صلح الحديبية ..

By : د. حسن فوزي الصعيدي
حاول بعض شباب قريش الطائشين أن يوقدوا نار الحرب، خشية أن يصطلح المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقرروا أن يخرجوا ليلاً ويتسللوا إلى معسكر المسلمين، ويحدثواً أحداثاً تشعل نار الحرب، فهبطوا من جبل التنعيم، وحاولوا التسلل إلى معسكر المسلمين، غير أن محمد بن سلمة، قائد الحرس، اعتقلهم جميعاً. ورغبة في الصلح أطلق سراحهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وعفا عنهم.
أدركت قريش فداحة الموقف، فأسرعت إلى بعث سهيل بن عمرو لعقد الصلح، وأكدت له ألا يكون في الصلح إلا أن يرجع عنا عامه هذا، لا تتحدث العرب عنا أنه دخلها علينا عنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو، فلما رآه -عليه الصلاة والسلام- قال: «قد سهل لكم أمركم، أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل»، فجاء سهيل فتكلم طويلاً، ثم اتفقا على قواعد الصلح وهي هذه:
- أن يرجع الرسول -صلى الله عليه وسلم- من عامه فلا يدخل مكة، وإذا كان العام القابل دخلها المسلمون فأقاموا بها ثلاثاً، معهم سلاح الراكب، والسيوف في القرب، ولا تتعرض قريش لهم بأي نوع من أنواع التعرض.
- وضع الحرب بين الطرفين عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض.
- من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.
- من أتى محمداً من قريش من غير إذن وليه -أي هارباً منهم- رده عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع محمد -أي هارباً منه- لم يرد عليه.
ثم دعا علياً ليكتب الكتاب، فأملى عليه «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل: أما الرحمن فوالله لا ندري ما هو؟ ولكن اكتب «باسمك اللهم». فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- علياً بذلك. ثم أملى: «هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك، ولكن اكتب محمد بن عبدالله. فقال: «إني رسول الله وإن كذبتموني»، وأمر علياً أن يكتب «محمد بن عبدالله» ويمحو لفظ «رسول الله»، فأبى علي أن يمحو هذا اللفظ، فمحاه -صلى الله عليه وسلم- بيده، ثم تمت كتابة الصحيفة.
بنود الصلح وأثرها على المسلمين
 لما فرغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قضية الكتاب قال: «قوموا فانحروا»، فما قام منهم أحد حتى قال ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت: يا رسول الله أتحب ذلك؟ اخرج، ثم لا تكلم أحداً كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فقام فخرج، فلم يكلم أحداً منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً، ودعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاثا بالمغفرة وللمقصرين مرة.
وقد حزن المسلمون، ولعل أعظمهم حزناً كان عمر بن الخطاب، فقد جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ قال: «بلى». قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال: «بلى». قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم، قال: «يا ابن الخطاب، إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، ولن يضيعني أبداً»، قال: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟» قال: لا. قال: «فإنك آتيه ومطوف به».
ثم انطلق عمر متغيظاً فأتى أبا بكر، فقال له كما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه أبوبكر كما رد عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سواء، وزاد: فاستمسك بغرزه حتى تموت، فوالله إنه لعلى الحق.
ثم نزلت: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا..} إلخ، فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى عمر فأقرأه إياه، فقال: يا رسول الله أوفتح هو؟ قال: «نعم». فطابت نفسه ورجع.
ثم ندم عمر على ما فرط منه ندماً شديداً. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً ما زلت أتصدق وأصوم وأصلي وأعتق من الذي صنعت يومئذ، مخافة كلامي الذي تكلمت به، حتى رجوت أن يكون خيراً.;

اترك تعليق