز الخسائر

قضت الحرب المستمرة في حلب على سوق حلب الأثري (سوق المدينة) الذي يتألف من سوق محورية طويلة تمتد من قلعة حلب مروراً بسوق الزرب وحتى باب أنطاكية، وتتفرع عنه 38 سوقاً جانبية، ليصبح عدد الأسواق 39 سوقاً مسقوفة، تحتوي على نحو 5 آلاف دكان ومحل تجاري، مجموع طول السوق يبلغ 14,5 كيلومترا، وتم تسجيله كأطول وأقدم سوق مسقوف في العالم في موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية. ولكن الاشتباكات المتبادلة وعمليات القصف التي شنّها النظام على قوات المعارضة التي سيطرت على معظم مدينة حلب صيف 2012، تسببت بدمار واحتراق أجزاء واسعة من هذا السوق.

كما أدى قصف قوات النظام إلى انهيار مئذنة جامع حلب الكبير الذي يحوي مقام النبي زكريا، ودمار واحتراق أجزاء واسعة منه. ويعود بناء مسجد حلب الكبير إلى عهد الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك في بداية القرن الثامن الميلادي.

وقضت الحرب أيضاً على أهم المناطق الأثرية في حلب القديمة، وهي المنطقة الواقعة مقابل المدخل الرئيس لقلعة حلب الأثرية، إذ تسببت تفجيرات المعارضة للأنفاق أسفل المباني الأثرية التي كانت تتمركز فيها قوات النظام، بدمار شبه كامل لسوق خان الشونة الشهير وفندق الكارلتون ومبنى السرايا والعشرات غيرها من المعالم الشهيرة لمدينة حلب القديمة.


اترك تعليق