غزوة حنين

By : د. حسن فوزي الصعيدي
جاء فتح مكة ضربة خاطفة تعجب لها العرب، وبوغتت القبائل المجاورة بالأمر الواقع، الذي لم يكن في الحسبان، فلم تمتنع عن الاستسلام إلا بعض القبائل القوية المتغطرسة، وفي مقدمتها هوازن وثقيف، التي أبت الخضوع للإسلام، قررت المسير إلى حرب المسلمين. بقيادة مالك بن عوف.
وساق الناس معهم أموالهم ونساؤهم وأبناؤهم، فساروا حتى نزلوا بالقرب من حنين، وفيهم دريد بن الصمة- وهو شيخ كبير، ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، فاعترض على اصطحاب النساء والأموال، قائلاً: إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.
ونقلت الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسير العدو، فخرج إليهم في اثني عشر ألفاً من المسلمين، عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثو عهد بالإسلام، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد.
ولما كان عشية جاء فارس، فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «تلك غنيمة المسلمين غداً إن شاء الله». وقد كان بعضهم قال نظراً إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم، وكان قد شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
انتهى الجيش الإسلامي إلى حنين، وكان مالك بن عوف قد سبقهم، فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق والمداخل، والشعاب والأخباء والمضايق، وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين إذا طلعوا، ثم يشدوا شدة رجل واحد.
استقبل المسلمون وادي حنين، وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بكمناء العدو في مضايق هذا الوادي، فبينما هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد، فانهزم المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة، وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها. فقد طفق يركز بغلته قبل الكفار وهو يقول:
أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب
 وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس -وكان جهير الصوت- أن ينادي الصحابة، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة. وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: «الآن حمي الوطيس». ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم وقال: شاهت الوجوه، فما خلق الله إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة، فلم يزل حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً.
وما هي إلا ساعات قلائل حتى انهزم العدو هزيمة منكرة، وحاز المسلمون ما كان مع العدو من مال وسلاح وظعن.
وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله: «وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ».
وكانت الغنائم: من السبي ستة آلاف، ومن الإبل أربعة وعشرين ألفاً، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة.
ولما عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رفع الحصار عن الطائف بدأ بقسمة المال، ليسكت المتطلعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي وحظي بالأنصبة الكبرى.
فأعطى أبا سفيان بن حرب، وأعطى حكيم بن حزام، وأعطى صفوان بن أمية، وأعطى الحارث بن الحارث بن كلدة، وكذلك أعطى من رؤساء قريش وغيرها، حتى شاع في الناس أن محمداً يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، فقال:
«أيها الناس، والله ما لي من فيئكم، ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم».;

اترك تعليق