الكلمة الطيبة

By : د. علي القره داغي

أمر الله تعالى في القرآن الكريم بالقول الحسن والخطاب الأحسن ، والكلمة الطيبة لجميع من تخاطبه فقال تعالى : (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً) ولم يخصص ربّ العالمين ذلك بالمؤمنين بل عممه لجميع الناس من مسلمين وغير مسلمين ، بل أكد ذلك وجعل القول الحسن من معالم العبودية وشعائرها فقال تعالى :( وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا) فهذه الآية الكريمة أمرت عباد الله تعالى أن يكون خطابهم للجميع خطاباً جميلاً أحسن ، فقال الحسن البصري بأن يقول للكافر إذا شطط : هداك الله ، يرحمك الله ، ثم بيّن الله تعالى بأن الشيطان (أي شيطان الجن بالوسوسة ، والإنس بالمواجهة) يشتغل أي كلمة تحتمل ايذاء ، أو لا تكون حسنة للافساد بين قائلها والآخرين ، لذلك يجب اختيار الكلمات والجمل بمنتهى العناية والرعاية ، قال ابن كثير : (يأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يأمر عباده المؤمنين : أن يقولوا في مخاطباتهم ومحاوراتهم الكلام الأحسن ، والكلمة الطيبة ، فإنه إذا لم يفعلوا ذلك نزع الشيطان بينهم ، وأخرج الكلام إلى افعال ، ووقع الشر والمخاصمة ، والمقاتلة..) فشعار المؤمن قول الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم : (والكلمة الطيبة صدقة).

كما أمر الله تعالى نبيه ، وعباده الصالحين بأن لا يقابلوا السيئة بالحسنة ، ولا القول الخبيث - كما سبق- وعلى ذلك النصوص الكثيرة - كما ذكر بعضها- .

أما حالة الحرب والصراع، فلها ميزان آخر وهو ميزان القوة والغلظة والشدة ، والصبر حتى النصر ، وعلى هذا الميزان تُحمل جميع الآيات التي تتحدث عن الشدة والغلظة مثل قوله تعالى : (وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً) حيث جاءت لقتال المشركين المعتدين فقال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).

ولكن مع ذلك تبقى أخلاقيات الإسلام في الحرب قائمة ، ولا يتخلى عنها من عدم قتال المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ والرهبان ، وعدم الإضرار إلاّ بمقدار الضرورة.

فالفيصل لتطبيق أحد الميزانين هو أن ميزان الرحمة والبر والاحسان والعدل يطبق على هؤلاء الذين لم يعتدوا على المسلمين ، ولم يخرجوهم من ديارهم فقال تعالى : (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وأن ميزان الحرب والصراع والشدة وحرمة الولاء يطبق على المعتدين الظالمين الذين أعلنوا الحرب ضد المسلمين ، وأخرجوهم من ديارهم فقال تعالى : (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).


اترك تعليق