مفهوم التكفير

By : د. علي القره داغي

لقد أرسل الله تعالى رسوله إلى الناس كافة بالهداية والرحمة والشفاء، وجعل أمته خير أمة أخرجت لمنفعة الناس ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، وهدايتهم وخدمتها، وتحقيق العدل بينهم والدفع، والدفاع بالتي هي أحسن.

إن تكفير أحد من أهل القبلة ليس من منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح من العلماء والفقهاء الربانيين، بل هو منهج الخوارج الذين قالوا بتكفير أهل الكبائر، رداً على المرجئة الذين قالوا بعدم ضرر المعاصي (كبيرة أو صغيرة) مع الايمان، فكلاهما منهج خطأ مخالف لنصوص الشريعة من الكتاب والسنة، وإنما الصواب هو المنهج الوسط الذي اتخذه أهل السنة والجماعة معتمدين على الجمع بين جميع النصوص المعتمدة، وهو أن المؤمن المرتكب للكبيرة — ما عدا الشرك — ليس بكافر، ولكنه عاص يستحق العذاب، وأمره الى الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).

ولذلك اتفق السلف والمحققون من الخلف بأن وظيفة الدعاة ورسالتهم هي: نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال — إن وُجِد — فيجب أن يكون بالتي هي أحسن، فقال تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن) وأن يكون الدفع والدفاع والتدافع والتعامل بالتي هي أحسن (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) وان يكون التعامل باللين والرفق والطيب والأخلاق العالية والسامية، وليس بالتكفير والتفسيق، فليس من شأن الدعاة إصدار الأحكام، وإنما إصدار الأحكام هو من شأن القضاة بعد الأدلة المعتبرة وإفساح المجال للبينات والدفاع للوصول إلى الحكم الصادر، فنحن دعاة لا قضاة، حيث إن لكل نوع ميزانه الخاص، وضوابطه وآدابه وأدواته ومراحله.

والآيات في عدم مسؤوليتنا عن الآخرين بعد القيام بواجب الدعوة أكثر من أن تحصى في هذا المجال منها قوله تعالى (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) وقوله تعالى (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر) وقوله تعالى (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) وقوله تعالى (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ).

ومن جانب آخر، فإن الأمة مجمعة على حرمة الحكم بالتكفير على أهل القبلة، وأنه لا يجوز الحكم بتكفير جماعة مسلمة بعينها، أو فرد مسلم بعينه إلا بعد البينات الواضحات النيّرات التي لا لبس فيها ولا غموض تدل على الكفر البواح، (عندكم فيه من الله برهان)، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وليس لأحد أن يكفر أحداً من المسلمين، وإن أخطأ، وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك، بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة).

ولذلك اتفقت المجامع الفقهية، ومئات كبار العلماء والعلماء المحققون على عدم جواز إطلاق الكفر على أحد من أهل القبلة إلا بالأحكام الواضحات البينات وأنه لا يجوز التساهل في هذه المسألة ابداً، ولو وسع المجال لذكرنا قرارات وفتاوى هؤلاء، ولكن سنكتفي بذكر قرارات لمجمع الفقه الإسلامي الدولي الذي يضم عدداً كبيراً من علماء الأمة.


اترك تعليق