معالجة أسباب التشدد

By : د. علي القره داغي

عند النظر في أفكار المتشددين، نصل إلى أنها جاءت بسبب عدم العمق في فقه الأدلة الشرعية، ومقاصدها العامة، وبسبب الدكتاتورية والاستبداد، والمظالم التي لحقتهم في السجون والمعتقلات، فإن مما لا يخفى أن الفكر التكفيري المتشدد قد نشأ في سجون عبدالناصر بمصر في فترة الخمسينيات والستينات، حيث عانى بعض الشباب المسجونين من غلظ هؤلاء المسؤولين وشدة تعذيبهم لهم، واستهزائهم بالمقدسات الإسلامية فتوصلوا إلى أن هؤلاء كفرة، ثم ازداد التشدد داخل السجون حتى تصدى لهم الأستاذ حسن الهضيبي مرشد الإخوان المسجون أيضا معهم، فكتب كتاباً للرد على هؤلاء سماه "دعاة لا قضاة"، أي أننا نحن دعاة، وبالتالي فإن مهمتنا هي الدعوة بالحكمة واللين والإشفاق على الناس، وأننا مثل الأطباء في علاج مرضاهم، وأما القضاة فلهم مهمة الحكم بعد البينات.

كما أن هناك أسباباً أخرى وهي المظالم الاجتماعية، والفقر والبطالة، في الوقت الذي يُرى الفاسدون والمفسدون ينعمون بأموال الدولة، وأقوات الشعب.

لذلك إذا أردنا أن نحلّ هذه المشكلة من جذورها، فعلينا أن ننظر إلى الحلول الفكرية أولاً، والحلول السياسية والاقتصادية ثانياً، ثم الحلول الأمنية ثالثاً.

فحينما ظهرت الخوارج – بسبب التحكيم – في عصر سيدنا علي رضي الله عنه، أرسل إليهم الصحابي الجليل حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس، فناقشهم فدار بينه وبينهم حوار طويل ساق فيه الحجة بشكل يبهر الألباب؛ وما كاد ينتهي النقاش حتى نهض منهم ثلاثة، أو أربعة آلاف معلنين اقتناعهم، وخروجهم من خُصومة الإمام علي.

إذن فعلى العلماء أن يهتموا بهؤلاء الشباب ولا يحكموا عليهم أولاً بالقتل ونحوه، بل عليهم أن يجلسوا معهم ويناقشوهم، وحتى في عصرنا الحاضر، حينما ظهرت بعض الجماعات المتشددة داخل سجون التعذيب تصدّى لهم الشيخ حسن الهضيبي بكتابه "دعاة لا قضاة" فرجع الكثيرون، وكذلك حينما أدخل الكثيرون من الجهاديين في السجون في عصر السادات ومبارك، ذهب اليهم بعض العلماء الثقات أمثال الشيخ محمد الغزالي والشيخ الشعراوي، فناقشوهم فتراجع الكثيرون، ثم هم راجعوا أنفسهم فكتبوا مراجعاتهم بكل شفافية، وبينوا أنه كان هناك لبس وغموض.

وأما الحل السياسي فيكمن في توفير الحرية الكاملة والشورى (أي الديمقراطية في أدواتها العملية) والتعامل معهم بالرفق واللين والعدل والمساواة، فقال تعالى لنبيه (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، فالتجارب تدل على أن الافكار المتشددة تنبت وتقوى في ظل الاستبداد والدكتاتورية والظلم.

وأما الحل الاقتصادي فيكمن في توفير فرص العمل المناسب، والقضاء أو التخفيف على الفقر والبطالة والتضخم.

وأما واجب الدول غير الإسلامية في التعامل مع الأقلية المسلمة، فهو الاعتراف بدينهم الإسلامي ومحاولة تشكيل مجلس إسلامي من العلماء الثقات ليكون مرجعاً لهم، مع التشجيع على منح المجال للتأهيل والتعليم الإسلامي من خلال المدارس والجامعات، ومراكز البحث، كما أن عليها أن تسمع لثقات العلماء حتى تستوعب الإسلام الصحيح القائم على المنهج الوسط، وأن تمنع الهجمات على المقدسات الإسلامية حمايةً للمجتمع من الإثارة والمشاكل.

والخلاصة، فعلى الدولة أن تكون لديها خطة عملية للتعامل مع الأقلية بالتعاون مع العلماء والجمعيات الإسلامية.


اترك تعليق