عمرُ المختار..شيخُ المجاهدين وعَلمُ المقاومة في ذكرى استشهاده

By : أ. حذيفة المبارك


86 عاماً مرّت على استشهاده، لكنَّ سيرته الرّائدة في مواجهة الظلم والاستبداد ومسيرته الناصعة في مقارعة الباطل و#مقاومة العدوان، ومواقفه الشجاعة في رفض الحلول الاستسلامية التي تفرّط في الثوابت..لا تزال تلك السيرة والمسيرة والمواقف حيّة في العقول والقلوب؛ ومَعلماً يسير بهداه الطامحون لاستعادة حقوقهم المصادرة وانتزاع حريّتهم المسلوبة على امتداد رقعة عالمنا العربي والإسلامي.

إنَّه الشيخ عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي، المعروف بـ"عمر المختار"، الذي قاوم #الاحتلال والغزو الإيطالي لبلاده منذ عام 1911م، وهو ابن 53 عاماً، واستمر في جهاده ومحاربته للاحتلال أكثر من 20 عاماً، حتى ختم حياته بالشهادة، حين أعدمه الغزاة الإيطاليون.

القرآن الكريم في حياته..

كان الشيخ عمر المختار شديدَ الحرص على أداء الصلوات في أوقاتها، وكان يقرأ القرآن يومياً، فيختم المصحف الشريف كل سبعة أيام، كما ذكر ذلك أكثر من مرجع. وكان كثير الاستشهاد بآيات القرآن الكريم مستحضراً لها في خطاباته ومناقشاته.

ويذكر المجاهد محمود الجهمي الذي حارب تحت قيادة عمر المختار وصاحبه كثيراً، يذكر في مذكراته أنَّه كان يأكل معه وينام معه في مكان واحد ويقول: "لم أشهد قط أنّه نام لغاية الصباح، فكان ينام ساعتين أو ثلاثاً على أكثر تقدير، ويبقى صاحياً يتلو القرآن الكريم، وغالباً ما يتناول الإبريق ويسبغ الوضوء بعد منتصف الليل ويعود إلى تلاوة القرآن، لقد كان على خلق عظيم يتميّز بميزات التقوى والورع، ويتحلّى بصفات المجاهدين الأبرار".

عدم جدوى المفاوضات مع الاحتلال!

كان الشيخ الشهيد عمر المختار يعتقد اعتقاداً جازماً عدم جدوى المفاوضات السياسيَّة مع الدولة المُستعمرة، حتى خاطب المجاهدين وأبناء شعبه قائلًا: "فليعلم إذًا كلُّ مجاهد أنَّ غرض الحكومة الإيطاليَّة إنَّما بث الفتن والدسائس بيننا لتمزيق شملنا وتفكيك أواصر اتحادنا ليتم لهم الغلبة علينا واغتصاب كل حق مشروع لنا كما حدث كثير من هذا خلال الهدنة، ولكن بحمد الله لم توفق إلى شيء من ذلك. وليشهد العالم أجمع أن نوايانا نحو الحكومة الإيطاليَّة شريفة، وما مقاصدنا إلا المطالبة بالحرية وإن مقاصد إيطاليا وأغراضها ترمي إلى القضاء على كل حركة قوميَّة تدعو إلى نهوض الشعب الطرابلسي وتقدّمه... فهيهات أن يصل الطليان إلى غرضهم مادامت لنا قلوبٌ تعرف أن في سبيل الحرية يجب بذل كل مرتخصٍ وغالٍ". ثمَّ ختم المختار هذا النداء بقوله: "لهذا نحن غير مسؤولين عن بقاء هذه الحالة الحاضرة على ما هي عليه حتّى يتوب أولئك الأفراد النزاعون إلى القضاء علينا إلى رشدهم ويسلكوا السبيل القويم ويستعملوا معنا الصراحة بعد المداهنة والخداع".

عزّةُ نفسٍ وشموخ ..

أثناء مكوث الشيخ عمر المختار في السجن، أراد المأمور رينسي، وهو السكرتير العام لحكومة برقة، أن يُقحم الشارف الغرياني في موقف حرج مع عمر المختار، فأبلغه بأنَّ المختار طلب مقابلته، أي الغرياني، وأنَّ الحكومة الإيطاليَّة لا ترى مانعًا من تلبية طلبه، وذهب الشارف الغرياني إلى السجن لمقابلة المختار، وعندما التقيا خيَّم السكوت الرَّهيب ولم يتكلم المختار فقال الشارف الغرياني مثلًا شعبيًّا مخاطبًا به المختار: "الحاصلة سقيمة والصقر ما يتخبل"، وما كاد المختار يسمع المثل المذكور حتى رفع رأسه ونظر بحدَّة إلى الغرياني، وقال له: "الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه" وسكت بُرهة ثمَّ أردف قائلًا: "ربِّ هب لي من لدُنك رحمة وهيّئ لنا من أمرنا رشدًا، أنني لم أكن في حاجة إلى وعظ أو تلقين، أنني أومن بالقضاء والقدر، وأعرف فضائل الصبر والتسليم لإرادة الله، أنني متعبٌ من الجلوس هنا، فقل لي ماذا تريد؟"، وهنا أيقن الغرياني بأنه غرّر به فزاد تأثره وقال للمختار: "ما وددت أن أراك هكذا ولقد أرغمت نفسي للمجيء بناءً على طلبك...". فقال المختار: "والجبل الشامخ أنا لم أطلبك ولن أطلب أحدًا ولا حاجة لي عند أحد"، ووقف دون أن ينتظر جوابًا من الغرياني، وعاد الأخير إلى منزله وهو مهموم حزين وقد صرّح بأنه شعر في ذلك اليوم بشيء ثقيل في نفسه ما شعر به طيلة حياته!

نموت ولا نسلّم السلاح..

يصف "غراتسياني" العسكري الإيطالي في مذكراته عن الشيخ عمر المختار عند محاكمته: "يُخيّل لي أنَّ الذي يقف أمامي رجلٌ ليس كالرجال: له منظره وهيبته رغم أنَّه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقفٌ أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوتٍ هادئ وواضح".
غراتسياني: لماذا حاربت بشدَّة متواصلة الحكومة الفاشيَّة؟ أجاب المختار: "من أجل ديني ووطني".
غراتسياني: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟ فأجاب المختار: "لا شيء إلَّا طردكم … لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرضٌ علينا وما النصر إلا من عند الله".
غراتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك إن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم؟ فأجاب المختار: "لا يُمكنني أن أعمل أي شيء.. وبدون جدوى نحن الثوار سبق أن أقسمنا أن نموت كلَّنا الواحد بعد الآخر، ولا نسلّم أو نُلقي السلاح".

من أقواله الخالدة ..

من أقوال الشيخ الشهيد عمر المختار الخالدة التي أصبحت أيقونة يتغنّى بها وينشدها الأحرار في أمتنا العربية والإسلامية :
 "نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت".
 "سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن حياتي ستكون أطول من حياة شانقي"، قالها المختار وهو في سجنه لدى الإيطاليين.
 "إنَّ الظلم يجعل من المظلوم بطلا، وأما الجريمة فلا بد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء".
 "يمكنهم هزيمتنا إذا نجحوا باختراق معنوياتنا"، و"إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".


اترك تعليق