تأملات واقعية فى آية قرآنية

By : د. إبراهيم التركاوي

 الملاحظ في قول الله تعالى : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ) [الملك: ٢] : أن الله – جل جلاله – قدم الموت علي الحياة , وذلك لحكم بالغة , نعرف منها ما نعرف , ونجهل منها ما نجهل ..
بيد أني ألمح معني كبيرا , وملمحا عظيما , في تقديم الموت علي الحياة .!
إن الموت هو الذي يصنع الحياة العامرة الحرة الأبية الكريمة الشريفة العزيزة .. بل يؤدي بالحياة - كما جاء في الآية الكريمة – إلي أحسن العمل , وأجزل الثواب..!
إن نظرتنا للموت تحتاج إلي تصحيح , لأننا ننظر إليه – غالبا – نظرة سلبية قد تقعد عن العمل , وتثبط الهمم , بل تيئس من الحياة , وترضي بالدون ..
وهذه النظرة السلبية , علي غير ما جاء في الآية الكريمة , التي بينت الحكمة من خلق الله للموت والحياة من جانب , ومن تقديم الموت علي الحياة من جانب آخر (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ).
إن النظرة الإيجابية للموت تدفع إلي تجويد الحياة , وإلي أحسن العمل , بل تؤدي إلي تعمير الحياة , لا إلي تخريبها .
( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية , أوعلم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له ) رواه مسلم في صحيحه بلفظ ( إذا مات الإنسان ).
أرأيت – كما جاء في الحديث الشريف – كيف يدفع الموت الإنسان إلي تعمير الحياة ؟
بل أرأيت كيف يجعل الإنسان يترك وراءه – بعد الموت – حياة عامرة مبدعة مثمرة من : صدقة جارية , وعلم ينتفع به , وولد صالح يدعو له ؟!!
حقا , إن الأمم التي تعرف الحكمة من الموت , تعرف , كيف تصنع الحياة ؟ !
إن النظرة الإيجابية للموت كما تدفع إلي تعمير الحياة , تدفع إلي الحياة الحرة الأبية الكريمة . فالمؤمن لا يرضي بأي حياة كغيره من أناس قال الله فيهم : (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ.. ) [البقرة: ٩٦]
بل لا يرضي إلا بالحياة الحرة الأبية الكريمة , التي تجعله يرفض الظلم , ويثور علي الطغيان , ويأبي أن يذل , أو يهان . فلقد فقه - من كتاب ربه , وسنة نبيه (صلي الله عليه وسلم) وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده – كيف توهب الحياة ؟ ولمن توهب الحياة ؟!
كما جاء في وصية الصديق أبي بكر لخالد بن الوليد : ( احرص علي الموت توهب لك الحياة )! . وكما قال أبو الطيب المتنبي :
إذا لم يكن من الموت بد .. فمن العجز أن تموت جبانا . !
إن النظرة الإيجابية للموت , كما تدفع الإنسان إلي تعمير الحياة , وإلي الحياة الحرة الأبية الكريمة , تدفعه أيضا إلي أشرف الغايات و أسماها, وكيف لا ؟ ! وهي تدعوه إلي أحسن العمل , ( .. لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا .. ).
إن ميدان التنافس عند المؤمن في ( أحسن القول , وأحسن العمل , وأحسن الثواب , وأحسن التحية , وأحسن الحياة , وأحسن الممات ) , وكل ذلك وغيره في كتاب الله –عزوجل - .
يروي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن رجلا جاء إلي الصلاة والنبي – صلي الله عليه وسلم – يصلي بنا , فلما انتهي إلي الصف قال : اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين! , فلما قضي النبي – صلي الله عليه وسلم – الصلاة , قال : من المتكلم آنفا؟
قال : أنا , قال – صلي الله عليه وسلم - : (إذن يعقر جوادك وتستشهد في سبيل الله). [رواه الحاكم وقال :صحيح علي شرط مسلم].
ولله در أبي الطيب حين قال :
إذا غامرت في شرف مروم .. فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر حقير .. كطعم الموت في أمر عظيم !
لقد هب علينا ربيع الثورات العربية الإسلامية ليعلم الدنيا , كيف تصنع الحياة الحرة الأبية الكريمة الشريفة العزيزة التي لا ترضي إلا بشرف المنازل , وأعلي الغايات ..!
فيوم أن ضننا بأنفسنا وشبابنا عن ساحات الشرف , وميادين الفداء , ورضينا بالدون ، وحرصنا علي ( حياة ) ! ابتلانا الله بصنوف البلاء والأوجاع , التي لم تكن في أسلافنا , فحصدت الآلاف تلو الآلاف من شبابنا , ومن مختلف أعمارنا.!
ويوم أن أدركت الشعوب , وفي مقدمتهم الشباب , حكمة تقديم الله عز وجل , الموت علي الحياة , واجهوا بأيديهم الطاهرة , وبصدورهم العارية , المدافع , والدبابات , والمصفحات , ليعلموا الدنيا كلها , كيف توهب الحياة ؟ ولمن توهب الحياة ؟ .!!
إنني عندما أتلو قوله تعالي : ( الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُور ُ) أقرأ تفسيره في هتاف الثوار الأحرار الشرفاء الذين سطروه بدمائهم , وقدموا من أجله أرواحهم : ( الموت ولا المذلة ) .!!

اترك تعليق