الإصلاح وإعمار الكون

By : د. علي القره داغي

إن الحكم الشرعي حتى ولو كان قطعياً مجمعاً عليه يحتاج إلى فقه التنزيل وهذا خاص بأهل الذكر من الفقهاء الربانيين فقال تعالى (... وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا)، فهذا عمر رضي الله عنه لم ينزل حكم السرقة في قطع الأيدي على الذين سرقوا في عام المجاعة، لوجود الشبهة، يقول الإمام الشافعي بعد ذكر شروط المفتي الذي يختلف عن العالم: (فإذا كان هكذا فله أن يتكلم ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فله أن يتكلم في العلم، ولا يفتي) .


ومع كل ما قيل سابقاً فإن الجهاد بمعنى القتال في سبيل الله لحماية الدين والوطن ودرء الأخطار لا يستطيع أحد أن ينكره بل لا يمكن أن تكون هناك دولة محترمة دون وجود قوة تحميها وتحمي مصالحها، بل إن القوة المتكافئة هي المانعة من وقوع الحروب، لأن العدو يحسب ألف حساب إذا علم بقوة المقابل واستعداده، ومن هنا رأينا أن حربين عالميتين خطيرتين قد وقعتا في بداية القرن العشرين إلى وسطه أهلكتا الحرث والنسل، ولكن عندما ظهرت القوة النووية للدولتين الكبيرتين (أمريكا والاتحاد السوفيتي السابق) لم تقع حرب ثالثة ولذلك يدعو الإسلام قبل ألف وأربعمائة سنة المسلمين إلى أن تكون لديهم قوة الردع ليست للقتال، وإنما لمنع الاعتداء.

إن الغاية من خلق الإنسان والهدف من تزويده بميزان العقل والعلم والقدرة ونحوها وأن الهدف من إرسال الرسل، وإنزال الكتب وبخاصة القرآن الكريم هو لتحقيق أمرين هما:

أ- إصلاح الإنسان من خلال تزويده بالعقيدة والأخلاق، والقيم حتى يكون متعاوناً مع الآخر نافعاً غير ضار، ليقوم بعملية الإصلاح للآخر من خلال الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وتوصيل الهداية بالرحمة والرأفة إلى الجميع، فهذه هي وظائف الرسل والأنبياء والمصلحين، بل إن خيرية هذه الأمة تعود إلى أنها أخرجت لمنفعة الناس، ولتوصيل الهداية والخير إلى الآخرين من خلال نشر الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة فقال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) وهذه هي الوظيفة العليا، والغاية القصوى من خلق الإنسان وأنه سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والبصر والفؤاد والعقل.

ب- الغاية الثانية، أو الرسالة المنوط بها هي تعمير الكون على أساس الصلاح والعدل والمساواة وتمكين جميع الخلق من الانتفاع منه.

إن مقاصد الشريعة بالإجماع هي حماية الضروريات الخمس (أو الست) وكذلك الحاجيات، والتحسينات، وتنميتها، فهذه الشريعة مبناها على تحقيق المصالح يقول الإمام ابن القيم: ( فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش، والمعاد، وهي عدل كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَور، وعن الرحمة إلى ضدّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل).


اترك تعليق