في ذكرى اقتحام المجرم شارون المسجد الأقصى

By : د. تيسير رجب التميمي

يوم الخميس الموافق تاريخه 28-9، اليوم الذي اقتحم فيه السفاح المجرم شارون المسجد الأقصى المبارك عام 2000 يرافقه ألفان من جنوده، في تحد لمشاعر المسلمين كافة في كل مكان، وفي انتهاك صارخ لتعاليم الأديان السماوية والمواثيق الدولية، لكنهم لم يحموه من أحذية وحجارة جماهير المصلين التي تصدت له ببسالة حتى أخرجته.

واليوم الجمعة الموافق تاريخه 29-9، إنها الذكرى السابعة عشرة لمجزرة الأقصى، يوم أن قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي الغاشم المصلين بطائرات الأباتشي وهم في الركعة الثانية من صلاة الجمعة، فجَّرت هذه المجزرة المروّعة في اليوم التالي انتفاضة الأقصى الشاملة، امتدت شرارتها إلى كل المدن الفلسطينية المحتلة، وتواصلت أحداثها على مدى أربع سنوات ونصف تقريباً، ارتقى نتيجتها ما يقرب من خمسة آلاف شهيد وخمسين ألف جريح ممن نذروا أرواحهم دفاعاً عن قبلتهم الأولى ومسرى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتوقفت في 8-2-2005م بعد بيان قمة شرم الشيخ الرباعية، عقدت تلك القمة برعاية أمريكا ومشاركة فلسطين ومصر والأردن وإسرائيل.

     لم تكن هذه المذبحة الصهيونية الأولى ضد الشعب الفلسطيني، كما أنها ليست الأخيرة، وهي ليست أول مجزرة ترتكب في المسجد الأقصى المبارك، وليست الأخيرة أيضاً:

* فمن أولى المجازر في المسجد الأقصى المبارك تلك التي وقعت في 11-4-1982م أي قبل اجتياح لبنان بشهرين فقط، وتتلخص أحداثها في الاعتداء الآثم الذي نفذه أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي من أصل أمريكي ويدعى “هاري غولدمان” وينتمي إلى الفكر اليميني المتطرف؛ إذ جاء الجندي المذكور من باب الغوانمة، وقام بإطلاق النار على القبة الذهبية للصخرة المشرفة، ثم قام باقتحام مسجدها وأطلق النيران بشكل عشوائي على المصلين فيه، فأدى هذا العدوان إلى استشهاد مواطنيْن اثنيْن، وجرح أكثر من ستين آخرين.

الحاخام كهانا بارك فعلة غولدمان الشنيعة وكلف محامين بالدفاع عنه، وبعد اعتقال دام فترة قصيرة أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلية عن المجرم الإرهابي غولدمان الذي ارتكب جريمته النكراء بتحريض من قوى وجهات سياسية ودينية متطرفة، فقد خاطبه المجرم شارون برسالة قال فيها [إنك كنت تتطلع إلى قتل الفلسطينيين، الفرصة أمامك الآن أن تذهب مع الجيش في لبنان] فرح غولدمان بهذه الفرصة وغادر المعتقل إلى لبنان، وهناك دارت معارك طاحنة بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال الإسرائيلي، فأصيب غولدمان وقطعت ساقه ودمرت دبابته.

وقد سبق هذه المجزرة حدث مهم وملفت للنظر، ففي يوم 8-4-1982م تم العثور على طرد يحتوي قنبلة وهمية ورسالة تهديد موقعة من ما يسمى روابط القرى وحركة الحاخام “كهانا” و”أمناء جبل الهيكل” عند باب الحرم القدسي الشريف، واشتملت القنبلة الوهمية على جهاز توقيت وراديو ترانزستور، ولعل هذه الحادثة دُبِّرَتْ بهدف قياس ردود الفعل لدى العرب والمسلمين، وهو الأسلوب المعهود لسلطات الاحتلال الإسرائيلية بأنها تعمل على افتعال حدث معين لجس نبض الفلسطينيين أو الأمة أو حتى المجتمع الدولي تجاه مسألة معينة، وبعدها تتخذ القرار النهائي فيها.

     أثار هذا الحادث سُخط الشعب الفلسطيني، وأدى إلى احتجاجات واسعة في المدن الفلسطينية المحتلة، وردود فعل عالمية غاضبة ضد إسرائيل، ففي 28-4-1982 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بإدانة الإجراءات الإسرائيلية وانتهاكها حرمة الحرم القدسي الشريف، وبإدانة قتل جيشها للمصلين في باحات الحرم الشريف في 11-4-1982، وبإدانة الاعتداءات والتدخلات في عمل المؤسسات المدنية والدينية في مدينة القدس والأراضي الفلسطينية المحتلة.

* والمجزرة الثانية وقعت أحداثها في يوم الإثنين الموافق 8-10-1990م، فقبل هذا التاريخ بعدة أيام كانت جماعة يهودية تسمى أمناء جبل الهيكل قد وزعت بياناً على وسائل الإعلام بمناسبة احتفالها بما يسمى “عيد العرش” تقول فيه أنها تنوي اقتحام المسجد الأقصى المبارك، ودعت اليهود إلى المشاركة فيها لأنها ستضع حجر الأساس لما يسمى بـالهيكل الثالث بشكل حاسم، وكان مؤسس الجماعة ورئيسها غرشون سلمون قد صرح بأن الاحتلال العربي والإسلامي في منطقة جبل الهيكل حسب زعمه يجب أن يأتي إلى نهايته، ويجب على اليهود تجديد علاقاتهم العميقة بأرض المعبد كما يسمونه.

     حاولت هذه المجموعة اليهودية يقودها زعيمها سلمون وضع حجر الأساس للهيكل الثالث المزعوم في ساحة المسجد الأقصى المبارك، وهنا هبّ أهالي مدينة القدس كعادتهم دوماً، وحاولوا منع هؤلاء الصهاينة من تدنيس المسجد الأقصى المبارك، أدى ذلك إلى وقوع اشتباكات بينهم وبين نحو خمسة آلاف من المصلين، وما هي إلا لحظات حتى تدخل جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي وعناصر حرس الحدود الموجودين بكثافة داخل المسجد الأقصى المبارك؛ والذين وصل عددهم إلى 300، وقاموا معاً باستخدام قنابل الغاز السام والأسلحة الأوتوماتيكية وطائرات الهليكوبتر العسكرية، وأمطروا جموع المصلين بوابل من الذخيرة الحية بشكل متواصل لأكثر من 35 دقيقة من نيران المدافع الرشاشة دون تمييز بين طفل وامرأة وشيخ ولاحقوهم بالعصي والبنادق، وجد آلاف المصلين الفلسطينيين من مختلف الأعمار أنفسهم في فخ الموت الجماعي، وما أن بلغت الساعة الحادية عشرة والنصف حتى اكتظ المكان بالشهداء والجرحى الذين روت دماؤهم ساحة الحرم وتناثرت بقعها في أرجائه، وكانت النتيجة استشهاد أكثر من 34 من المصلين، وجرح أكثر من  850 آخرين بدرجات متفاوتة. كما اعتقل 270 شخصاً داخل وخارج الحرم القدسي الشريف.

     يبدو أن الأمر كان معداً له من قبل لارتكاب مجزرة ضد المسلمين في ذلك اليوم، ومما يدلل على ذلك قيام الضابط المسئول عن حرس الحدود واسمه شلومو كتافي بتهديد مساعد مدير المسجد الأقصى المبارك بقوله [إن هذا اليوم يومكم ونحن لا نلعب]، وقال ضابط مخفر شرطة الحرم المدعو سيون [إذا ما رمي حجر صغير واحد علينا فإننا سنطلق الرصاص الحي ولا يكفيني قتل مئة ألف مسلم].

     يضاف إلى ذلك أنه في تمام الساعة 10:00 صباحا؛ أي قبل وقوع المذبحة بنصف ساعة شرعت قوات الاحتلال الإسرائيلي بوضع حواجز عسكرية على طول الطرق المؤدية إلى مدينة القدس من أجل منع الفلسطينيين الوصول إلى المدينة، كما أنها أغلقت أبواب المسجد الأقصى المبارك لمنع سكان مدينة القدس دخول المسجد، ولكن الآلاف من المصلين كانوا قد تجمعوا داخله قبل هذا الوقت استجابة لدعوات من إمام المسجد ومن الحركة الإسلامية لحمايته ومنع “أمناء الهيكل” اقتحامه.

     وأكثر من ذلك: لقد وصلت سيارة الإسعاف الأولى بعد عشر دقائق من بدء إطلاق الرصاص، فهاجمها الجنود وهاجموا الممرضين والممرضات فيها الذين أصيب اثنان منهم بجروح، واعتقل آخر، ومنعهم الجنود إسعاف الجرحى أو تقديم العناية اللازمة لهم.

     وقعت المجزرة الرهيبة والمعد لها مسبقاً كما هو واضح، والتي كانت تمثل مرحلة جديدة من الاعتداءات والانتهاكات الصهيونية للأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس المباركة، وعلى إثر ذلك قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بإغلاق مدينة القدس أمام الفلسطينيين، وبإعلان حظر التجول على الفلسطينيين الذين يقيمون في الضفة الغربية وقطاع غزة بحجة الحد من تصاعد أعمال العنف، ورفضت توجه مجلس الأمن بإرسال فريق دولي للتحقيق في الحادث متذرّعة بأنها المسؤولة عن الأمن في مدينة القدس.

     إن هذه المجازر وغيرها كثير مما ارتكبه الصهاينة ضد شعبنا الفلسطيني في المسجد الأقصى المبارك أو في أي مكان آخر هي جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، وسيحاسب عليها من ارتكبها ومن أسهم فيها بأي دور، وإن ذكرى اقتحام الهالك شارون لساحات المسجد الأقصى المبارك وجرائم الاحتلال التي جاءت بعدها وانتفاضة الشعب الفلسطيني في كل مكان انتصاراً للمسجد الأقصى المبارك ولشهداء الشعب الفلسطيني تؤكد أن المسجد الأقصى المبارك هوية فلسطين العربية والإسلامية سيبقى مركز الصراع بين المشروع الصهيوني والأمة بكاملها، وبأن مدينة القدس ستبقى العاصمة الروحية والدينية للأمة في مشارق الأرض ومغاربها، والعاصمة الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني.

     وإن محاولات الاحتلال اليائسة لتهويد المسجد الأقصى المبارك بإجراءاته الباطلة المنافية لكل القيم الدينية والأخلاقية والقانونية والإنسانية ستفشل بإذن الله ما دام في هذه الأمة عرق ينبض، وإن إجراءاته بعزل مدينة القدس عن محيطها الفلسطيني لن تنجح، فالحقيقة القرآنية تؤكد أنه لن ينال من إسلاميتها وعروبتها، قال تعالى {لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ} الحشر 14 .


اترك تعليق