القره داغي: خيانة الأمانة إثم عظيم

By :


 

أكد فضيلة الشيخ د.علي محيي الدين القره داغي, الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين على أهمية حفظ إخواننا الذين نستطيع أن نحفظهم، واعتبر ذلك من الأمانات الأساسية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بحفظها. وقال فضيلته : يجب أن نعطي إخواننا الذي نستطيع أن نعطيهم إياه، وأن نقوم بواجبنا الإسلامي نحو إخواننا المسلمين في كل مكان، ما دمنا قادرين على ذلك، لأننا جسد واحد، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأننا أمة واحدة، فالإحساس بالمسؤولية جزء من الأمانة، ودعا المسلمين للنظر فيما يحدث الآن في سوريا, وقال لقد أشغلوا المجاهدين بعضهم ببعض من خلال الأموال الفاسدة, ومن خلال المؤامرات والخيانات، خاصة عندما حصل الغرب على مبتغاه من السلاح الكيمياوي ترك كل شيء, ترك الشعب السوري ليتحمل كل هذه الجرائم والأسلحة المدمرة، وأصبحت القضية منسية.


وأضاف: والآن أشغلنا بقضية العراق، وهي تهدد وتؤكد القضايا الخطيرة التي دائما أهل العقل والدين يحذرون منها، وهي قضية الطائفية، أصبحت القضية في سوريا طائفية، وأضيفت اليوم قضية العراق لتكمل وتدمر العراق كما دمرت سوريا، ولا يستفيد المسلمون منها إلا إذا أراد الله، وإلا إذا وقفنا وقفة رجل واحد، ولكن المشكلة في خيانات كثير من أصحاب الأموال وأصحاب المسؤوليات, فهم يخونون الله ويخونون الرسول صلى الله عليه وسلم ويشترون الذمم ويفسدون الذمم ويشغلون بعضهم ببعض، وكل ذلك لمصلحته وبالتالي تضيع مصلحة الشعب والوطن.

 

حمل الأمانات
وكان فضيلته قد بدأ خطبة الجمعة موضحا مفهوم حمل الأمانات بقوله: إنها من أعظم الأمور التي كلف الله سبحانه وتعالى الإنسان بها, وعرضها على السماوات والأرض فلم يستطعن القبول, ولم يستطعن التحمل, ثم عرضت على الإنسان فحمل هو الأمانات. وقال : إن الأمانات كلمة واسعة تشمل كل ما اؤتمن عليه الإنسان من التكاليف الشرعية، من هذا الدين العظيم، من حقوق الناس، ومن الأمانات التي يتحملها الإنسان، بينك وبين أهلك، بينك وبين نفسك وأعضائك، فكل هذه الأمور أمانات حُملت على الإنسان، وتحملها لأن الله سبحانه وتعالى أعطاه العقل والإرادة والاختيار، فهو قادر على أن يتحملها إلا إذا كانت هناك أهواء تحول دون حمل هذه الأمانات بحق.


وتابع فضيلته: يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، أصبحت هذه السماوات بثقلها وعظمتها لا تستطيع أن تتحمل هذه الأمانات، وحملها الإنسان حينما خلقه الله سبحانه وتعالى، ونادى كل ما في الكون من سيدنا آدم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، خاطبهم الله سبحانه وتعالى: «ألست بربكم». قالوا: بلا، فيجب على هذا الإنسان الذي تحمل هذه الأمانة وهو مهيأ لحملها أن يكون مسؤولا أمام الله وأمام الناس أجمعين.


وجاءت الآيات الكريمة تأمر بحمل هذه الأمانة وتأمر بأدائها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) فالله سبحانه وتعالى نهانا نهياً شديداً ونهيا عظيما أن نخون الأمانات, بيننا وبين رسولنا العظيم وبين الناس جميعا، بل بين الإنسان ونفسه.

الأمانة هي الدين
وأشار فضيلته إلى أن هذه الأمانة هي هذا الدين العظيم، الذي يجب أن نحمله بحق، وأن نوصله إلى الأجيال بصورته الجميلة، وبصورته الحقيقية والمشرقة، التي تتسم بالرحمة للعالمين، وألا نخون هذه الأمانة فنُدخل فيها أهواءنا مهما كانت هذه الأهواء، سواء كانت بالتشدد أو الترخص الذي ليس عليه الدليل، هذه هي أولى الأمانات التي يجب على الإنسان حملها بحق وصدق، ثم بعد ذلك الأمانة التي بينك وبين أعضائك، من النفس ومن القلب والأعضاء الأخرى من العين والأيدي والجوارح، كل هذه أمانات عند الإنسان (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا)، فالإنسان مسؤول عن استعمال هذه الأعضاء في الخير أو في الشر, فإذا استعملها في الخير يكون مثابا، وإذا استعملها في الشر يكون معاقبا عند الله سبحانه وتعالى.

أمانة الوظائف
ورأى أن الإنسان محمل بهذه الأمانة، أمانة الوظائف, والمسؤولية التي تبدأ من مسؤولية أولي الأمر، من الخلفاء والملوك والرؤساء والأمراء والوزراء والمديرين وجميع المسؤولين، فكلهم يتحملون المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، بأن يؤدوا هذه المسؤولية على وجهها، وألا يخونوا فيها لأن الخيانة فيها كبيرة وإثم عظيم عند الله، والرسول جعل خيانة الأمانة إحدى علامات النفاق (وإذا أؤتمن خان)، والله أمرنا في القرآن الكريم أمرا ملزما بألا نكون مع الخائنين، ولا نحبهم، وأن نعرض عنهم ونمنعهم بكل الوسائل المتاحة. وحينما لا تحقق الأمانة وتضيع حينئذ تأتي قيامة الناس.


من هنا كلنا يسأل لماذا وصلت أحوال المسلمين إلى هذه المرحلة التي نشاهدها، ما الذي حدث لهذه الأمة، اجتمعت عليها كل المصائب من الفرقة والخلاف والفقر والموت بالجوع والاقتتال والفتن، والجواب يعود إلى هذه الأمانة، فلم تحمل بصورتها الصحيحة كما يريدها الله سبحانه وتعالى، كذلك لم تحمل كما يقتضيها العقل السليم.

 

حماية الأمانات
وذكر فضيلته أن العقلاء من الغرب والشرق وصلوا إلى وضع القوانين الرادعة لحماية الأمانات، أمانة المال والوظائف والمسؤولية، من خلال الشورى وفصل السلطات, ومن خلال مجموعة من الإجراءات الرادعة.


وأفصح عن رؤيته في أننا اليوم لا نسير لا على المنهج القرآني في المسؤولية والمحاسبة، ولا نسير مع العقل السليم والفطر السليمة التي تتفق مع شريعتنا، ومن هنا يقول الله سبحانه وتعالى: (أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ) أي: لا يتوبون إلى الله ولا يرجعون إلى دينهم ولا يذّكرون, أي ولا يتعقلون, فهم لا يستعملون الدين ولا يتعقلون... عالمنا الإسلامي اليوم لا يستعمل هذا الدين في حقيقته وجوهره في مجال الأمانات، ولاسيَّما أمانات الوظائف، بل نستعمل الدين في أمور الجزئيات.


وأضاف: نحن نعظم الصغائر ونهون من الكبائر، فالذين يسرقون مثل الجبال لا يُسألون، والذين يسرقون ربما شيئا بسيطا تقطع أيديهم، كما أن امرأة من بني مخزوم -وبنو مخزوم قوم لهم مكانة كبيرة في المجتمع القرشي- سرقت, فقريش أهمَّها شأن المخزومية، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ, فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. كان يحبه حباً جماً. فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟! ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ, ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ, وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».


وبينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم، جاءه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث، فقال بعض القوم: سمع ما قال . وقال بعضهم: بل لم يسمع. حتى إذ قضى حديثه قال: «أين السائل عن الساعة». قال: ها أنا يا رسول الله، قال: (فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة). قال: كيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». وهذا الأمر يشمل الخلافة ويشمل الإمارة والوظيفة، ويشمل كل مسؤولية يكلف بها الإنسان، والساعة ليس المقصود بها يوم القيامة فقط، فحينما تعم، نعم هناك تكون القيامة. ولكن حينما تخص قوما، جاءت ساعة هؤلاء القوم، أي انقلبت الأمور واضطربت الأمور كأن قيامتهم قد قامت، فلا أحد يثق بالآخر ولا يصل الحقوق إلى أهلها. لذلك شدد الله للحفاظ على الأمانات, وشدد الله في خطورة الخيانة في الأمانات (يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون) أي ولا تخونوا أماناتكم، وهنا جاءت كلمة أماناتكم من دون تكرار العطف بـ «لا», أو من دون تكرار النفي لأهمية دخول خيانة الأمانات في خيانة الله وفي خيانة الرسول، فمن خان الأمانات فهو الذي قد خان الله ورسوله، وورد في حديث ثابت أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له» ولذلك يذكر الإمام الذهبي الخيانة ضمن الكبائر, ولكنه يقول إن هذه الكبيرة لها أوزان مختلفة, فمنها ما يدخل في أكبر الكبائر, ومنها ما يدخل في الكبائر, فمن خانك في مالك غير من خانك في أهلك, ومن خانك بدرهم غير من خانك بألف درهم أو أكثر، ومن خان في أمانة الأمة التي هي العهد والإمارة والحكم غير من خان في شؤون الأفراد.


وطالب فضيلته المسلمين بقوله: إننا اليوم يجب أن نعيد النظر في تصرفاتنا في مجال الأمانات بكل صورها, ومنها أمانة المجالس, فهي عظيمة, ولكن اليوم أصبحت لا قيمة لها، ويذكر الإنسان ما يشاء ولا يعتقد أساسا أن لكل مجلس أسرارا، وكذلك أسرار الوظائف تنشر بين الناس, والأمانات في ذلك لا يحافظ عليها، ظنا من بعض الناس أن الأمانات هي الصلوات, أبدا, فالمفروض أن تهيئك الصلوات لتحمل الأمانات، فالرسول يقول إذا حدث شخص بحديث والتفت فمجرد هذه الالتفاتة أمانة لا يجوز للإنسان أن يبوح بها، فما بالك إذا اؤتمن أحد على سر, ثم إذا خاصمه فجر وكشف كل الأسرار وحتى قبل الخصومة أحيانا.


واختتم قائلا: نحتاج إلى إعادة النظر لأننا أمام رب عظيم وأمام رب يحاسبنا وأمام قبر ينتظرنا وأمام نار وجنة، فماذا نريد لأنفسنا؟ هل نريد أن نكون ممن وصفهم الله تعالى بالخائنين حينئذ لا ينظر الله تعالى إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، أم نكون من الذين يحفظون الأمانات, وحينئذ كما في سورة المؤمنون نستحق بفضل الله تعالى الفردوس الأعلى.


اترك تعليق