الموصل: فصول من مأساة استخراج جثث المدنيين

By :

لم يحصل أحمد الفضلي (52 عاماً)، على ورقة ترخيص لدفن جثة ابنته، التي تم استخراجها من تحت أنقاض منزله في شارع الباشا بالموصل القديمة، على غرار جيرانه الآخرين ممن عثروا على جثث ذويهم تحت أنقاض منازلهم. فضابط الأمن المسؤول عن تلك المنطقة أومأ إليه بأنه لا حاجة لذلك، والسبب أنه لم يتسلم سوى أعضاء من الجثة تم انتزاعها من تحت الأنقاض وسلمها عمال البحث له بواسطة كيس أسود ليدفنها في مقبرة خصصت لضحايا معركة الموصل من المدنيين. ويأمل الفضلي أن يعود مرةً أخرى، عسى أن يتم استخراج أشلاء أخرى من أفراد عائلته. ويقول لـ"العربي الجديد"، إنه استخرج أربعة منهم حتى الآن ولا يزال هناك ثلاثة آخرون من بينهم أمه البالغة من العمر 73 عاماً. ويضيف: "تعبت من البكاء في كل مرة يستخرجون أحدهم، والآن لا أرغب بشيء سوى بدفنهم". والضغط الحاصل على العمال والمتطوعين كبير للغاية، وفقاً للفضلي، الذي اعتذر من أحدهم بعدما شتمه وصرخ به كونه استخدم المعول بشكل عشوائي في مكان وجود غرفة والدته. ويقول إنه انفعل عليه "حتى لا يؤذي أمه مرة أخرى". وذكر أن "كل شخص يريد أن يبدأ العمل أولاً باستخراج أهله من تحت الأنقاض، من دون أن يهمه الآخرون، والحكومة لا تريد أصلاً أن تزيد عدد المتطوعين كي لا يفتضح أمر المجزرة الرهيبة التي حصلت بالموصل"، وفق تعبيره.

وتم التعاقد بين مسؤول في وزارة البلديات والأشغال العامة، وتاجر قام بجلب أكياس سوداء تستخدم أصلاً في جمع النفايات، وأكفان ذات لون أسمر وقماش سرعان ما يتمزق، وفقاً لأحد العاملين الذي تحدث مع "العربي الجديد" من خلف كمامة يرتديها، إذ الرائحة لا تطاق في المكان. ويضيف أن "الأمر المخزي في الموضوع يتمثل في أن التاجر هو أصلاً من سكان الموصل، وهذا ما يعني أن الجريمة هنا مضاعفة"، وفق تعبيره.

وترفض القوات العراقية حتى الآن دخول الصحافيين إلى المنطقة القديمة في الموصل، والتي تشمل باب الطوب ورجم حديد ورأس الجادة ومحيط جامع النوري، وهي المناطق التي سويت أغلب مبانيها بالأرض بسبب القصف الأميركي والعراقي الجوي والصاروخي. ويقول النقيب في قوات الدفاع المدني بالموصل، نجيب عبد الرحمن خليل، لـ"العربي الجديد"، إن "شهراً آخر قد لا يكفي لاستخراج كل الجثث". ويضيف "تمكّنّا خلال شهرين من استخراج أكثر من 2600 جثة لأطفال ونساء ورجال مدنيين، ونعتقد أن هناك مثل هذا العدد في هذه المنطقة فقط". ويبين أن "منع الصحافيين من الدخول بكاميراتهم أتى بأمر حكومي من بغداد، ولا علاقة له بقوات الأمن الموجودة في المنطقة حالياً"، وفق تأكيده.

ويشار في هذا السياق إلى إعلان دائرة الصحة الحكومية في نينوى، ليلة الاثنين، عن انتشال 2650 جثةً من تحت أنقاض المنازل في الساحل الأيمن للموصل، وتحديداً في الموصل القديمة. غير أنها لم تفصح عن عدد الذين تم استخراجهم من الضحايا في الأحياء الأخرى البالغ عددها أربعين حياً. ووفقاً لبيان دائرة الصحة المرتبطة بوزارة الصحة العراقية، فإن "من تم استخراجهم وثقوا بسجلات رسمية لمن تم التعرف إلى هويته، وآخرون جرى أخذ عينات من الحمض النووي لهم ودفنوا". ويؤكد البيان أن "فرق الإنقاذ التابعة للدفاع المدني لا تزال تعمل على انتشال الجثث، التي يصعب الوصول إلى بعضها". ويضيف أن انتشال الجثث سيفتح الطريق أمام عودة الأهالي إلى منازلهم.
  
المقبرة الجديدة التي تم تدشينها بعد اكتظاظ القديمة بالقبور، وهي عبارة عن حقل للقمح، تقع على بعد 3 كيلومترات خارج مركز المدينة إلى الجنوب الغربي، بدت أنها غير قادرة على استمرار استيعاب المزيد من الضحايا، ما دفع برجال الدين إلى إصدار فتوى جواز دفن كل طفلين معاً في قبر واحد للاقتصاد بالمكان. ويقول حارس المقبرة الحاج سمير العبيدي، لـ"العربي الجديد"، إن "الجثث التي تستخرج من بيوت الناس المهدمة تستقر هنا". ويضيف أن أغلب من يأتي بالجنازة لا يبكي كونه بكى أكثر من شهرين متتاليين، لكنه يخرج وعلامة الرضا بادية عليه، لأنه نجح في ما عجز عنه الآخرون وهو إيجاد جثث الأقرباء. ويتحدث عن وجود 73 عائلة حالياً، قامت بدفن جثث تعود لذويها. ويؤكد أن الشرطة تمنع التصوير وتمنع أصلاً الدخول للمناطق المدمرة. ويصف ما حدث بالموصل بأنه "جريمة إبادة مسكوت عنها لأن من ارتكبها ليس داعش بل من يحارب داعش"، وفقاً لقوله.

والمدينة لا تزال خاوية بساحلها الأيمن على عكس الساحل الأيسر الذي بدأ يشهد عودة الحياة فيه. وكأن الساحل الأيمن موجود في عالم آخر وليس ضمن المدينة نفسها، مع أنه لا يفصل بين المنطقتين سوى نهر دجلة. والساحل الغربي، أو الأيمن كما يطلق عليه السكان هناك، لم يعد أحد من أهله حتى الآن إلى منازلهم، باستثناء الأحياء البعيدة عن نهر دجلة. ويبدو المشهد فيه مرعباً مع خلوه من الحركة، باستثناء تحركات الجيش الذي يحاول عناصره التسلية من خلال الأغاني التي تسمع من مكبرات الصوت في آلياتهم العسكرية.

ويقول أحد العاملين في الحفر والتنقيب، وهو متطوع ويدعى أحمد شاكر (21 عاماً)، وطالب في كلية الهندسة، إنه مع زملائه باتوا يستعينون بالقطط والكلاب لمعرفة أي من المنازل المدمرة تحوي ضحايا. ويضيف "أي مكان تتجمع حوله كلاب وقطط فهو بالتأكيد يضم جثث ضحايا، لذا أول ما نقوم به هو قتل الكلاب والقطط ثم بدء عمليات الحفر بآلات". ويؤكد أنه يتم تفتيش هواتف عمال ومتطوعي التنقيب مساء كل يوم عند خروجهم من المنطقة لضمان أنهم لم يلتقطوا صوراً كي ينشروها وتفتضح الجريمة، بحسب قوله. ويتابع شاكر لـ"العربي الجديد"، إنه استخرج لوحده عدة جثث خلال الفترة الماضية "لكن أي منها لم يكن مكتملاً، بل كناية عن أجزاء منها، وذلك إما بسبب تمزقها تحت الأنقاض أو بسبب الحيوانات".

وحملت المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق، قبل أيام، الحكومة العراقية و"التحالف الدولي" مسؤولية إزهاق أرواح المدنيين بالموصل خلال المعارك في الساحل الأيمن لمدينة الموصل. وقالت عضو المفوضية، وحدة الجميلي، في بيان، إنه "بعد انتهاء عمليات الموصل منذ شهرين وبعدما دامت المعارك تسعة أشهر، بدأت فرق الدفاع المدني بإجلاء جثث الشهداء من تحت أنقاض الدور والمباني المهدمة على رؤوس ساكنيها"، وفق تعبيرها. وأكدت أنه "تم انتشال أكثر من ألفي جثة شهيد من تحت الأنقاض والعدد قابل للزيادة مع استمرار البحث في مناطق الموصل القديمة".

وخلصت الجميلي إلى أنه "لا يسعنا أن نحمل داعش مسؤولية الضحايا المدنيين من القتلى، لأنه تنظيم افتراضي مجرم، لذا نحن اليوم نحمل كل من التحالف الدولي والقوات العراقية المسؤولية الكاملة عن إزهاق الأرواح البريئة من النساء والأطفال وكبار السن من المدنيين والتي لطالما حذرنا بأخذ الحيطة والحذر لوجودهم"، وفق قولها.

العربي الجديد


اترك تعليق