الوسطية

By : د. علي القره داغي

ورد في القرآن الكريم لفظ (الوسط) في أربع آيات، حيث ورد بلفظ "وسطا" في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، كما ورد بلفظ "أوسط" في قوله تعالى: (كَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ)، أي الوسط بين الغالي والرخيص. وفي قوله تعالى: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ) أي: أمثلهم وأعدلهم، وأعقلهم. وورد بلفظ "الوسطى" في قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا للهِ قَانِتِينَ)، وهي صلاة العصر؛ لأنها بين صلاة الظهر، والمغرب، أو صلاة الفجر، أو نحو ذلك، وبلفظ "وسَطن" في قوله تعالى: (فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا).

وبالنظر إلى الآيات الأربع، فإن ما يتعلق منها بموضوعنا قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، قال الطبري: (وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم "وسط" لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذين غلوا بالترهيب، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذي بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، وكلهم أهل توسط واعتدال، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها).

وجاء في ظلال القرآن في تفسير هذه الآية: (إنها الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا، فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها؛ فيكون هو الرأي المعتمد، وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها، وتقول: هذا حق منها وهذا باطل. لا التي تتلقَّى من الناس تصوراتها وقيمها وموازينها. وهي شهيدة على الناس، وفي مقام الحكم العدل بينهم، وبينما هي تشهد على الناس هكذا، فإن الرسول هو الذي يشهد عليها فيقرر لها موازينها وقيمها ويحكم على أعمالها وتقاليدها ويزن ما يصدر عنها، ويقول فيه الكلمة الأخيرة، وبهذا تتحدد حقيقة هذه الأمة ووظيفتها.. لتعرفها، ولتشعر بضخامتها. ولتقدر دورها حق قدره، وتستعد له استعدادًا لائقًا. والذي يظهر لنا أن الوسطية هي: الاعتدال في الفكر والتصورات والعقيدة والشعائر والعمل والسلوك، والاستقامة على الطريق، والعدل في التعامل مع الناس، والتوازن في الحققو الواجبات، وبذلك كله تستحق الأمة الإسلامية أن تكون خير أمة أخرجت لأكل الناس أي لأجل بيان الحق لهم، وهدايتهم، ومنع الظلم عنهم، والشهادة لهم، أو عليهم بالعدل والإنصاف في الدنيا والآخرة، ولذلك جاءت هذه الجملة بعد (لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فهذه الشهادة تقتضي أن يكون أصحابها عدولاً معتدلين مستقيمين بعيدين عن الغلو والتطرف والتقصير، والظلم والبغي والعدوان، والفتنة واتباع الهوى.


اترك تعليق