بيعة الرضوان

By : د. حسن فوزي الصعيدي
أُري رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المنام، وهو بالمدينة، أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطافوا واعتمروا، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، وأخبر أصحابه أنه معتمر فتجهزوا للسفر.
واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وصحب معه زوجته أم سلمة، في ألف وأربعمائة، ويقال ألف وخمسمائة، ولم يخرج معه بسلاح، إلا السيوف في القرب.
فلما كان بذي الحليفة قلد الهدي وأشعره، وأحرم بالعمرة، ليأمن الناس من حربه، وعلم أن قريشاً جمعوا له جموعاً وأنهم مقاتلوه، وصادوه عن البيت.
واستشار النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أصحابه، فقال أبوبكر: إنما جئنا معتمرين، ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه.
وسار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى إذا كان بثنية المرار بركت راحلته، فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبيّ -صلى الله عليه وسلم-: «ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله، إلا أعطيتهم إياها».
وجاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من خزاعة، في محاولة للصلح بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين قريش، وأعلنه -صلى الله عليه وسلم-: «إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكن جئنا معتمرين، فإن شاؤا ماددتهم، ويخلوا بيني وبين الناس، وإن أبوا إلا القتال، فوالذي نفسي بيده، لأقاتلنهم على أمري هذا، حتى تنفرد سالفتي، أو لينفذن الله أمره».
ثم قدم الحليس بن علقمة، وكان من قوم يعظمون البدن، فبعثوها له، واستقبله القوم يلبون، فلما رأى ذلك، قال: سبحان الله، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت.
فقال عروة بن مسعود الثقفي: دعوني آته، فقالوا: ائته، فأتاه، فجعل يكلمه، ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعلاقتهم به، فرجع إلى أصحابه، فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، على قيصر وكسرى والنجاشي، والله ما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له، وقد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها.
وحينئذٍ أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يبعث سفيراً، يؤكد لدى قريش موقفه وهدفه من هذا السفر، فدعا عثمان بن عفان، وأرسله إلى قريش، وقال: أخبرهم أنا لم نأتِ لقتال، وإنما جئنا عماراً.
فانطلق عثمان حتى مر على قريش، وقام إليه أبان بن سعيد بن العاص، فرحب به، وأجاره وأردفه حتى جاء مكة، وبلغ الرسالة إلى زعماء قريش، فلما فرغ عرضوا عليه أن يطوف بالبيت، لكنه رفض هذا العرض، وأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
واحتبسته قريش عندها -ولعلهم أرادوا أن يتشاوروا فيما بينهم في الوضع الراهن، ويبرموا أمرهم، ثم يردوا عثمان بجواب ما جاء به من الرسالة- وطال الاحتباس، فشاع بين المسلمين أن عثمان قتل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما بلغته تلك الإشاعة: «لا نبرح حتى نناجز القوم»، ثم دعا أصحابه إلي البيعة، فثاروا إليه يبايعونه على ألا يفروا، وبايعته جماعة على الموت، وأخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيد نفسه وقال: «هذه عن عثمان»، ولما تمت البيعة جاء عثمان فبايعه، ولم يتخلف عن هذه البيعة إلا رجل من المنافقين يقال له: جد بن قيس.
أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه البيعة تحت شجرة، وكان عمر آخذاً بيده، ومعقل بن يسار آخذاً بغصن الشجرة يرفعه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه هي بيعة الرضوان التي أنزل الله فيها: «لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» [الفتح: 18].;

اترك تعليق