انتفاضة النفق دفاعاً عن المسجد #الأقصى المبارك

By : د. تيسير رجب التميمي

 هبة النفق أو انتفاضة النفق ، لا تهم التسمية ، بل المهم أنها حلقة أخرى في سلسلة حلقات التضحية والفداء التي قدمها وما زال يقدمها أبناء شعبنا الفلسطيني في سبيل دينهم ووطنهم ومقدساتهم ، وواحدة من اتفاضات شعبنا الكبرى على أبواب مدينة القدس ، فعندما يتعلق الأمر بالمسجد الأقصى المبارك مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبلة المسلمين الأولى يهون كل شيء ، فهو جزء من عقيدتهم ورمز شرفهم وعزتهم وكرامتهم ، هبة انتفض فيها الفلسطينيون على مدار ثلاثة أيام من شمال فلسطين إلى جنوبها ، ودارت مواجهات عنيفة مع جيش الاحتلال الإسرائيلي الغاشم .

والنفق هو مجموعة من الفراغات والأنفاق والقناطر والأبنية والآبار والقنوات المائية ، تقع أسفل وبمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك ، أغلبها أبنية من الفترة الأموية والمملوكية والأيوبية والعثمانية ، قامت سلطات الاحتلال بتفريغ الأتربة والطمم والحجارة التي ملأتها ، وحفرت أنفاقاً أخرى جديدة تربط بينهل لإيصال أجزائها وأطرافها ببعضها ، ويمتد مسار المشي في النفق على طول 488 متراً من أسفل المدرسة التنكزية بمحاذاة الجدار الغربي للمسجد الأقصى المبارك من الجنوب إلى الشمال مرورا بخمسةٍ من أبوابه بعرض متر وارتفاع مترين ، وتقع الحفريات أسفل كلٍّ من حوش محمد الخليلي والمدرسة الأشرفية التي بنيت عام 1422م وهي مكتبة المسجد الأقصى المبارك حالياً ، وأسفل سوق القطانين والمدرسة المنجكية التي شيدت في العهد الإسلامي ، هذا بالإضافة إلى قناة رومانية قديمة محفورة بالصخر بعرض أقل من متر وارتفاع عدة أمتار وطول 80 متراً اكتشفت عام 1987م .

وكانت تلك الحفريات قد بوشرت عام 1970 وتوقفت عام 1974 ثم استؤنفت عام 1975 ، وحاولت سلطات الاحتلال استكمال الحفريات إلى ملتقى باب الغوانمة وتوصيل النفق بالقناة عام 1988م لكن المقدسيين تصدوا لها .

وتأتي خطورة عملية فتح النفق في حينها فيما يلي :

* تصدّع المباني التي تعلو النفق : المدرسة العثمانية ورباط الكرد والمدرسة الجوهرية والمدرسة المنجكية .

* تأكيد السيادة الإسرائيلية على القدس ، وفرض حقائق جديدة على أرض الواقع تمس حقوق المسلمين وتستفز مشاعرهم .

* توسيع مساحة حائط البراق الإسلامي الرامية إلى تهويده والسيطرة على امتداده الشمالي ، مما يهدد الأحياء المجاورة له كما حصل لحي المغاربة .

* تزوير مشهد مدينة القدس وهويتها بإعطاء معلومات تاريخية مغلوطة عن تاريخها وحضارتها توافق روايتهم الباطلة .

أقدمت سلطات الاحتلال على انتهاك جديد لمقدساتنا الإسلامية بافتتاح النفق من قبل رئيس ما يسمى بلدية القدس بتعليمات من نتنياهو في صباح يوم الخامس والعشرين من شهر أيلول 1996 بعد محاولتين فاشلتين لفتحه : الأولى كانت عام 1986م والثانية عام 1994م ، وتم تجهيز المكان لتأمين جولات سياحية للزوار والمستوطنين تشتمل على وسائل الراحة من شبكات تبريد وإضاءة ، وعلى وسائل ولافتات إرشاد تؤكد الرواية اليهودية المزيّفة .

سارع الرئيس الشهيد ياسر عرفات رحمه الله إلى عقد اجتماع عاجل للقيادة الفلسطينية : اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي ، ودعا جماهير شعبنا الفلسطيني إلى مواجهة هذا العدوان ، وبعث برسائل إلى الرئيس الأمريكي وملك الأردن والرئيس التركي ووضعهم في صورة هذا العدوان الجديد على المسجد الأقصى المبارك ، وحرك الشارع الفلسطيني للثورة بدعوة جماهير شعبنا إلى مواجهة هذا العدوان ، وجاء في كلمته لقوى الأمن الفلسطينية آنذاك [ .. إن ما قامت به سلطات الاحتلال الإسرائيلية عمل خطير للغاية ... الشعب الفلسطيني لن يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الانتهاك لمقدساته وأولى قبلتيه ، فنحن عين ساهرة على القدس حتى يفهم القاصي والداني أن دماءنا رخيصة في سبيلك يا قدس ، فالعهد هو العهد والقسم هو القسم ، فلسطين أرضنا وعاصمتها القدس الشريف ، وعليكم جميعاً يا إخواننا أن تشدوا أزر شعبكم الذي يتطلع إليكم ، يا إخواني سيروا على بركة الله ، والله يحفظكم ويسدد خطاكم ] فانطلق الشعب الفلسطيني بكل فئاته في هبة فاجأت العالم وفاجأت سلطات الاحتلال الإسرائيلية ، هبة أثبتت أن لدى الشعب الفلسطيني خيارات أخرى غير خيار التفاوض ، ولقنت قوى الأمن الفلسطيني يومها جيش الاحتلال دروساً قاسية إذ كان لها مواقف بطولية رائعة جنباً إلى جنب مع أبناء شعبها ، وكان عدد شهدائها 14 شهيداً من الضباط والجنود ، مما يثبت للجميع أن كل من هو فلسطيني مستهدف من سلطات الاحتلال وجيشها وسلاحها .

وعقدت الهيئة الإسلامية العليا ونواب القدس وممثلو القوى الوطنية في المدينة اجتماعاً طارئاً في المسجد الأقصى المبارك أدانوا فيه المؤامرة ودعوا إلى إضراب تجاري وللتجمع في باب العامود وذلك بعد افتتاح النفق بساعات .

وعلى الرغم من الطابع السلمي الذي خيم على المظاهرات الفلسطينية إلا أن جيش الاحتلال الإسرائيلي كعادته واجه المحتجين على مدار ثلاثة أيام متتالية بإطلاق الرصاص المطاطي والحي بكثافة ، واستخدم المروحيات والدبابات وبالأخص في مدن قطاع غزة ، هذا بالإضافة إلى اشتراك المستوطنين في إطلاق النار على أبناء شعبنا الفلسطيني :

ففي اليوم الأول يوم الأربعاء 25/9 ، وفور سماع أهالي المدينة المقدسة نبأ افتتاح النفق انطلقت المسيرات في حي الواد وباب الساهرة وباب النفق وشارع صلاح الدين والسلطان سليمان والزهراء وشارع نابلس وأحياء البلدة القديمة ، وتعالت الهتافات المستنكرة لهذا المساس برمز عقيدتهم ، لكن قوات الاحتلال منعتهم الوصول لموقع النفق ، وقامت بإخلاء ساحات المسجد الأقصى المبارك وإغلاق جميع أبوابه ، ولاحقت المتظاهرين واعتقلت عدداً منهم ، وعمت المسيرات والمواجهات مدن رام الله والخليل وبيت لحم وطولكرم وجنين وأريحا وقلقيلية .

وفي اليوم التالي يوم الخميس 26/9 تواصلت المواجهات في القدس ونابلس وتحولت كل من رام الله والخليل وبيت لحم إلى ساحات حرب ، كما شهدت جنين كثيراً من المسيرات والاشتباكات مع جنود الاحتلال ، وتوجهت المسيرات في قطاع غزة إلى الحواجز والمواقع العسكرية الاحتلالية : حاجز بيت حانون (ايرز) بوابة القطاع الشمالية ، ومفترق الشهداء (نتساريم) جنوب مدينة غزة ، وكفار داروم القريبة من دير البلح ومفترق غوش قطيف (كيتسوفيم) شمال مدينة خانيونس ، والموقع العسكري غرب المدينة على حدود مستوطنة جاني طال والحدود المصرية مع قطاع غزة في مدينة رفح .

وفي يوم الجمعة 27/9 استمرت لليوم الثالث أجواء التوتر والغضب الشعبي ، وكانت هناك مجازر أخرى في المسجد الأقصى المبارك وفي المدن والقرى الفلسطينية أسفرت عن مزيد من الشهداء والجرحى والمعتقلين .

أما في يوم السبت 28/9 فقد قرعت أجراس الكنائس وأقيمت الصلوات على أرواح الشهداء الذين بلغ عددهم في هذه الهبة 63 شهيداً ، وعدد المصابين 1600 جريح ، ومئات الأسرى والمعتقلين .

صورة رائعة لإرادة وعزيمة الشعب الفلسطيني في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس في مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية ومخططات الاحتلال لفرض هيمنته وسيادته غير الشرعية وغير القانونية على المسجد الأقصى المبارك ، وما أشبه اليوم بالبارحة ، فقد ظنت سلطات الاحتلال اليوم بعد عقدين من تلك الانتفاضة أن الظروف مواتية لبسط هيمنتها وسيادتها من جديد على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ، ولكنها فوجئت بقوة إيمان حرائر وماجدات القدس وشبابها وشيوخها ؛ ومن ورائهم كل أبناء الشعب الفلسطيني يقفون في مواجهة مخططاتها القديمة الجديدة للسيطرة على المسجد الأقصى المبارك بتركيب البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية ، لقد واجهوا جميعاً هذه المؤامرة بصبر وإصرار وثبات فاجأ العالم ، وعجزت عنه جيوش الدول العربية والإسلامية المدججة بأحدث الأسلحة والطائرات ، إنهم أحفاد عمر بن الخطاب وصلاح الدين وقادة الفتح الإسلامي ، قال عنهم صلى الله عليه وسلم عنهم { لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك ، قالوا يا رسول الله أين هم ؟ قال في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس } رواه أحمد ، وإننا وإياهم موقنون بأن النصر إنما هو صبر ساعة ، قال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } آل عمران 200 .

وإنني أجدد الدعوة إلى أبناء شعبنا بل إلى كل من يستطيع من أبناء الأمة لمواصلة شد الرحال إلى المسجد الأقصى المبارك والحضور الدائم فيه والرباط في ساحاته وأبوابه للدفاع عنه وكسر الحصار المفروض عليه ، قال تعالى { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } آل عمران 139 - 140


اترك تعليق