اليونسكو وتهويد الخليل والحرم الإبراهيمي

By : د. تيسير رجب التميمي

يعتبر الحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل المسجد الرابع في الأهمية والمكانة الدينية عند المسلمين بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى المبارك في القدس، ففيه ضريح سيدنا إبراهيم عليه السلام وأضرحة بعض آل بيته، جد المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وأبي الأنبياء الذين بُعِثُوا بعقيدة التوحيد، قال تعالى {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ* إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ}آل عمران 68، ونظراً لأهميته الدينية تلك فقد حرره صلاح الدين الأيوبي من احتلال الفرنجة في الفترة التي تم فيها تحرير المسجد الأقصى المبارك.

 

لكن سلطات الاحتلال الإسرائيلية التي حاربت كل ما هو فلسطيني، حاولت طمس الهوية العربية والإسلامية لكل معلم حضاري في فلسطين؛ ديني أو تاريخي أو أثري او إنساني، ولم تتوقف عن تنفيذ مخططات تهويدها بكل السبل، ففي مدينة الخليل المحتلة مثلاً كان الاعتداء الأبرز والأول على الحرم الإبراهيمي الشريف في 8/6/1967م أي منذ اللحظة الأولى لاحتلاله، فقد دخله جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي الغاشم عنوة ومعهم كبير الحاخامين، ورفعوا العلم الإسرائيلي فوقه ومنعوا المصلين المسلمين دخوله، وتواصلت عمليات الاعتداء عليه إلى اليوم.

 

ولعل من أبشع تلك المخططات التهويدية والجرائم الإرهابية ضده المجزرة النكراء التي نفذها المستوطن الصهيوني باروخ جولدشتاين في الحرم الإبراهيمي الشريف بمساعدة جيش الاحتلال في صلاة فجر الجمعة بتاريخ 25/2/1994م في منتصف شهر رمضان المبارك ضد الركع السجود، فقتلوا العشرات وجرحوا المئات منهم، وعملوا فيما بعد على تقسيمه بالقوة العسكرية، والسيطرة على أكثر من ثلثيْ مساحته بهدف تحويله لكنيس يهودي مستقبلاً.

 

ثم وضعت سلطات الاحتلال البوابات الإلكترونية على مداخله، ومنعت المصلين دخوله والصلاة فيه، ونشرت الحواجز العسكرية على مداخل قلب المدينة القديمة لعرقلة الوصول إليه، وحولته ثكنة عسكرية، ومنعت ـ ما زالت تمنع إلى اليوم ـ رفع الأذان من على مآذنه أكثر من ستين مرة شهرياً، فالمؤامرات الاحتلالية التي تستهدفه لا تقل خطورة عن المؤامرات التي تحاك ضد المسجد الأقصى المبارك لأن مدينة الخليل أكبر أهمية عندهم من مدينة القدس.

 

وفي 21/2/2010م قررت سلطات الاحتلال الإسرائيلية ضم الحرم الإبراهيمي الشريف وغيره من المقدسات الإسلامية إلى قائمة المواقع الأثرية والتراثية اليهودية، وقد أكدتُ يومها أن هذا القرار وما شابهه لا ينشئ لليهود حقاً فيه، ولا يمكن أن يلغي هويته الإسلامية.

 

كان هذا القرار من أبشع عمليات التزوير والتزييف للتراث الإسلامي، فقد استباح الحقائق التاريخية بهدف فرض أمر واقع على الأرض، وضرب عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية التي تنظم العلاقة بين القوة المحتلة وتراث الشعب الواقع تحت الاحتلال؛ بحيث لا يجوز ضم آثاره التاريخية ومقدساته أو إجراء تغييرات عليها أو نسبتها إلى تراث القوة المحتلة، وكان القرار أيضاً بمثابة هدية ثمينة قدمتها سلطات الاحتلال على طبق من بلّور للسفاح المجرم باروخ غولدشتاين في قبره عشية ذكرى المجزرة البشعة التي ارتكبها فيه، وهو إضافة لذلك جزء من مخطط كبير لابتلاع المقدسات الاسلامية والمسيحية، ومن صور الإرهاب المنظم والعدوان السافر على فلسطين؛ كل فلسطين وكل رموزها وكل ما فيها ومن فيها.

 

تحركت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) إذ إنها المؤسسة المناط بها حماية الممتلكات والتراث الثقافي العالمي من التدمير والنهب والتزوير، وقد كانت يومها مطالبة ـ كما في كل وقت ـ بالتحرك العاجل لوقف هذا الإجراء وأمثاله، وكان لها في ذلك الحين موقف إيجابي ـ كما اليوم ـ فبعد أكثر من ستة شهور على صدور ذلك القرار التعسفي وتحديداً في 30/10/2010م قررت إسلامية الحرم الإبراهيمي الشريف (وغيره من المعالم الإسلامية الفلسطينية) وطالبت سلطات الاحتلال الإسرائيلية بشطبها من قائمة المعالم التاريخية الاسرائيلية.

 

وقبل أيام، وفي تاريخ 7/7/2017م قررت اليونسكو إدراج المدينة القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي المهددة بالأخطار، ولعل التهويد وطمس المعالم وتزييف التاريخ والهوية أخطر ما يتهددها، وعلى الرغم من منع سلطات الاحتلال فريق اليونسكو القيام بجولة ميدانية في الخليل قبيل هذا التصويت، وعلى الرغم من المحاولات الإسرائيلية المستميتة لعرقلة عملية التصويت لصالح القرار، وعلى الرغم من بذلها الجهد لتأجيل التصويت عامين او حتى جعله سرياً، إلاَّ أن كل ذلك لم يمنع التصويت العلني لصالح القرار، وحتى بعد صدوره حاول كثير من ساستها التقليل من شأنه، وفي الوقت ذاته أظهرت غضبها منه ومن الجهات التي صوتت معه، بل ومن منظمة اليونسكو ووصفتها بالتسييس وبمعاداة السامية وكأن الفلسطينيين ليسوا من الساميين، وتوعدتها بإجراءات عقابية كوقف التعامل والتعاون معها، وأعلنت تخفيض مساهمتها المالية في ميزانيتها بأكثر من مليون دولار؛ وبالأخص أن المنظمة سبق وأن أصدرت العام الماضي وكذلك قبل أسبوعين قرارين منفصلين حول القدس والمسجد الأقصى المبارك.

 

وتأتي أهمية هذا القرار للفلسطينيين أنه وجه أنظار العالم والمجتمع الدولي إلى حقيقة ما يجري في مدينة الخليل من إجراءات التهويد والأسرلة، وما تقوم به سلطات الاحتلال من طمس لمعالمها العربية والإسلامية، وتدنيس لقدسية الحرم الإبراهيمي الشريف وعدوان على حق المسلمين في اداء شعائرهم التعبدية فيه حيث تعمل على إغلاقه أمامهم بالكامل وتمنع رفع الأذان فيه، أما عن تداعيات هذا القرار وآثاره الإيجابية فمن أبرزها تأكيده عروبة وإسلامية مدينة الخليل وبلدتها القديمة والحرم الإبراهيمي الشريف، وإظهار مدى هشاشة اتفاق الخليل الذي وقع عام 97 والذي أسفر عن تقسيمها إلى قسمين: H1، H2، بل كرّس هذا القرار وحدتها الجغرافية وحضارتها العربية والإسلامية، وأبطل الرواية الإسرائيلية حول مزاعمهم فيها زوراً وبهتاناً.

 

ولكن حتى يكون لهذا القرار قيمة حقيقية ووزناً على أرض الواقع فإنني أدعو القيادة الفلسطينية إلى ضرورة العمل على تنفيذه وتفعيله والبناء عليه، فمن شأن ذلك تثبيت الحق الإسلامي والعربي والفلسطيني فيها ودحض إدعاءات الاحتلال الواهية حولها، وأطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته كاملة في تطبيق القرار إن أراد حفظ مصداقيته وترسيخ مرجعيته عالمياً، وبمعاقبة إسرائيل على انتهاكاتها المستمرة ضد المقدسات الفلسطينية وعلى مخالفاتها وخروجها على قراراته، ولئلاَّ يكون مصير هذا القرار كسابقاته من عشرات القرارت الصادرة عن الأمم المتحدة ومؤسساتها؛ فأين فتوى محكمة العدل الدولية في لاهاي حول جدار الفصل العنصري الذي الْتَهَم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وقطّع أوصال مدنها وقراها المحتلة ؟ أين عشرات القرارات التي أبطلت الإجراءات والتشريعات الاحتلالية في مدينة القدس منذ احتلالها عام 67 ؟ أين القرار رقم 194 الذي أوجب عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم ؟ هذه القرارات وغيرها معطلة منذ صدورها، فهل نأمل تكرّم سلطات الاحتلال علينا بحقوقنا ؟ وهل الحقوق تمنح منحاً أم تنتزع انتزاعاً ؟

 

إنني أؤكد مجدداً بطلان إجراءات سلطات الاحتلال في الحرم الإبراهيمي الشريف وفي المسجد الأقصى المبارك وفي سائر المقدسات والمدن الفلسطينية قبل قرارات اليونسكو وبعدها، لانتهاكها حقوقنا الشرعية الثابتة، ولمخالفتها مبادئ الشرائع الإلهية والاتفاقيات والمواثيق الدولية، فالمبادئ القانونية والأخلاقية تحرم ازدواجية العبادة في مكان واحد لأكثر من دين، وأؤكد أيضاً إسلامية الحرم الإبراهيمي بكل أجزائه وأبوابه وأروقته وقاعاته لا حق فيه لليهود، فوجودهم فيه يستند فقط إلى قوة السلاح وقهر الاحتلال، وأؤكد أيضاً أن مدينة الخليل المحتلة ستبقى مدينة عربية إسلامية، وأن الحياة فيها لن تعود إلى طبيعتها ولن يتحقق الأمن والسلام فيها إلاَّ بإزالة المستوطنات وخروج جيش الاحتلال منها.

 

وأدعو أبناء مدينة الخليل الصابرين المصابرين في مدينتهم المحتلة مدينة الآباء والأجداد إلى تكثيف حضورهم الدائم في الحرم الإبراهيمي الشريف لإفشال مؤامرات الهيمنة عليه وتهويده، والمواظبة على الصلاة فيه، وإحياء اقتصاد البلدة القديمة بالتسوق في أسواقها والعودة إلى السكنى فيها، ومؤازرة أهلها باستحقاقهم الأولوية في أموال الزكاة وصدقات التطوع بأنواعها دعماً لمرابطتهم فيها وتعزيزاً لصمودهم على أرضها.


اترك تعليق