معوقون سوريون في تركيا... معاناة مضاعفة ونقص في الخدمات وتكاليف باهظة

By :

إضافة إلى مآسي الحرب واللجوء، يعاني البعض من إعاقات دائمة إما بسبب القصف أو لأنهم ولدوا كذلك. في الحالتين، لا يحظى هؤلاء بالخدمات الأساسية في تركيا، كما هو الحال في أوروبا.

الحرب في سورية كانت سبباً لتعرّض كثيرين لإصابات، حملوها معهم إلى البلدان التي انتقلوا إليها. وفي وقت يبدو حال السوريّين المعوقين جيّداً في أوروبا، يعاني آخرون في مختلف دول الجوار السوري بسبب انعدام الخدمات والمساعدات.

ورغم محاولة بعض الجمعيّات الأهلية في تركيا مساعدة المعوّقين من خلال تقديم خدمات إضافة إلى تنظيم حملات توعية، إلا أن معاناتهم ما زالت مستمرة، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الضرورية. وتبقى معاناة أهالي المعوقين الأصعب، في ظل سعيهم إلى تأمين احتياجات أبنائهم من جهة، وارتفاع مصاريف الحياة اليومية من جهة أخرى.

أحمد من السوريين اللاجئين إلى تركيا يقيم في منزل متواضع في منطقة إسنيورت في مدينة إسطنبول برفقة عائلته المكونة من زوجته وأربعة أطفال. يقول الرجل الذي قدم من مدينة دير الزور السورية: "في منطقتنا كانت الأمور صعبة للغاية. تبادل النظام وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) السيطرة مرات عدة. سقطت فوق رؤوسنا قذائف الهاون والبراميل المتفجرة. وفي عام 2013، كنّا نشيع أحد أقاربنا الذي قتل من جرّاء قصف النظام، بينما بقي الأولاد وحدهم في المنزل، لتسقط عليه قذيفة هاون أدت إلى إصابة طفلتَيْ". اليوم، تعاني مرام (9 سنوات)، من شلل في أطرافها السفلية، بسبب إصابتها بشظايا في عمودها الفقري أسفل الظهر، وغياب الخدمات الصحية في دير الزور. لاحقاً، وصل أحمد إلى مدينة شانلي أورفا، حيث تلقت مرام العلاج برفقة شقيقتها شهد (14 عاماً)، التي أصيبت بشظايا أيضاً، لتفقد سبع سنتمترات من ساقها. ورغم تلقيها العلاج الأولي في سورية، إلا أن استمرار الالتهابات أدى إلى تشوه في عظام ساقها.

يقول أحمد: "تركيا عالجتهما، بعدما كادت مرام أن تموت. وحتى الآن، تتكفل الحكومة التركية بعلاجهما. لكن ما عدا العلاج، فإنني أتحمل كل شيء. بعت ذهب بناتي وزوجتي للوصول إلى تركيا. لم يمنحني داعش إذن مغادرة إلا لي ولطلفتَي المصابتين لتلقي العلاج، وذلك بعد نقاشات طويلة، حتى أنهم أودعوني السجن لمدة أسبوع لكثرة إلحاحي. أما بقية أفراد العائلة، فغادروا مناطق سيطرة داعش من خلال مهربين، بعدما دفعت لهم كل ما أملك".

أمّا زوجة أحمد، فتقول: "لم أعد أفكّر في كلّ ما خسرناه. قدمت لنا إحدى الجمعيات كرسياً متحركاً لمرام، لكنّ كل ما أحلم به هو أن تتمكن ابنتي من العيش بشكل طبيعي والتخلص من القسطرة البولية، وتكون قادرة على الاهتمام بنفسها والذهاب إلى المدرسة. من جهة أخرى، لا نستطيع أن نفعل شيئاً لشهد حتى تسير بشكل طبيعي، لأن الدولة التركية لا تغطي تكاليف إطالة عظم ساقها، إذ تصنف ضمن عمليات التجميل وليست من الأساسيات. إلا أن هذه العمليات مكلفة للغاية".

بحسب التقرير العالمي حول المعوقين في العالم، والصادر عن منظمة الصحة العالمية، فإن 15 في المائة من سكان العالم معوقون، وتزيد النسبة في مناطق الصراع إلى 20 في المائة. وما زالت نسبة المعوقين في سورية، بعد ست سنوات من الحرب الشرسة، غير معروفة.

تستضيف تركيا نحو ثلاثة ملايين لاجئ سوري، وتقدّم معظم الخدمات الصحية بشكل مجاني. وتعد مقصداً لعلاج الحالات الخطرة والمستعجلة، خصوصاً بالنسبة للمحافظات الشمالية السورية، كحلب وإدلب وريف حماة وريف اللاذقية، والتي تتحول بنسبة كبيرة إلى حالات إعاقة مؤقتة أو دائمة بسبب التأخر في نقل المرضى أو بسبب ضعف الخدمات الطبية الأولية المقدمة في الداخل السوري.

وسعياً إلى تحديد نسبة معوقي الحرب من اللاجئين في تركيا وتأمين احتياجاتهم، نظم مركز البحث والتطبيق واستراتيجية الحياة المدعمة (ديسام)، في فبراير/ شباط الماضي، مؤتمراً شاركت فيه 29 منظمة من 9 دول بدعم من الحكومة التركية وبلدية إسطنبول، ونتج عنه إنشاء "منظمة التعاون الخاصة بمعوقي الحرب في العالم". وستكون المهمّة الأولى لهذه المنظمة تحديد عدد معوقي الحرب في تركيا من اللاجئين واحتياجاتهم، على أن يعقد المؤتمر المقبل في ولاية كهرمان مرعش التركية، للبدء بالعمل.

إضافة إلى المعوقين من جراء الحرب، ولد آخرون بتشوهات خلقية، عدا عن الإصابة بأمراض أخرى. تقول سعدية، من حلب: "ابنتي زهرة ولدت وهي مصابة بشلل دماغي. تحتاج إلى مدرسة خاصة تؤمّن العلاج الفيزيائي لها بشكل مجاني. أما التفاصيل الأخرى، فتبدو صعبة للغاية، إذ إن الدولة التركية لا تقدم هذه الخدمات للاجئين". أما مطيعة، وهي من الحسكة، وتقيم في إسطنبول، فتقول إن ابنها يعاني من التوحد، "بعد جهد، تمكنّا من إيجاد مدرسة مناسبة في دمشق. لكن بسبب الحرب، قدمنا إلى تركيا كلاجئين، ولم نتمكن خلال خمس سنوات من تأمين مدرسة له. لم نترك باباً، وعندما حصلنا على تقرير طبي عن مشكلته، صدمنا بالتكاليف الباهظة للمدراس الخاصة في إسطنبول. أحلم بأن أتمكن من الاستفادة من برنامج إعادة توطين في أوروبا من أجل ابني".


العربي الجديد


اترك تعليق